الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4-
العلم والتعليم والتربية في مصر:
1-
اقترن بالفتح الإسلامي لمصر، عناية المسلمين الفاتحين بالعلم والتعليم والتربية على الفضائل الإسلامية الخلقية والسلوكية.
2-
فكان التعليم المقرون بالتربية، يتبع في أول الأمر نظام الحلقات في أي موقع تتاح فيه الفرصة لهما.
وكان جامع "عمرو بن العاص" رضي الله عنه هو المركز الأكبر، والمكان الأهم لعقد حلقات التعليم، وإلقاء دروس العلم والموعظة، وقد اتخذه الصحابة والتابعون مركزًا أوليًّا لعقد حلقاتهم.
ونشطت الحركة العلمية والتعليمية في "جامع عمرو بن العاص" في مصر، وأخذت تنمو وتتسع، حتى صار منارة يؤمها الكثيرون من العلماء الأعلام الذين خلفوا ثروات جليلات، من التصانيف والمؤلفات النافعات.
وقد تخرج في حلقات "جامع عمرو بن العاص" عدد كبير من الفقهاء والمحدثين، واستمر كذلك حتى أوائل القرن الرابع الهجري.
3-
وكانت تقام أيضًا في مصر حلقات علمية خاصة، في منازل أكابر العلماء والفقهاء؛ إذ كانوا يلتقون فيها بطلاب العلم الإسلامي، والمعرفة الدينية، وراغبي التأدب بآداب الإسلام والتحلي بفضائله.
واشتهر من هذه الحلقات حلقة "عبد الله بن الحكم" الفقيه المالكي الذي كان يعقدها في بيته، ثم حلقات ولديه "عبد الرحمن" و"محمد". وكانت حلقاتهم مكان التقاء أكابر العلماء والأدباء المعاصرين لهم، الذين يفدون إلى مصر من مختلف الأقطار.
وحين قدم الإمام محمد بن إدريس الشافعي إلى مصر، وجد من أسرة "عبد الله بن الحكم" عناية ورعاية وإكرامًا.
ولما عقد "الإمام الشافعي" حلقته في جامع "عمرو بن العاص" كانت هذه الأسرة أول من شجعه وحضر درسه.
4-
ثم انتشرت حلقات العلم والتعليم والترتبية والموعظة في كثير من الجوامع الشهيرة في مصر، مثل "جامع أحمد بن طولون".
5-
ثم صارت مجالس العلم والتدريس والحلقات الأدبية الخاصة من تقاليد علية المسلمين وأكابرهم، ومن عناصر الحياة الرفيعة في مصر، بفضل الأمير "محمد بن طغج الإخشيدي" وولده "آنوجور" ووزيره الخصي "كافور" وكثير من أمراء الدولة الإخشيدية.
6-
وظل نظام الحلقات هو النظام المتبع للدراسة العالية الممتازة، وكان هذا النظام هو أساس الحياة العلمية والفكرية في مصر.
عهد العبيديين "الفاطميين":
7-
وفي أواسط القرن الرابع الهجري دخل العبيديون الذين سموا أنفسهم "فاطميين" قادمين من المغرب، فحكموا مصر.
وتم للقائد الفاطمي "جوهر بن عبد الله" الصقلي فتح مصر وكانت قاعدتها "الفسطاط"1، فأراد أن يؤسس مدينة أخرى تقع إلى شمالها، وشرع بتأسيسها، وسماها "المنصورية" ثم انضمت المدن المتجاورة التي أسست في هذا الموقع وغلب عليها اسم "القاهرة" المعروفة الآن.
- وحين شرع "جوهر الصقلي" ببناء المنصورية ابتدأ العمل ببناء جامع المدينة الجديدة، وهو المعروف الآن بـ"الجامع الأزهر". وتم بناء الأزهر وما حوله من قصور الخلافة وبيوت أكابر رجاله الدولة في نحو ثلاثين شهرًا.
- وأراد الفاطميون أن يجعلوا الأزهر مركزًا لنشر مذهبهم الذين ينتمون فيه إلى الشيعة، وأول من ألقى الدروس فيه منهم "أبو الحسن علي بن النعمان بن محمد بن حيون".
- ثم اختارت الدولة الفاطمية خمسة وثلاثين عالمًا منهم وجعلتهم مدرسين في الأزهر، وأنشأت لهم مساكن حول الجامع الأزهر، وكان لهؤلاء العلماء صلة من مال الوزير في كل سنة، وكان يخلع عليهم في عيد الفطر خلعات كسوة تكريمية.
- وجدد الحاكم بأمر الله الفاطمي الأزهر، وأوقف له الأوقاف للإنفاق عليه وعلى طلابه وأساتذته من ربعها.
- ثم اعتنى الفاطميون من بعده بالأزهر اعتناء عظيمًا؛ رغبة منهم في جعله
1 الفسطاط: مدينة أسسها "عمر بن العاص" في سنة "41هـ" بإذن الخليفة "عمر بن الخطاب" بعد فتح مصر، واتخذ لها مكانًا في الفضاء المتسع بين النيل وتلال المقطم، بالقرب من حصن بابليون، وأقام بها مسجدًا كبيرًا ودارًا للإمارة، وهي الآن جزء من القاهرة الكبرى، ولما أسس الفاطميون القاهرة إلى جوار الفسطاط، تقهقر حال الفسطاط، وأخذ سكانها ينتقلون إلى القاهرة وما حولها.
ذا شأن عظيم يجتذب طلاب العلم الذين يغرسون فيهم مذهبهم، من جميع بلدان المسلمين؛ إذ يجدون فيه المأكل والمشرب والمسكن والملبس مجانًا.
عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي:
8-
وفي القرن السادس الهجري سنة "567هـ" قضى السلطان "صلاح الدين الأيوبي" على الدولة الفاطمية، وعلى مذهبها وتقاليدها؛ إذ كان صلاح الدين سُني الاعتقاد شافعي المذهب، واعتمد التدريس في الأزهر على العقيدة السنية، وعلى المذاهب السنية الأربعة:"المذهب الشافعي" والمذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الحنبلي".
وكان نظام التدريس في الأزهر يعتمد على الحلقات، فلكل شيخ في علم من العلوم حلقة يجتمع فيها طلاب هذا العلم، وفق المستوى الذي يدرسه، ويستمر شيخ الحلقة يدرس هذا العلم حتى نهايته، بتقرير كتاب معين، أو بإملاء أمالي تناسب مستوى الطلبة.
9-
وقد يكتب الشيخ للطالب الذي رآه قد استوعب ما تلقاه من العلم فهمًا وحفظًا "إجازة" بذلك العلم، ضمن حدود الكتاب الذي تلقاه عن الشيخ، أو ضمن حدود الأمالي التي أملاها.
وبهذه "الإجازة" يكون الطالب أهلًا لتدريس العلم الذي تلقاه عن شيخه.
أما الإجازة العامة فقد كان يعقد في إيوان الأزهر للمرشح لها من الذين تلقوا مختلف العلوم التي كانت تدرس في حلقات الأزهر، مجلس من كبار شيوخ الأزهر وعلمائه، ويحضره من الطلبة من شاء، ويمتحن الطالب المرشح امتحانًا شفهيًّا من قبل مجلس كبار الشيوخ أساطين العلم في الأزهر، وقد توجه له الأسئلة من كبار الطلبة ومتقدميهم، ويستمر مجلس الامتحان ساعات طويلات منهكات، ومن المعتاد أن لا يجتاز هذا الامتحان بنجاح إلا عالم متمكن من كل العلوم التي كانت تقرر في الأزهر، ومستحضر لمعظم مسائلها، وقادر على حل معضلات المسائل.
10-
وكان طلاب "الأزهر" يسمون المجاورين؛ لأن أكثرهم وافدون من الأقاليم المصرية، أو من بلدان العالم الإسلامي.
ويتصل بالأزهر أروقة لسكنى الطلبة الوافدين، وكان لكل جهة من جهات العالم الإسلامي، أو إقليم من أقاليمه رواق، فلأهل الحرمين الشريفين رواق، وللشاميين رواق، وللمغاربة رواق، وللأتراك رواق، وهكذا.
وألحق بالأزهر عدة مدارس في عهود متعددة، وبنيت لها مبانٍ خاصة بها.
واستمر الأزهر أكبر جامعة إسلامية تبث ضياء العلم ونوره، ما بين قوة وضعف، وما زال جامعة إسلامية كبيرة مرموقة، مع ما استحدث من جامعات إسلامية أو كليات إسلامية في مختلف بلدان العالم الإسلامي.
11-
وقد تعرض "الأزهر" لمكايد كثيرة من قبل أعداء الإسلام استعماريين وغير استعماريين؛ بغية إلغائه أو تحويله عن أهدافه، أو إضعاف شأنه، إلا أن الله عز وجل حفظ له هيكله العام، وأبقى له مكانته وتأثيراته.
12-
وللأزهر إدارة يرأسها شيخ الأزهر، ولقبه المشهور "الأستاذ الأكبر".
وللأزهر أوقاف كثيرة، وكان لشيخ الأزهر في مصر المكانة الاجتماعية الأولى بعد رئيس الدولة.
13-
وفي القرن الرابع عشر الهجري "العشرين الميلادي" تعرض الأزهر للتطوير، فصار جامعة ذات كليات ثلاث منفصلات، وهي:"كلية الشريعة" و"كلية أصول الدين" و"كلية اللغة العربية".
ودونها معاهد موزعة على المراكز المهمة في المحافظات المصرية، تبدأ من المرحلة الابتدائية، حتى نهاية المرحلة الثانوية.
14-
وكان من شروط الالتحاق بالأزهر منذ المرحلة الابتدائية أن يكون الطالب قد أتم حفظ القرآن في الكتاتيب أو في غيرها.