الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: أثر الأسس الفكرية والنفسية في بناء الحضارات
لكل حضارة من الحضارات الإنسانية أسس فكرية ونفسية كانت لها هي القوة الدافعة، والموجهة، والمحددة لخط سيرها.
ولذلك لا بد أن تكون المظاهر الحضارية لكل أمة نتائج ملائمة لمجموعة الأفكار والعقائد والتقاليد والعوامل النفسية المهيمنة عليها، يشهد لهذه الحقيقة الأمثلة التالية.
أولًا: كانت الأسس الفكرية عند اليونان الإغريق قائمة على تمجيد العقل. ولذلك كانت مظاهر حضارتهم ذات صلة وثيقة بهذه الأسس؛ إذ أثمرت لهم خلال قرون علومًا فلسفية ورياضية ونفسية وطبية، وفنونًا جمالية مختلفة.
ولما كانت أسسهم الفكرية غير شاملة لحاجات الحياة كلها لم تستطع حضارتهم أن تعطي الصورة المثلى للحضارة الإنسانية.
ثانيًا: وكانت الأسس الفكرية عند الرومان قائمة على تمجيد القوة، والرغبة ببسط السلطان الروماني على الشعوب، لذلك كانت مظاهر حضارتهم ذات صلة وثيقة بهذه الأسس؛ إذ أثمرت لهم خلال قرون إعداد أجساد قوية، وجيوش متقنة البناء، حسنة الاستعدادات والتدريبات الحربية، وأورثتهم هذه القوة سلطانًا ممتدًا في الأرض على شعوب كثيرة، غلبوها واستعمروها، واستغلوا خيراتها، كما أثمرت لهم أيضًا اشتراع مجموعة من القوانين والتنظيمات المدنية والعسكرية.
ولما كانت أسسهم الفكرية والنفسية غير شاملة لحاجات الحياة كلها لم تستطع حضارتهم أن تعطي الصورة المثلى للحضارة الإنسانية.
ثالثًا: وكانت الأسس الفكرية عند الفرس قائمة على تمجيد اللذة الجسدية، والسلطان، والقوة الحربية، ولذلك كانت مظاهر حضارتهم ذات صلة وثيقة بهذه الأسس؛ إذ أثمرت لهم خلال قرون قصورًا فخمة، ومجالات كثيرة للترف المفرط، وجيوشًا حربية ذات بأس، بسطت سلطانهم على شعوب كثيرة غلبوها واستعمروها، واستغلوا خيراتها.
ولما كانت أسسهم الفكرية والنفسية غير شاملة لحاجات الحياة كلها، لم تستطع حضارتهم أن تغطي الصورة المثلى للحضارة الإنسانية.
رابعًا: وكانت الأسس الفكرية عند الهنود قائمة على تمجيد القوى الروحية وتنميتها بقهر مطالب الجسد وكبت غرائزه، ولذلك كانت مظاهر حضارتهم ذات صلة وثيقة بهذه الأسس؛ إذ أثمرت لهم خلال قرون مجموعة كبيرة من التعاليم الروحية التي أخذت بتطاول الأمد صبغة ملل ونحل وديانات، ووجهتهم للتعلق بالعلوم الروحانية المختلفة، كالسحر، وفنون الحيلة الخادعة للحواس، التي تعتمد على التلاعب بها، والتأثير على النفوس من ورائها، ومنحتهم مهارات مختلفة في التأثير على الأحياء الشرسة، فكثر فيهم حواة الثعابين والحيات والعقارب، ونحو ذلك من الهوام السامة المؤذية.
ولما كانت أسسهم الفكرية والنفسية غير شاملة لحاجات الحياة كلها لم تستطع حضارتهم أن تُعطي الصورة المثلى للحضارة الإنسانية.
خامسًا: أما حضارة القرون الحديثة التي بدأت منذ أواخر القرن الثامن عشر للميلاد واستمرت في نموها المادي تمتد وتنتشر من مهدها في أوروبا إلى كثير من بلاد العالم فأسسها قائمة على تمجيد العلوم المادية، والاستفادة من جميع الطاقات الكونية الكمينة والظاهرة لخدمة الجسد، ومنحه وافر الرفاهية والمتعة واللذة؛ واختصار الزمن له، وتقريب المسافات، وتخفيف الجهد عنه،
ودفع الآلام الجسدية، وقائمة أيضًا على الرغبة ببسط السلطان على الشعوب، واستغلال خيراتها، وإعداد القوة الكفيلة بتحقيق ذلك بدءًا واستمرارًا.
ولذلك نلاحظ أن مظاهر هذه الحضارة الحديثة ذات صلة وثيقة بهذه الأسس؛ إذ أثمرت لإنسان هذه القرون الحديثة ولمن يأتي من بعده مجموعة كبيرة جدًّا من العلوم المادية المتطورة المتقدمة، ومجموعة ضخمة من المبتكرات والمخترعات التي أفادت الإنسان في مختلف نواحي مطالبه المادية، السلمية والحربية، ومجموعة ضخمة من النظم والتشريعات الوضعية، التي ساهمت في تنظيم علاقات الناس أفرادًا وجماعات وأممًا وشعوبًا ودولًا، كما أثمرت له ذخائر كبيرة جدًّا من القوى الحربية الدفاعية والهجومية.
ولا بد أن يلاحظ الباحثون المنصفون في هذه الحضارة الحديثة أن أسسها الفكرية غير شاملة لحاجات الحياة كلها، وذلك لإهمالها جوانب مهمة من حياة الإنسان النفسية والروحية والخلقية والسلوكية، ولاستهانتها بالجوانب الفكرية العليا، المتصلة بمنشأ الإنسان ومعاده، والغاية من وجوده.
من أجل ذلك فإن هذه الحضارة الحديثة لن تستطيع أن تعطي الصورة المثلى للحضارة الإنسانية الراقية، وربما يكون تقدمها الباهر في وسائل الرفاهية وأعتدة القوة سببًا من أسباب دمارها المذهل إن عاجلًا أو آجلًا.
سادسًا: وأما الحضارة الإسلامية فهي الحضارة الوحيدة التي تشتمل أسسها الفكرية والنفسية على حاجات الحياة كلها، من مختلف جوانبها الفكرية والروحية والنفسية والجسدية والمادية، الفردية والاجتماعية، ومن جميع المجالات العلمية والعملية.
لذلك فهي جديرة بأن تمنح الأمم التي تلتزم بها وتسير في منهجها سيرًا قويمًا الصورة المثلى للحضارة الإنسانية الراقية.
وقد استطاعت أسس هذه الحضارة ووسائلها ومناهجها أن تدفع الأمة الإسلامية في حقبة من الدهر للارتقاء في سلم الحضارة المجيدة المثلى، على مقدار التزامهم بأسسها ووسائلها ومنهجها السديد، وكانت نسبة الارتقاء الذي
أحرزته هذه الأمة نسبة مدهشة إذا قيست بالزمن والطاقات التي تيسرت لهم حينئذ، واستمروا في ارتقائهم المدهش حتى أدركهم الوهن والانحراف عن أسس الحضارة الإسلامية الصحيحة، ووسائلها الفعالة، ومنهجها السديد.
ويظل ارتقاء قمم الحضارة المثلى أبد الدهر رهنًا بالتزام أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها ومنهجها.
ولكن أعداء هذه الحضارة يوجهون قوى شتى خفية وظاهرة لمنعها من أن تسير في منهجها الإنساني القويم، لذلك فهي في صراع مستمر مع عوامل الهدم والشر والإفساد في الأرض، الأمر الذي يعوق تقدمها، ويعرقل سبيلها باستمرار.