الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(38) كتاب الرقاق
(1) باب وجوب التوبة وفضلها
وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس، توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة.
[2666]
وعن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: سمعت
ــ
(38)
كتاب الرقاق
(1 و 2) ومن باب وجوب التوبة وفضلها (1)
قد تقدم القول في وجوب التوبة، وفي معناها اللغوي، وقد اختلفت عبارات العلماء والمشايخ فيها، فقائل يقول: إنها الندم، وآخر يقول: إنها العزم على ألا يعود، والآخر يقول: إنها الإقلاع عن الذنب، ورابع يجمع بين تلك الأمور الثلاثة، فيقول: إنها الندم على ذنب وقع، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعود إليه، وهذا أكملها، غير أنه مع ما فيه من التركيب المحذور في الحدود غير مانع ولا جامع.
(1) شرح المولف تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، والباب الذي يليه بعنوان: باب: ما يُخاف من عقاب الله على المعاصي.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بيان الأول: أنه قد يندم، ويقلع، ويعزم، ولا يكون تائبا شرعا، إذ قد يفعل ذلك شحا على ماله، أو لئلا يعيره الناس من ذلك. ولا تصح التوبة الشرعية إلا بالنية والإخلاص؛ فإنَّها من أعظم العبادات الواجبات، ولذلك قال تعالى:{تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوبَةً نَصُوحًا}
وأما الثاني: فبيانه أنه يخرج منه مَن زنى مثلا، ثم قطع ذكره، فإنَّه لا يتأتى منه غير الندم على ما مضى من الزنى، وأما العزم والإقلاع فغير متصورين منه، ومع ذلك فالتوبة من الزنى صحيحة في حقه إجماعا، وبهذا اغتر من قال: إن الندم يكفي في حد التوبة، وليس بصحيح؛ لأنَّه لو ندم ولم يقلع، وعزم على العود، لم يكن تائبا اتفاقا، ولما فهم بعض المحققين هذا حد التوبة بحد آخر، فقال: هي ترك اختيار ذنب سبق منك مثله، حقيقة أو تقديرا؛ لأجل الله تعالى، وهذا أسد العبارات وأجمعها، وبيان ذلك: أن التائب لا بد أن يكون تاركا للذنب، غير أن ذلك الذنب الماضي قد وقع، وفرغ منه، فلا يصح تركه؛ إذ هو غير متمكن من عينه لا تركا ولا فعلا، وإنما هو متمكن من مثله حقيقة، وهو زنى آخر مثلا، فلو جب لم تصح منه حقيقة الزنى، بل: الذي يصح منه أن يقدر أنه لو كان متمكنا من الزنى لتركه. فلو قدرنا من لم يقع منه ذنب لم يصح منه إلا اتقاء ما يمكن أن يقع، لا ترك مثل ما وقع، فيكون متقيا لا تائبا، فتدبر هذا.
و(قوله: لأجل الله تعالى) تحرز من ترك ذلك لغير الله تعالى؛ إذ ذلك لا يكون تائبا اتفاقا، فلا يكون فعله ذلك توبة، وهذا واضح، وإذا تقرر هذا فاعلم أن الباعث على التوبة تنبيه إلهي ينبه به من أراد سعادته لقبح الذنوب وضررها؛ فإنها سموم مهلكة تفوت على الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، وتحجبه عن معرفة الله تعالى في الدنيا، وعن تقريبه وكرامته في الدار الآخرة. ومن انكشف له هذا، وتفقد نفسه وجد نفسه مشحونة بهذا السم، ومملوءة بهذه الآفات، فلا شك في أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبدِهِ المُؤمِنِ مِن رَجُلٍ فِي أَرضٍ دَوِّيَّةٍ مَهلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاستَيقَظَ وَقَد
ــ
من حصل له علم ذلك، انبعث منه خوف هجوم الهلاك، فتتعين عليه المبادرة لطلب أمر يدفع به عن نفسه ضرر ما يتوقعه ويخافه. فحينئذ ينبعث منه الندم على ما فرط، وترك مثل ما سبق؛ مخافة عقوبة الله تعالى، فيصدق عليه أنه تائب، فإن لم يكن كذلك كان مصرا على المعصية، وملازما لأسباب الهلكة.
ثم اعلم بعد هذا: أن الذنوب إما كفر، وإما غيره، فتوبة الكافر عند موته مقطوع بعدم قبولها، وما عداها فمقبولة إن شاء الله، بوعده الصدق، وقوله الحق.
وأعني بالقبول: الخلاص من ضرر الذنوب حتى يرجع كمن لم يعمل ذنبا، كما قال صلى الله عليه وسلم: التائب من الذنب كمن لا ذنب له (1). ثم إن الذنب الذي يتاب منه إما حق لله تعالى، وإما حق لغيره، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك الذي ذكرناه، غير أن منها: ما لم يكتف الشرع منه بمجرد الترك، بل: أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء، كالصلاة والصوم، ومنها: ما أضاف إليها كفارة، كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك، فلا يرتفع ضرر ذلك الذنب إلا بتركه وفعل ما أمره الله تعالى به من القضاء والكفارة. وأما حقوق الآدميين، فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم توصل إلى أربابها لم يتخلص من ضرر ذلك الذنب إلا بتركه وفعل ما أمره الله به، ومن اجتهد في الخروج عن الحقوق، فلم يقدر على الخروج منها، فعفو الله مأمول، وفضله مبذول، وكم ضمن من التبعات، وكم بذل من السيئات بالحسنات، وتفصيل ما أجملناه موجود في كتب مشايخ الإسلام، رحمهم الله.
و(قوله: لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة. . . الحديث) هذا مثل قُصد به بيان سرعة قبول الله تعالى لتوبة عبده التائب
(1) رواه ابن ماجه (4250).
ذَهَبَت، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدرَكَهُ العَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاستَيقَظَ وَعِندَهُ رَاحِلَتُهُ، وَعَلَيهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ العَبدِ المُؤمِنِ مِن هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ.
رواه أحمد (1/ 383)، والبخاريُّ (6308)، ومسلم (2744)، والترمذيُّ (2499 و 2500).
ــ
فإنَّه يقبل عليه بمغفرته ورحمته، ويعامله معاملة من يفرح به. ووجه هذا المثل: أن العاصي حصل بسبب معصيته في قبضة الشيطان وأسره. وقد أشرف على الهلاك. فإذا لطف الله تعالى به، وأرشده للتوبة، خرج من شؤم تلك المعصية، وتخلص من أسر الشيطان، ومن المهلكة التي أشرف عليها، فأقبل الله تعالى عليه برحمته ومغفرته، وبادر إلى ذلك مبادرة هذا الذي قد انتهى به الفرح، واستفزه السرور إلى أن نطق بالمحال، ولم يشعر به لشدة سروره وفرحه، وإلا فالفرح الذي هو من صفاتنا محال على الله تعالى؛ لأنَّه اهتزاز وطرب يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به الإنسان نقصانه، ويسد به خلته، أو يدفع عن نفسه ضررا، أو نقصا، وكل ذلك محال على الله تعالى، فإنَّه الكامل بذاته، الغني بوجوده، الذي لا يلحقه نقص ولا قصور، لكن هذا الفرح عندنا له ثمرة وفائدة، وهو الإقبال على الشيء المفروح به، وإحلاله المحل الأعلى، وهذا هو الذي يصح في حقه تعالى، فعبر عن ثمرة الفرح بالفرح على طريقة العرب في تسميتها الشيء باسم ما جاوره، أو كان منه بسبب. وقد قدمنا أن ذلك القانون جار في كل ما أطلقه الله تعالى على نفسه من الصفات التي لا تليق به، كالغضب والرضا والضحك، وغير ذلك.
و(قوله: دوية مهلكة) الرواية المشهورة بفتح الدال، وتشديد الواو المكسورة، وتشديد الياء مفتوحة، وهي: القفر والفلاة. وجمعها: داوي. قال
[2667]
ومن حديث أنس: فأخذ بخطامها فقال من شدة الفرح: اللهم، أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح.
رواه أحمد (3/ 213)، والبخاريُّ (6309)، ومسلم (2747)(7).
* * *
ــ
الخليل: الداوية: المفازة. وقال الهروي في خطبة الحجاج:
قد لفها الليل بعصلبي
…
أروع خراج من الداوي
قال: يعني الفلوات. الواحدة: داوية. في الصحاح: الدو والدوي: المفازة، وكذلك الدوية، لأنها مفازة مثلها، فنسبت إليها، قال: والدو أيضًا موضع، وهو من أرض العرب. وربما قالوا: داوية، قلبوا الواو الأولى الساكنة ألفا لانفتاح ما قبلها، ولا يقاس عليه.
و(قوله: مهلكة) الرواية بفتح الميم واللام، أي: يهلك فيها، وقد قُيد مهلكة بضم الميم وكسر اللام، اسم فاعل، أي: يهلك من يدخل فيها، وإنما سميت القفر المفازة من قولهم: فوز الرجل: إذا هلك. وقيل: بل على طريق التفاؤل، كما يقال للديغ: سليم.
و(قول الحارث بن سويد: حدثني عبد الله حديثين، أحدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر عن نفسه). ثم حدث بالحديث الذي ذكرناه في التوبة. ولم يذكر مسلم الحديث الأول الذي حدث به نفسه، وقد ذكره البخاري والترمذي وغيرهما، فقال: المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، والفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا (1)، فهذا هو الذي حدثه ابن مسعود عن نفسه، لا أنه رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو صحيح المعنى، يشهد له ما في الوجود من خوف المؤمن، وتهاون الفاجر والمنافق.
(1) رواه أحمد (1/ 383)، والبخاري (6308)، والترمذي (2497).