الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(17) باب كيف يكون انقراض هذا الخلق وتقريب الساعة وكم بين النفختين
[2836]
عن عبد الله بن عمرو، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الحَدِيثُ الَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ؟ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ - أَو: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَو كَلِمَةً نَحوَهُمَا - لَقَد هَمَمتُ أَن لَا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلتُ: إِنَّكُم سَتَرَونَ بَعدَ قَلِيلٍ أَمرًا عَظِيمًا، يُحَرَّقُ البَيتُ وَيَكُونُ
ــ
لا يتمادى، ولا يُقر على شيء من ذلك، بل يُرشد إلى التحقيق، ويُسلك به سواء الطريق. والحاصل من هذا: أنه صلى الله عليه وسلم، ظن أن الدجال المذكور في بحر الشام؛ لأنَّ تميما إنما ركب في بحر الشام، ثم عرض له أنَّه في بحر اليمن؛ لأنَّه يتصل ببحر متصل ببحر اليمن، فيجوز ذلك. ثم أطلعه العليم الخبير على تحقيق ذلك فحقق وأكد. وتاهت السفينة: صارت على غير اهتداء. والتيه: الحيرة. والرواق: سقف في مقدم البيت، ويجمع في القلة: أروقة، وفي الكثرة: روقا.
(17)
ومن باب: كيف يكون انقراض هذا الخلق
(قوله: لقد هممت ألا أحدث أحدا شيئا أبدا) إنما قال ذلك لأنَّهم نسبوا إليه ما لم يقل، فشق ذلك عليه، ثم إنَّه لما علم أنه لا يجوز له ذلك، ذكر ما عنده من علم ذلك.
و(قوله: يحرق البيت) قد كان ذلك في عهد ابن الزبير، وذلك أن يزيد بن معاوية وجه من الشام مسلم بن عقبة المدني، في جيش عظيم لقتال ابن الزبير، فنزل بالمدينة، وقاتل أهلها وهزمهم، وأباحها ثلاثة أيام، وهي وقعة الحرة، وقد قدمنا ذكرها، ثم سار يريد مكة، فمات بقديد، وولي الجيش الحصين بن نمير، وسار إلى
وَيَكُونُ. . . ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَخرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمكُثُ أَربَعِينَ، لَا أَدرِي أَربَعِينَ يَومًا أَو أَربَعِينَ شَهرًا أَو أَربَعِينَ عَامًا، فَيَبعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابنَ مَريَمَ، كَأَنَّهُ عُروَةُ بنُ مَسعُودٍ فَيَطلُبُهُ فَيُهلِكُهُ، ثُمَّ يَمكُثُ النَّاسُ سَبعَ سِنِينَ، لَيسَ بَينَ اثنَينِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبقَى عَلَى وَجهِ الأَرضِ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ أَو إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتهُ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَكُم دَخَلَ فِي كَبَدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتهُ عَلَيهِ حَتَّى تَقبِضَهُ. قَالَ: سَمِعتُهَا مِن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: فَيَبقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيرِ وَأَحلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعرِفُونَ مَعرُوفًا وَلَا يُنكِرُونَ مُنكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُم الشَّيطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَستَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأمُرُنَا؟ فَيَأمُرُهُم بِعِبَادَةِ الأَوثَانِ وَهُم فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزقُهُم حَسَنٌ عَيشُهُم، ثُمَّ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَن
ــ
مكة فحاصر ابن الزبير، وأُحرقت الكعبة حتى انهدم جدارها وسقط سقفها، وجاء الخبر بموت يزيد فرجعوا.
و(قوله: فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما، أو شهرا، أو سنة) هذا الشك من عبد الله بن عمرو، وقد ارتفع بالأخبار السابقة أنه أربعون يوما على التفصيل المتقدم.
و(قوله: لو أن أحدكم دخل في كبد جبل) كذا صحيح الرواية، ووقع في بعض النسخ: كبد رجل، وهو مثل قصد به الإغياء، وكبد الشيء: داخله.
و(قوله: ويبقى شرار الناس، في خفة الطير، وأحلام السباع) أي: هم في مسارعتهم، وخفتهم إلى الشرور وقضاء الشهوات وغلبة الأهواء، كالطير لخفة طيرانه، وهم في الإفساد والعدوان كالسباع العادية. والصور: قرن يُنفخ فيه، كما جاء في الحديث. وأصغى: أمال، والليت: صفحة العنق، وهو جانبه.
يَسمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوضَ إِبِلِهِ قَالَ: فَيَصعَقُ وَيَصعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرسِلُ اللَّهُ - أَو قَالَ: يُنزِلُ اللَّهُ - مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ، أَو: الظِّلُّ - نُعمَانُ الشَّاكُّ - فَتَنبُتُ مِنهُ أَجسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنفَخُ فِيهِ أُخرَى، فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُم، وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَسئُولُونَ. قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: أَخرِجُوا بَعثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِن كَم؟ فَيُقَالُ: مِن كُلِّ أَلفٍ تِسعمِائَةٍ وَتِسعَةً وَتِسعِينَ. قَالَ: فَذَاكَ يَومَ {يَجعَلُ الوِلدَانَ شِيبًا} وَذَلِكَ {يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ}
ــ
و(قوله: كأنه الطل، أو الظل) هذا شك، والأصح أنه الطل بالطاء المهملة، لقوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ثم ينزل من السماء ماء، وفي حديث آخر: كمني الرجال. وهلموا؛ أي: تعالوا وأقبلوا، وقد تقدَّم أن فيها لغتين، وقد روي هنا بالوجهين: هلموا، وهلم.
و(قوله: ثم يقال أخرجوا بعث النار) قد تقدَّم في الإيمان أن الذي يقال له ذلك: آدم عليه السلام والجمع بينهما بأن المأمور أولا آدم، وهو يأمر الملائكة بالإخراج، ومعنى الإخراج هنا بتمييز بعضهم من بعض، وإلحاق كل طائفة بما أعد لها من الجنة أو النار.
و(قوله: فذلك يوم يجعل الولدان شيبا) الولدان: جمع وليد، وهو الصغير. يقال عليه من حين الولادة إلى أن يرجع جفرا. وشيبا: جمع أشيب؛ أي: يصير الصغير أشيب لشدة أهوال ذلك اليوم. وقيل: هذا على التهويل والتمثيل، كما قال أبو تمام:
خطوب تشيب (1) رأس الوليد
و(قوله: وذلك يوم يكشف عن ساق) معناه ومعنى ما في كتاب الله تعالى
(1) في (ع): شَيبَتْ.
رواه أحمد (2/ 166)، ومسلم (2940)(116)، والنسائي في الكبرى (11629).
[2837]
عن عائشة قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: إن يعش هذا لم يدركه الهرم، قامت عليكم ساعتكم.
رواه البخاريُّ (6511)، ومسلم (2952).
ــ
من ذلك واحد، وهو عبارة عن شدة الحال وصعوبة الأمر. قاله ابن عباس في الآية. يقال: كشفت الحرب عن ساقها. قال الشاعر:
قد حلت الحرب بكم فجُدوا
…
وكشفت عن ساقها فشُدوا
وقال آخر:
كشفت لكم عن ساقها
…
وبدا من الشر الصراح
وأصله: أن المُجِد في الأمر يشد إزاره، ويرفعه عن ساقه. قال قتادة: يقال للواقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد: قد كشف ساقه. قال الشاعر:
في سنة قد كشفت عن ساقها
…
حمراء تبري اللحم عن عراقها
قلت: وهذا المعنى بين في هذا الحديث فتأمل مساقه، وعليه تُحمل الآية، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل فيها.
و(قوله: إن يعش هذا لم يدركه الهرم، قامت عليكم ساعتكم) هذه الرواية رواية واضحة حسنة، وهي المفسرة لكل ما يرد في هذا المعنى من الألفاظ المشكلة، كقوله في حديث أنس رضي الله عنه: حتى تقوم الساعة، وفي لفظ آخر: القيامة، فإنَّه يعني به ساعة المخاطبين وقيامتهم، كما تقدم في تفسير الراوي، لقوله: يعني بذلك أن ينخرم ذلك القرن.
[2838]
ومن حديث أنس، قال: إن عُمِّر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة. قال أنس: ذلك الغلام من أترابي يومئذ.
رواه مسلم (2953)(138).
[2839]
وعنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بُعثت أنا والساعة كهاتين. قال: وضم السبابة والوسطى.
رواه أحمد (3/ 123)، والبخاريُّ (6504)، ومسلم (2951)(135)، والترمذيُّ (2214).
[2840]
وعن أبي هريرة - يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم، والرجلان يتبايعان الثوب، فما يتبايعانه حتى تقوم، والرجل يلط في حوضه، فما يصدر حتى تقوم.
رواه أحمد (2/ 369)، والبخاريُّ (6506)، ومسلم (2954).
ــ
و(قوله: بُعثت أنا والساعة كهاتين وضم بين السبابة والوسطى) رويته: أنا والساعة بالضم والفتح، فالضم على العطف، والفتح على المفعول معه، والعامل: بُعثت. وكهاتين: حال، أي: مقترنين، فعلى النصب يقع التشبيه بالضم، وعلى الرفع يحتمل هذا ويحتمل أن يقع بالتفاوت الذي بين السبابة والوسطى فتأمله. ويدل عليه قول قتادة في بعض رواياته: كفضل إحداهما على الأخرى، وحاصله تقريب أمر الساعة التي هي القيامة، وسرعة مجيئها، وهذا كما قال:{فَقَد جَاءَ أَشرَاطُهَا} قال الحسن: أول أشراطها: محمد صلى الله عليه وسلم.
و(قوله: تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم. . . الحديث) وقد تقدَّم أن اللقحة: الناقة ذات اللبن. ويلوط حوضه
[2841]
وعنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا.
ــ
ويتلوط في حوضه؛ أي يصلحه ويطينه، ويروى: يلط حوضه، بمعناه. ويقال: لاط حوضه يلوطه، وهي المعروفة، ويقال: ألاط حوضه يليطه: إذا طينه، وحاصل هذا الحديث أن الساعة تقوم بغتة، كما قال تعالى:{لا تَأتِيكُم إِلا بَغتَةً}
و(قوله: ما بين النفختين أربعون) يعني: نفختي الصعق والبعث، يشير إلى قوله تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ إِلا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ}
و(قول أبي هريرة: أبيت أبيت، لما سئل عن الأربعين ما هي) يدل على أنه كان عنده من ذلك علم، وامتنع من بثه، لأنه لا ترهق إليه حاجة ولا يتعلق به عمل، ويحتمل أن لا يكون عنده علم من ذلك.
و(قوله: أبيت، أبيت) يعني أبيت أن أسأل عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه بُعد.
و(قوله: ثم ينزل الله من السماء ماء) يعني به بعد نفخة الصعق، ينزل هذا الماء الذي هو كمني الرجال، فتتكون فيه الأجسام بقدرة الله تعالى، وعن ذلك عبر بقوله: فينبتون كما ينبت البقل، فإذا تهيأت الأجسام وكملت نفخ في الصور نفخة البعث، فخرجت الأرواح من المحال التي هي فيها. قال بعضهم: فتأتي كل روح إلى جسده فيحييها الله تعالى، كل ذلك في لحظة بدليل قوله تعالى:{فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ}
في رواية: لا تأكله الأرض أبدا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة.
وفي أخرى: منه خلق، وفيه يركب.
رواه البخاريُّ (4814)، ومسلم (2955)(141 و 142)، وأبو داود (4743)، والنسائي (4/ 111).
* * *
ــ
و(قوله: كل ابن آدم تأكله الأرض) أي: تبليه، وتصيره إلى أصله الذي هو التراب، هذا عموم مخصص بقوله صلى الله عليه وسلم: حرم الله تعالى على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء (1). وبقوله صلى الله عليه وسلم: المؤذن المحتسب كالمتشحط في دمه، وإن مات لم يُدَوّد في قبره (2). وظاهر هذا أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء والمؤذنين المحتسبين، وقد شوهد هذا فيمن اطُّلع عليه من الشهداء، فوُجدوا كما دُفنوا بعد آماد طويلة، كما ذكر في السير وغيرها. وعجب الذنب، يقال بالباء والميم، وهو جزء لطيف في أسفل الصلب، وقيل: هو رأس العصعص، كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب البعث من حديث أبي سعيد الخدري، وذكر الحديث: قيل: يا رسول الله وما هو؟ قال: مثل حبة خردل، ومنه تنتشرون (3).
و(قوله: منه خلق وفيه يركب) أي: أول ما خلق من الإنسان هو، ثم إن الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى.
* * *
(1) رواه ابن عساكر (3/ 157).
(2)
رواه الطبراني في الكبير (12/ 13554)، وانظره في الترغيب والترهيب (377).
(3)
رواه ابن حبان (3140) بلفظ: ". . . منه يَنْشَأ".