الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(3) باب في رجاء مغفرة الله تعالى وسعة رحمته
[2671]
عن عبد الله بن مسعود قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَيسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيهِ المَدحُ مِن اللَّهِ عز وجل، مِن أَجلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفسَهُ، وَلَيسَ
ــ
وثانيهما: تخفيف إن المكسورة، ورفع اسم الله تعالى بعدها، وجزم يقدر بها، علي مشددة الياء، ويعذبني مجزوم على جواب الشرط. وهذه الرواية مصححة لقول من قال: إن الرجل كان شاكا، على ما ذكرناه. والأول أشبه ما اخترناه، والله تعالى أعلم.
ومعظم فوائد هذا الحديث أن المسرف على نفسه لا ييأس من رحمة الله تعالى ومغفرته، وفيه ما يدلّ على أنه كان من شرائع من قبلنا أن للرجل أن يورث ماله من يشاء من الناس، فنسخ ذلك شرعنا.
(3)
ومن باب: رجاء مغفرة الله سبحانه وسعة رحمته
(قوله: ليس أحد أحب إليه المدح من الله) التقييد الصحيح رفع أحب على أنه خبر مقدم، ومبتدؤه: المدح، والجملة خبر: ليس. وقد قيده بعض الناس: أحبَّ، بالنصب على أنه خبر: ليس، وفيه بُعد وتكلف، وقد تقدَّم القول في محبة الله غير مرة، ومعناها هنا: أن الله تعالى يثيب مادحيه بما لا يثيب أحد من الخلق مادحه.
و(قوله: من أجل ذلك مدح نفسه) أي: من أجل أن يثيب مادحيه مدح نفسه، لا أنه يهتز للمدح ويرتاح له؛ فإنَّ ذلك من سمات فقرنا وحدوثنا، وهو منزه عن ذلك كله، وقد تقدَّم القول في غيرة الله تعالى في الحدود.
أَحَدٌ أَغيَرَ مِن اللَّهِ، مِن أَجلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَلَيسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيهِ العُذرُ مِن اللَّهِ، مِن أَجلِ ذَلِكَ أَنزَلَ الكِتَابَ وَأَرسَلَ الرُّسُلَ.
رواه أحمد (1/ 381)، والبخاريُّ (5220)، ومسلم (2760)(35).
[2672]
وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَإِنَّ المُؤمِنَ يَغَارُ، وَغَيرَةُ اللَّهِ أَن يَأتِيَ المُؤمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيهِ.
رواه أحمد (2/ 343)، والبخاريُّ (5223)، ومسلم (2761)، والترمذيُّ (1168).
[2673]
وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفسِي
ــ
و(قوله: وليس أحد أحب إليه العذر من الله تعالى) أي: الاعتذار، يعني التقدمة بالبيان والأعذار، ويحتمل أن يريد الاعتذار من عباده له من ذنوبهم إذا استغفروا منها.
و(قوله: ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله (1)) الصبر في اللغة: حبس النفس على ما تكرهه، أو يشق عليها، وذلك على الله تعالى محال، لكنه قد يكون معه الصفح عن الجاني، والحلم عليه والرفق به، وكل ذلك موجود من الله تعالى فحسن أن يطلق الله تعالى ذلك على نفسه، وقد سمى نفسه بالصبور كما جاء في الحديث.
(1) ليست هذه العبارة في أحاديث الباب، ولكنها منتزعة من حديثٍ لمسلم برقم (2804) (49) كتاب: صفات المنافقين.
بِيَدِهِ لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُم، وَلَجَاءَ بِقَومٍ يُذنِبُونَ فَيَستَغفِرُونَ اللَّهَ فَيَغفِرُ لَهُم.
رواه مسلم (2749).
[2674]
وعن أبي أيوب: نحوه
رواه مسلم (2748)(9 و 10)، والترمذيُّ (3533).
[2675]
وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَمَّا قضى اللَّهُ الخَلقَ كَتَبَ فِي كتاب على نفسه - فهو موضوع عنده -: إِنَّ رَحمَتِي تَغلِبُ غَضَبِي.
رواه أحمد (2/ 381)، والبخاريُّ (7554)، ومسلم (2751)(16).
ــ
و(قوله: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ويستغفرون الله فيغفر لهم) هذا خبر من الله تعالى عن ممكن مقدور الوقوع مع علم الله تعالى بأنه لا يقع، فحصل منه أن الله تعالى يعلم حال المقدر الوقوع، كما يعلم حال المحقق الوقوع، ونحو من هذا قول الله تعالى:{وَلَو رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنهُ} وقد عبر بعض العلماء عن هذا بأن قال: إن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لو كان كيف كان يكون، وحاصل هذا الحديث: أن الله تعالى سبق في علمه أنه يخلق من يعصيه فيتوب، فيغفر له، فلو قدر ألا عاصي يظهر في الوجود لذهب الله تعالى بالطائعين إلى جنته، ولخلق من يعصيه فيغفر له، حتى يوجد ما سبق في علمه، ويظهر من مغفرته ما تضمنه اسمه الغفار، ففيه من الفوائد: رجاء مغفرته والطماعية في سعة رحمته.
[2676]
وعنه عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحمَةٍ، أَنزَلَ مِنهَا رَحمَةً بَينَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالبَهَائِمِ وَالهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا
ــ
و(قوله: لما قضى الله الخلق: كتب في كتاب عنده (1)، على نفسه) أي: لما أظهر قضاءه، وأبرز أمره لمن شاء، أظهر كتابا في اللوح المحفوظ، أو فيما شاءه، فقضاه خبر حق، ووعد صدق: إن رحمتي تغلب غضبي أي: تسبقه وتزيد عليه. وقد تقدَّم القول في غضب الله ورضاه، وأن ذينك يرجعان إلى إرادته، وإلى متعلقها من إيصال المنافع والألطاف إلى المرحوم، أو إيصال المضار والانتقام للمغضوب عليه، فيرجع غضبه إذًا ورحمته إلى الأفعال، وهو المراد بهذا الحديث. وإذا ظهر هذا فمعنى غلبة الرحمة، أو سبقها على ما جاء في الرواية الأخرى: أن رفقه بالخلق وإنعامه عليهم، ولطفه بهم، أكثر من انتقامه وأخذه، كيف لا، وابتداؤه الخلق وتكميله وإتقانه، وترتيبه، وخلق أول نوع الإنسان في الجنة، كل ذلك رحمته السابقة، وكذلك ما رتب على ذلك من النعم والألطاف في الدنيا والآخرة، وكل ذلك رحمات متلاحقات، ولو بدأ بالانتقام لما كمل لهذا العالم نظام. ثم العجب أن الانتقام به كملت الرحمة والإنعام، وذلك أن بانتقامه من الكافرين كملت رحمته على المؤمنين، وبذلك حصل صلاحهم وإصلاحهم، وتم لهم دينهم وفلاحهم، وظهر لهم قدر نعمة الله عليهم في صرف ذلك الانتقام عنهم، فقد ظهر أن رحمته سبقت غضبه، وإنعامه غلب انتقامه.
و(قوله: إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة) هذا نص في أن الرحمة يراد بها متعلق إرادة الحق سبحانه، لا نفس الإرادة، وأنها راجعة إلى المنافع والنعم، ومقتضى هذا الحديث: أن الله تعالى علم أن أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مائة نوع، فأرسل منها فيهم في هذه الدار نوعا واحدا، فبه انتظمت مصالحهم،
(1) ليست في التلخيص.
يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعطِفُ الوَحشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسعًا وَتِسعِينَ رَحمَةً، يَرحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَومَ القِيَامَةِ.
رواه أحمد (2/ 434)، ومسلم (2752)(19)، وابن ماجه (4293).
[2677]
وعَن سَلمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، مِائَةَ رَحمَةٍ، كُلُّ رَحمَةٍ طِبَاقَ مَا بَينَ السَّمَاءِ
ــ
وحصلت مرافقهم، كما نبه عليها في بقية الحديث، فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي في علمه، وهو التسعة والتسعون، فكملت الرحمة كلها للمؤمنين، وهو المشار إليه بقوله:{فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ} وهو الذي صرح به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لهم: إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعكم عليه (1). وعند هذا يفهم معنى قوله تعالى:{وَكَانَ بِالمُؤمِنِينَ رَحِيمًا} فإنَّ {رَحِيمًا} من أبنية المبالغة التي لا شيء أبلغ منها، ويفهم من هذا أن الكافرين لا يبقى لهم في النار رحمة، ولا تنالهم نعمة، لا من جنس رحمات الدنيا، ولا من غيرها، إذ كمل كل ما علم الله من الرحمات للمؤمنين، ختم الله لنا بما ختم للمؤمنين، ووقانا أحوال الكافرين.
وما قلناه في هذا الحديث أولى من قول من قال: إن معنى قوله: إن لله مائة رحمة الإغياء والتكثير؛ لأنَّه لم تجر عادتهم بذلك في مائة، وإنما جرت بالسبعين، ولو جرت بذلك لكان ذلك مجازا، وما ذكرناه حقيقة، فكان أولى، والله أعلم.
و(قوله: إن الله خلق - يوم خلق السماوات والأرض - مائة رحمة معنى
(1) رواه مسلم (2825).
وَالأَرضِ، فَجَعَلَ مِنهَا فِي الأَرضِ رَحمَةً، فَبِهَا تَعطِفُ الوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالوَحشُ وَالطَّيرُ بَعضُهَا عَلَى بَعضٍ، وَإِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ أَكمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحمَةِ.
رواه أحمد (4395)، ومسلم (2753)(21).
[2678]
وعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبي، فَإِذَا امرَأَةٌ مِن السَّبيِ تَبتَغِي، إِذَا وَجَدَت صَبِيًّا فِي السَّبيِ أَخَذَتهُ فَأَلصَقَتهُ بِبَطنِهَا وَأَرضَعَتهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَرَونَ هَذِهِ المَرأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلنَا: لَا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقدِرُ عَلَى أَلا تَطرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أَرحَمُ بِعِبَادِهِ مِن هَذِهِ بِوَلَدِهَا.
رواه البخاريُّ (5999)، ومسلم (2754).
* * *
ــ
خلق - هنا -: قدر، وهو أصل هذا اللفظ، كما قال زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ
…
ـض القوم يخلق ثمَّ لا يفري
أي: يقدر، ويكون معناه: إن الله أظهر تقديره لتلك الرحمات، أي: علمه بها، يوم أظهر تقديره لاختراع السماوات. ويصح أن يقال: إن معنى خلق: اخترع وأوجد يوم خلق السماوات والأرض المائة الرحمة، فأرسل في هذا العالم نوعا واحدا من تلك الأنواع، وادخر في الجنة سائرها ليوم القيامة.
و(قوله: كل رحمة طباق بين السماء والأرض) إغياء وتكثير، وقد جاء هذا الإغياء بهذا النوع كثيرا في الشرع واللغة، وقد جاء في بعض ألفاظ رواة مسلم: جعل الله الرحم مائة جزء روي بضم الراء وفتحها، وهو بمعنى الرحمة، واللفظ الذي ذكرناه هو الأصح والأوضح.
و(قوله: فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا أخذته) قال القاضي: