الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(6) باب الخمول في الدنيا والتقلل منها
[2697]
عن عامر بن سعد قال: كَانَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ، فَجَاءَهُ ابنُهُ عُمَرُ، فَلَمَّا رَآهُ سَعدٌ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ، فَنَزَلَ، فَقَالَ لَهُ: أَنَزَلتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ المُلكَ بَينَهُم؟
ــ
لا أبلغ منك جهدا ومشقة في صنعك شيئًا أخذته لله. قال صاحب الأفعال: جهدته وأجهدته: بلغت مشقته، وقيل: معنى لا أجهدك: لا أقلل لك فيما تأخذ، والجهد: ما يعيش به المقل، ومنه:{وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهدَهُم} وعند ابن ماهان: لا أحمدك، بالحاء المهملة والميم، من الحمد، وكذا رواه البخاري، ومعناه: لا أحمدك في أخذ شيء أو إبقائه، لطيب نفسي بما تأخذ، كما قال المرقش:
ليس على طول الحياة ندم (1)
…
. . . . . . . . . . . . . .
أي: ليس على فوت الحياة ندم.
و(قوله: إنما ورثت هذا كابرا عن كابر) أي: كبيرا عن كبير، يعني: أنه ورث ذلك المال عن أجداده الكبراء، فحمله بخله على نسيان منة الله تعالى، وعلى جحد نعمه، وعلى الكذب، ثم أورثه ذلك سخط الله الدائم، وكل ذلك بشؤم البخل. واعتبر بحال الأعمى لما اعترف بنعمة الله تعالى عليه، وشكره عليها، وسمحت نفسه بها ثبتها الله عليه، وشكر فعله ورضي عنه، فحصل على الرتب الفاخرة، وجمعت له نعم الدنيا والآخرة.
(1) هذا صدر بيت، وعجزه:
ومن وراءِ المرءِ ما يَعْلَمْ
والمعنى: إن أمام الإنسان عاقبة عمله، أو أمامه الشيب والهرم والأمراض والعلل. انظر: الشعر والشعراء (1/ 73).
فَضَرَبَ سَعدٌ فِي صَدرِهِ فَقَالَ: اسكُت، سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العَبدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ.
رواه أحمد (1/ 168)، ومسلم (2965).
[2698]
وعن سعد بن أبي وقاص، يقول: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ مِن العَرَبِ رَمَى بِسَهمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَقَد كُنَّا نَغزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَنَا طَعَامٌ نَأكُلُهُ إِلَّا وَرَقُ الحُبلَةِ، هَذَا السَّمُرُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ
ــ
و(قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) جمهور الرواة قيدوه الخفي - بالخاء المعجمة - من الخفاء، والتقي: المتقي لله تعالى، وقد بينا التقوى فيما تقدم. والغني: يعني به: من استغنى بالله، ورضي بما قسم الله له، وقيل: يعني به غنى النفس. والخفي: يعني به الخامل الذي لا يريد العلو فيها، ولا الظهور في مناصبها، وهذا نحو ما قال في حديث آخر في صفة ولي الله: وكان غامضا في الناس (1) أي: لا يعرف موضعه ولا يؤبه له، وقد رواه الدولابي (2): الحفي، بالحاء المهملة، فقيل: معناه العالم، من قوله:{كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنهَا} . وقيل: المتحفي بأهله، الوصول لهم بماله، الساعي في حوائجهم.
و(قوله: ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة، هذا السمر) كذا وقع عند عامة الرواة. وعند الطبري والتميمي: وهذا السمر، بواو، ووقع في البخاري: إلا الحبلة، وورق السمر، وكذلك ذكره أبو عبيد.
الحبلة بضم الحاء وسكون الباء: ثمر العضاه. وقال ابن الأعرابي: ثمر
(1) رواه أحمد (5/ 252)، والترمذي (2347).
(2)
هو الإمام الحافظ أبو بشر، محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري الدولابي. والحديثُ في كتابه: الكنى والأسماء (2/ 62)، توفي سنة (320 هـ).
الشَّاةُ، ثُمَّ أَصبَحَت بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الدِّينِ، لَقَد خِبتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي.
رواه أحمد (1/ 174)، والبخاريُّ (5412)، ومسلم (2966)، والترمذيُّ (2366)، وابن ماجه (131).
* * *
ــ
السمر شبه اللوبياء، ورواية البخاري: أحسنها؛ لأنَّه بين فيها أنهم يأكلون ثمر العضاه، وورق الشجر السمر.
و(قوله: ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الدين) هو بالزاي أولى، وبالراء ثانية، من التعزير، واختلف في معناه هنا، فقال الهروي: معناه: توقفني عليه، والتعزير: التوقيف على الأحكام والفرائض. وقال الطبري: أي: تقومني وتعلمني، ومنه تعزير السلطان؛ أي: تقويمه بالتأديب، وقال الحربي: التعزير بمعنى اللوم والعتب.
قلت: هذه أقوال الشارحين لهذه الكلمة، وفيها كلها بعد عن معنى الحديث، والذي يظهر لي: أن الأليق بمعناه: أن التعزير معناه الإعظام والإكبار، كما قال تعالى:{وَتُعَزِّرُوهُ} أي: تعظموه وتبروه، فيكون معناه على هذا: أنه وصف ما كانت حالتهم عليه في أول أمرهم من شدة الحال، وصعوبة العيش، والجهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم اتسعت عليهم الدنيا، وفتحت عليهم الفتوحات، وولوا الولايات، فعظمهم الناس لشهرة فضلهم ودينهم، وكأنه كره تعظيم الناس له، وخص بني أسد بالذكر؛ لأنهم أفرطوا في تعظيمه، والله تعالى أعلم.
وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به عتبة بن غزوان في الحديث الآتي بعد هذا، حيث قال: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة، وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح منا اليوم أحد إلا أصبح أميرا على