الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(41) كتاب الفتن وأشراط الساعة
(1) باب إقبال الفتن ونزولها كمواقع القطر ومن أين تجيء
[2777]
عن زينب بنت جحش - زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب،
ــ
(41)
كتاب الفتن والأشراط
[(1) باب الفتن ونزولها كمواقع القطر، ومن أين تجيء](1)
(قوله صلى الله عليه وسلم: ويل للعرب من شر قد اقترب) هذا تنبيه على الاختلاف والفتن والهرج الواقع في العرب، وأول ذلك قتل عثمان رضي الله عنه ولذلك أخبر عنه بالقرب، ثم لم يزل كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة،
(1) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.
فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه،
ــ
كما قال في الحديث الآخر: أوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها (1). قال ذلك مخاطبا للعرب، ولهم خاطب أيضًا بقوله: إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر.
و(قوله: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) الردم: هو السد الذي بناه ذو القرنين على يأجوج ومأجوج، ويهمزان ولا يهمزان لغتان. وقرئ بهما، فمن همزهما جعلهما من أجيج النار، وهو ضوءها وحرارتها، وسموا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج، وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين. قال مقاتل: هم من ولد يافث بن نوح عليه السلام الضحاك: من الترك. كعب: احتلم آدم عليه السلام فاختلط ماؤه بالتراب فأسف، فخُلقوا من ذلك، وفيه نظر؛ لأنَّ الأنبياء لا يحتلمون. وذكر الغزنوي في كتابه المسمى بعيون المعاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده. صنف منهم كالأرز طولهم مائة وعشرون ذراعا، وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم. مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس. وقال علي رضي الله عنه: وصنف منهم في طول شبر، لهم مخالب وأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعور تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام، إحداها وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، يحفرون السد حتى كادوا ينقبونه، فيعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غدا - إن شاء الله - فينقبون ويخرجون،
(1) رواه أحمد (5/ 278)، وأبو داود (4297) عن ثوبان، ولفظه:"يُوشك الأممُ أن تداعى عليكم. . .".
وحلق بإصبعيه: الإبهام والتي تليها.
قالت: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث.
رواه أحمد (7/ 428)، والبخاري (3346)، ومسلم (2880)(2)، والترمذي (2187)، وابن ماجه (3953).
ــ
ويتحصن الناس بالحصون، فيرمون إلى السماء، فيرد إليهم السهم ملطخا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم، يعني: الدود.
قلت: وسيأتي من أخبارهم الصحيحة ما يشهد بالصحة لأكثر هذين الحديثين.
و(قوله: مثل هذه - وحلق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها -) هذا إخبار وتفسير من الصحابة التي شاهدت إشارة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن الرواة بعدهم عبروا عن ذلك باصطلاح الحساب، فقال بعضهم: وعقد سفيان بيده عشرة، وقال بعضهم: وعقد وهيب بيده تسعين، وهذا تقريب في العبارة. والحاصل: أن الذي فتحوا من السد قليل، وهم مع ذلك لم يلهمهم الله أن يقولوا: غدا نفتحه إن شاء الله تعالى، فإذا قالوها خرجوا، والله أعلم.
و(قوله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث) رويناه بفتح الباء وهو اسم للزنى. قال القاضي: العرب تسمي الزنى خبثا وخبيثة، ومنه في المُخدج: أنه وجد مع أمة يخبث بها (1)، أي: يزني بها، وهو أحد التأويلين في قوله تعالى:{الخَبِيثَاتُ لِلخَبِيثِينَ} وقيل: هو الفسوق والفجور، ويروى: الخَبث، بسكون الباء، وهو مصدر، يقال: خبث الرجل خبثا، فهو
(1) رواه ابن ماجه (2574).
[2778]
وعن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على أطم من آطام المدينة ثم قال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى موقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر.
رواه أحمد (5/ 250)، والبخاري (1878)، ومسلم (2885).
(45)
[2779] وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل المشرق يقول: ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان.
رواه أحمد (2/ 72)، والبخاري (3279)، ومسلم (2905)(45)، والترمذيُّ (2269).
[2780]
وعن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي، عبد الله بن عمر يقول:
ــ
خبيث، وأخبثه غيره: علّمه الخبث. وقد تقدَّم أن الله تعالى إذا أهلك قوما مهلكا واحدا بعثهم على نياتهم.
و(قوله: أشرف على أطم من آطام المدينة) أي: على حصن من حصونها، وتسمى أيضًا: الآجام، وقد تقدَّم ذلك. وأشرف: ارتفع.
و(قوله: إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم) مواقع: جمع موقع، وهو: موضع سقوط الشيء، ووقوعه. وخلال: بمعنى بين، وهو خبر عن أنه رأى مواضع الفتن، وعاينها، وقد نص في الخبر الآتي بعد هذا على أنها تأتي من قبل المشرق، وقد وجد كل ذلك كما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك من أدلة صحة نبوته ورسالته، ظهرت بعد وفاته. وقد تقدَّم القول في قرني الشيطان في كتاب الصلاة.
و(قول سالم لأهل العراق: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ. . . الكلام إلى آخره) تعظيم لما أقدموا عليه من قتل أخيار المسلمين
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الفتنة تجيء من هاهنا - وأومأ بيده نحو المشرق - من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله له:{وَقَتَلتَ نَفسًا فَنَجَّينَاكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا}
رواه مسلم (2905)(50).
* * *
ــ
وصدورهم، وتقبيح عليهم، وتهديد لهم، ووجه ذلك: أن الله تعالى عظم على موسى عليه السلام وهو صفيه وكليمه، عليه السلام قتل كافر لم يُنه عن قتله، مع أن قتله كان خطأ، وكرر عليه، وامتن عليه بمغفرته له ذلك مرارا، فكيف يكون حال من سفك دماء خيار المسلمين من صدور هذه الأمة من الصحابة والتابعين؟ ! كل ذلك بمحض الهوى، والتجرؤ على استباحة الدماء، فهم الذين قتلوا الحسين، وسبوا نساءه وأولاده من غير توقف ولا سؤال، وسألوا عن دم البراغيث ليرتفع عنهم الإشكال، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
و(قوله: {فَنَجَّينَاكَ مِنَ الغَمِّ} أي: من غم البحر، وقيل: غم الخوف والقود. {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} فتنة بعد فتنة؛ أي: محنة بعد محنة، وفتونا: مصدر فتن، كخرج خروجا، وقعد قعودا. وقال قتادة: بلوناك بلاء بعد بلاء، يعني: أنعمنا عليك بنعم كثيرة. وقد تقدَّم: أن البلاء يكون بمعنى الابتلاء بالخير والشر. وكل ذلك بمعنى الفتنة والمحنة؛ لأنَّها كلها بمعنى واحد.
* * *