الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي رواية: والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم.
رواه أحمد (4/ 394)، والبخاري (6384)، ومسلم (2704)(44 - 46).
* * *
(7) باب تجديد الاستغفار والتوبة في اليوم مائة مرة
[2625]
عن الأغر المزني - وكانت له صحبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة.
رواه أحمد (4/ 260)، ومسلم (2702)(41)، وأبو داود (1515).
ــ
[(7) ومن باب: تجديد التوبة والاستغفار في اليوم مائة مرة](1)
(قوله: إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) ليغان: ليغطى، والغين: التغطية، ومنه يقال للغيم: الغين، لأنه يغطي. ولا يظن أن أحدا قال: إن قلب النبي صلى الله عليه وسلم تأثر بسبب ذنب وقع منه بغين أو رين، أو طبع عليه، فإنَّ من جوز الصغائر على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لم يقل: إنها إذا وقعت منهم أثرت في قلوبهم كما تؤثر الذنوب في قلوب العصاة، بل: هم مغفور لهم ومكرمون، وغير مؤاخذين بشيء من ذلك، فثبت بهذا أن ذلك الغين ليس هو بسبب ذنب، ولكن اختلفوا في ذلك الغين. فقالت طائفة: إنه عبارة عن فترات وغفلات عن
(1) هذا العنوان لم يردْ في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.
[2626]
وعنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس توبوا إلى الله،
ــ
الذكر الذي كان دأبه، فكان يستغفر الله من تلك الفترات (1)، وقيل: كان ذلك بسبب ما اطلع عليه من أحوال أمته، وما يكون منها بعده، فكان يستغفر الله لهم. وقيل: كان ذلك لما يشغله من النظر في أمور أمته ومصالحهم، ومحاربة عدوه عن عظيم مقامه، فكان يرى أن ذلك - وإن كان من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال - نزول عن علو درجاته ورفعة مقامه، فيستغفر ربه من ذلك، وقيل: كان ذلك حال خشية وإعظام لله تعالى، والاستغفار الذي صدر منه لم يكن لأجل ذلك الغين، بل للقيام بالعبادة، ألا ترى قوله في الحديث: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله فأخبر بأمرين مستأنفين ليس أحدهما معلقا على آخر. وقال بعض أرباب الإشارات: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائم الترقي في المقامات، سريع التنقل في المنازلات، فكان إذا ترقى من مقام إلى غيره اطلع على المنتقل عنه، فظهر له: أنه نقص بالنسبة إلى المنتقل إليه، فكان يستغفر الله من الأول ويتوب منه. كما قال في الحديث. وقد أشار الجنيد رحمه الله إلى هذا بقوله: حسنات الأبرار سيئات المقربين، والله تعالى أعلم.
و(قوله: يا أيها الناس توبوا إلى الله) أمر على جهة الوجوب، كما قال تعالى:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ المُؤمِنُونَ} وكما قال تعالى: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوبَةً نَصُوحًا} وقال: {وَمَن لَم يَتُب فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ولا خلاف أنها واجبة على كل من أذنب، وهي في اللغة: الرجوع. يقال: تاب وثاب وأثاب وأناب وآب، بمعنى: رجع. وهي في الشرع: الرجوع عما هو مذموم في الشرع إلى ما هو محمود فيه، وسيأتي استيفاء الكلام فيها في الرقائق، إن شاء الله تعالى.
(1) في (ز): الغمرات.
فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة.
رواه أحمد (4/ 260)، ومسلم (2702)(42).
* * *
ــ
و(قوله: فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) هذا يدل على التوبة، وأن الإنسان مهما ذكر ذنبه جدد التوبة؛ لأنَّه من حصول الذنب على يقين، ومن الخروج عن عقوبته على شك، فحق التائب أن يجعل ذنبه نصب عينيه، وينوح دائما عليه، حتى يتحقق أنه قد غفر له ذنبه، ولا يتحقق أمثالنا ذلك إلا بلقاء الله تعالى، فواجب عليه ملازمة الخوف من الله تعالى، والرجوع إلى الله بالندم على ما فعل، وبالعزم على ألا يعود إليه، والإقلاع عنه. ثم لو قدرنا أنه تحقق أنه غفر له ذلك الذنب تعينت عليه وظيفة الشكر، كما قال صلى الله عليه وسلم: أفلا أكون عبدا شكورا؟ (1) وإنَّما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يكرر توبته كل يوم مع كونه مغفورا له، ليُلحق به غيرُه نفسَه بطريق الأولى؛ لأنَّ غيره يقول: إذا كانت حال من تحقق مغفرة ذنوبه هكذا، كانت حال من هو من ذلك في شك أحرى وأولى، وكذلك القول في الاستغفار والتوبة يقتضي شيئا يتاب منه؛ إلا أن ذلك منقسم بحسب حال من صدر منه ذلك الشيء، فتوبة العوام من السيئات، وتوبة الخواص من الغفلات، وتوبة خواص الخواص من الالتفات إلى الحسنات، هكذا قاله بعض أرباب القلوب، وهو كلام حسن في نفسه، بالغ في فنه.
* * *
(1) رواه أحمد (6/ 115)، والبخاري (4837)، ومسلم (2820) عن عائشة رضي الله عنها.