الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(8) باب في المحاسبة ومن نوقش هلك
[2736]
عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَن حُوسِبَ يَومَ القِيَامَةِ عُذِّبَ، فَقُلتُ: أَلَيسَ قَالَ اللَّهُ: {فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}
ــ
كعبيه في جهة، وكل من يبلغ حقويه في جهة، وهكذا. والقدرة صالحة لأن تمسك عرق كل إنسان عليه بحسب عمله، فلا يتصل بغيره، وإن كان بإزائه، كما قد أمسك جرية البحر لموسى عليه السلام حيث طلب لقاء الخضر، ولبني إسرائيل حين اتبعهم فرعون، والله تعالى أعلم بالواقع من هذه الأوجه. والحاصل أن هذا المقام مقام هائل لا تفي بهوله العبارات، ولا تحيط به الأوهام، ولا الإشارات، وأبلغ ما نطق به في ذلك الناطقون:{قُل هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُم عَنهُ مُعرِضُونَ}
و(قوله: من حوسب يوم القيامة عذب) يعني حساب مناقشة ومطالبة، كما قال في اللفظ الآخر: من نوقش المحاسبة. والمناقشة: الاستقصاء في المطالبة بالجليل والحقير، والصغير والكبير، وترك المسامحة في شيء من ذلك. قال الهروي: يقال: انتقشت منه حقي؛ أي: استقصيته منه.
و(قوله: عذب) ظاهره: عذاب النار جزاء عن سيئات ما أظهره حسابه. ويدل على ذلك قوله هلك أي بالعذاب في النار. ويجوز أن يكون عذاب بعض من يناقش نفس المناقشة، وما يلازمها من التوبيخ واللوم، ثم يغفر الله تعالى، كما حكي أن بعض الصالحين رؤي في النوم بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: حاسبونا فدققوا، ثم منوا فأعتقوا. واعتراض عائشة رضي الله عنها بقول الله تعالى:{فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} إنما حملها عليه أنها تمسكت بظاهر لفظ الحساب؛ لأنَّه يتناول القليل والكثير، ولو سمعت لفظ المناقشة لما وقع لها ذلك، والله تعالى أعلم.
فَقَالَ: لَيسَ ذَاكِ الحِسَابُ إِنَّمَا ذَاكِ العَرضُ، مَن نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَ القِيَامَةِ عُذِّبَ.
وفي رواية: مَن نُوقِشَ المحاسبة هلك.
رواه أحمد (6/ 47)، والبخاري (4939)، ومسلم (2876)(79 و 80)، وأبو داود (3093)، والترمذي (2426 و 3337).
[2737]
وعن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع:
ــ
و(قوله: إنما ذلك العرض) يعني: أن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه، ويوقف عليها تفصيلا حتى يعرف منة الله تعالى عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة، كما جاء (1) في حديث ابن عمر الآتي بعد هذا.
و(قوله: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) عبد هنا: يراد به العموم؛ لأنَّه نكرة في سياق النفي، لكنه مخصص بمن لا حساب عليه، وهم الزمرة السابقة إلى الجنة أولا الذين يقال للنبي صلى الله عليه وسلم فيهم: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن (2). وبقوله تعالى: {يُعرَفُ المُجرِمُونَ بِسِيمَاهُم فَيُؤخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقدَامِ} ويؤيد هذا ما قد صح في الحديث: أنه يخرج من النار عنق فيقول: وُكّلت بكل جبار (3) وكأن المراد بهذا الحديث الأكثر من الناس، والله تعالى أعلم.
(1) ليست في (ز).
(2)
رواه البخاري (4712)، ومسلم (194).
(3)
رواه أحمد (6/ 110).
عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيم أبلاه وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه (1).
رواه الترمذيُّ (2417)، ومن العجيب أن يدخل المؤلف رحمه الله هذا الحديث في التلخيص ويشرح مشكله في المفهم ولم يخرجه مسلم.
[2738]
وعَن صَفوَانَ بنِ مُحرِزٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابنِ عُمَرَ: كَيفَ سَمِعتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي النَّجوَى؟ قَالَ: سَمِعتُهُ يَقُولُ: يُدنَى المُؤمِنُ مِن رَبِّهِ يَومَ القِيَامَةِ
ــ
و(قوله: عن عمره فيم أفناه؟ وعن جسده فيم أبلاه؟ وعن علمه ما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ ) ظاهره: أنه يُسأل عن هذه الأربع مجملة كما نطق بها، وليس كذلك، بل يسأل عن آحاد كل نوع منها، فيسأل عن أزمانه من وقت تكليفه زمانا زمانا، وعما عمل، عملا عملا، وعن معلوماته، وما عمل بها واحدا واحدا، وهكذا في سائرها تعيينا، وتعديدا وتفصيلا. والدليل على ذلك قوله تعالى:{فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ * وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} وقالوا: {يَا وَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحصَاهَا} وقوله: {وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسطَ لِيَومِ القِيَامَةِ فَلا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئًا وَإِن كَانَ مِثقَالَ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}
ومثل هذا كثير في الشريعة، ومن تصفح ذلك حصل على العلم القطعي واليقين الضروري من ذلك.
و(قوله: يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة) هذا إدناء تقريب وإكرام، لا إدناء مسافة ومكان، ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما قال:{وَاسأَلِ القَريَةَ} أي: أهلها.
حَتَّى يَضَعَ عَلَيهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ: هَل تَعرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَي رَبِّ أَعرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي سَتَرتُهَا عَلَيكَ فِي الدُّنيَا وَإِنِّي أَغفِرُهَا لَكَ اليَومَ، فَيُعطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الكُفَّارُ وَالمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِم عَلَى رُؤوسِ الخَلَائِقِ: الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ.
رواه أحمد (2/ 74)، والبخاريُّ (2441)، ومسلم (2768)، وابن ماجه (183).
* * *
ــ
و(قوله: حتى يضع عليه كنفه) أي: ستره وجناح إكرامه ولطفه، فيخاطبه خطاب الملاطفة، ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة، فيقول: هل تعرف؟ فيقول بلسان الفرح والاستبشار: رب أعرف، فيقول الله له ممتنًّا عليه، ومظهرا فضله لديه: فإني سترتها عليك في الدنيا أي: لم أفضحك بها بين الخلائق، ولم أطلعهم على شيء منها. ويحتمل أن يكون معنى ستره إياها: ترك المؤاخذة عليها؛ إذ لو واخذه بها لفضحت العقوبة الذنب، كما افتضحت ذنوب الأمم السالفة بسبب العقوبات التي وقعت بهم، فسارت بذنوبهم وعقوبتهم الركبان، وعلمها كل إنسان. وهل هذه الذنوب كبائر وصغائر، أو صغائر فقط؟ وهل كان تاب منها، أو لم يكن؟ هذه مباحث تطول، وقد أشرنا إلى نكت منها فيما تقدَّم.
* * *