الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(3) باب ما يحذر من بسط الدنيا ومن التنافس
[2692]
عن عمرو بن عوف - وهو حليف بني عامر بن لؤي - وكان شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحرَينِ يَأتِي بِجِزيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ صَالَحَ أَهلَ البَحرَينِ وَأَمَّرَ عَلَيهِم العَلَاءَ بنَ الحَضرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيدَةَ بِمَالٍ مِن البَحرَينِ، فَسَمِعَت الأَنصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيدَةَ، فَوَافَوا صَلَاةَ الفَجرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَآهُم، ثُمَّ قَالَ: أَظُنُّكُم سَمِعتُم أَنَّ أَبَا عُبَيدَةَ قَدِمَ بِشَيءٍ مِن البَحرَينِ؟ فَقَالُوا: أَجَل يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَبشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُم، فَوَاللَّهِ مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم، وَلَكِنِّي أَخشَى عَلَيكُم أَن تُبسَطَ الدُّنيَا عَلَيكُم كَمَا بُسِطَت
ــ
أعطى الصدقة فاقتنى الثواب لنفسه، كما قال في الرواية الأخرى: تصدقت فأمضيت (1)، وقد رواه ابن ماهان: فأقنى بمعنى: أكسب غيره، كما قال تعالى:{أَغنَى وَأَقنَى}
و(قوله: فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: جاؤوا فاجتمعوا عند صلاة الصبح معه ليقسم بينهم ما جاء به أبو عبيدة؛ لأنَّهم أرهقتهم الحاجة والفاقة التي كانوا عليها، لا الحرص على الدنيا، ولا الرغبة فيها، ولذلك قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا وأملوا ما يسركم، وهذا تهوين منه عليهم ما هم فيه من الشدة، وبشارة لهم بتعجيل الفتح عليهم.
و(قوله: والله ما الفقر أخشى عليكم) الفقر منصوب على أنه مفعول مقدم
(1) رواه مسلم (2958)(3).
عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَتهُم.
وفي رواية: وتلهيكم كما ألهتهم، بدل (فتهلككم).
رواه أحمد (4/ 327)، والبخاريُّ (3158)، ومسلم (2961)، والترمذيُّ (2462)، وابن ماجه (3997).
[2693]
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عَن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا فُتِحَت عَلَيكُم فَارِسُ وَالرُّومُ، أَيُّ قَومٍ أَنتُم؟ قَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ
ــ
بـ (أخشى)، ولا يجوز رفعه إلا على وجه بعيد، وهو أن يحذف ضمير المفعول، ونعامله معاملة الملفوظ، كما قال امرؤ القيس:
. . . . . . . . . . . .
…
فثوبا نسيت وثوبا أجر (1)
فكأنه قال: فثوب نسيته، وثوب أجره، وهي قليلة بعيدة. وفيه ما يدلّ على أن الفقر أقرب للسلامة، والاتساع في الدنيا أقرب للفتنة، فنسأل الله الكفاف والعفاف.
و(قوله: فتنافسوها كما تنافسوها) أي: تتحاسدون فيها، فتختلفون وتتقاتلون فيهلك بعضكم بعضا، كما قد ظهر ووجد، وقد سمى في هذا الحديث التحاسد تنافسا؛ توسعا، لقرب ما بينهما، وقد بينا حقيقة كل واحد منهما فيما تقدم، ومعنى تلهيكم: تشغلكم عن أمور دينكم، وعن الاستعداد لآخرتكم.
و(قوله: إذا فتحت عليكم فارس والروم، أي قوم أنتم؟ ) هذا استفهام يشوبه إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن أمر قبل وقوعه، وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان ذلك من أدلة صحة نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم، وكم له صلى الله عليه وسلم منها، وكم! ومعنى:(أي قوم أنتم؟ )
(1) هذا عجز بيت، وصدره:
فلمَّا دنوت تَسَدَّيْتُها
بنُ عَوفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَو غَيرَ ذَلِكَ، تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ، أَو نَحوَ ذَلِكَ. ثُمَّ تَنطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ المُهَاجِرِينَ فَتَجعَلُونَ بَعضَهُم عَلَى رِقَابِ بَعضٍ.
رواه مسلم (2962)، وابن ماجه (3996).
* * *
ــ
أي: على أي حال تكونون؟ فكأنه قال: أتبقون على ما أنتم عليه؟ أو تتغير بكم الحال؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله تعالى. أي: نقول قولا مثل الذي أمرنا الله، وكان هذا منه إشارة إلى قول الله تعالى:{حَسبُنَا اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ} وذلك أنه فهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف عليهم الفتنة من بسط الدنيا عليهم، فأجابه بذلك، فكأنه قال: نستكفي الفتن والمحن بالله، ونقول كما أمرنا، وهذا إخبار منهم عما يقتضيه حالهم في ذلك الوقت، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم لا يبقون على تلك الحال، وأنها تتغير بهم. وقال بعض الشارحين: لعله: نكون كما أمرنا الله، وهذا تقدير غلط للرواة، لا يحتاج إليه مع صحة المعنى الذي أبديناه، والله تعالى أعلم.
و(قوله: أو غير ذلك) هو بسكون الواو، وهي القاطعة، و (غير) بالنصب على إضمار فعل، تقديره: أو تفعلون غير ذلك، ويجوز رفعه على تقدير: أو يكون غير ذلك.
و(قوله: تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون) أي: تتسابقون إلى أخذ الدنيا، ثم تتحاسدون بعد الأخذ، ثم تتقاطعون، فيولي كل واحد منكم دبره عن الآخر معرضا عنه، ثم تثبت البغضاء في القلوب، وتتراكم حتى يكون عنها الخلاف، والقتال، والهلاك، كما قد وجد.
و(قوله: ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض)، وفي رواية السمرقندي: فتحملون، قال بعضهم: لعل أصول هذا