الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سرد لبعض الأفعال الجامدة]
قال ابن مالك: (فصل؛ منعت التّصرف أفعال منها المثبتة في نواسخ الابتداء، وباب «الاستثناء» و «التّعجّب» وما يليه، ومنها «قلّ» النّافية، و «تبارك» و «سقط في يده» و «هدّك من رجل» و «عمّرتك الله» و «كذب» في الإغراء، و «ينبغي» و «يهيط» و «أهلمّ» و «أهاء وأهاء» بمعنى آخذ، وأعطي، و «هلمّ» التّميميّة، و «هأ» و «هاء» بمعنى خذ، و «عم صباحا» و «تعلّم» بمعنى اعلم).
ــ
التي يراد بها التقليل، ولهذا جاز أن تكون «ما» المتصلة بها مصدريّة.
وأما قول المصنف: وقد يدل على النّفي بقليل وقليلة - فمثال ذلك: قليل من الرجال يقول ذلك، وقليلة من النساء تقول ذلك، فهذا قد يراد به النفي أي:
ما يقول ذلك رجل، وما تقول ذلك امرأة.
قال ناظر الجيش: المراد بعدم تصرف الفعل: لزومه صيغة واحدة، وذلك بأن لا تختلف أبنيته لاختلاف الزمان.
وأشار إلى أن من الأفعال العادمة التصرف ما تقدم له ذكره في أربعة الأبواب، أما ما بيّن في نواسخ الابتداء فهو
المذكور في باب «كان» وهو: ليس ودام، وفي باب «أفعال المقاربة» وفي باب «الأفعال الناصبة المبتدأ والخبر مفعولين» وهو: تعلّم وهب، وأما المبين في باب الاستثناء فهو: عدا وخلا وحاشى ولا يكون، وأما المبين في باب «التعجب» فهو: الصيغ التي هي مستعملة في التعجب، وأما المبين في الباب الذي يليه وهو باب «أفعال المدح والذم» فهو: نعم وبئس وحبذا وما ذكر معها.
ثم أشار إلى بقية الأفعال غير المتصرفة التي لا تختص بباب من الأبواب وجملتها:
خمسة عشر فعلا:
الأول منها: «قلّ» : وقد تقدم ذكرها، وتقييدها بالنافية احتراز من الدالة على القلة المقابلة للكثرة فإنها تتصرف، يقال: قلّ ودّ فلان وقلّ ماله ويقلّ ودّه ويقلّ ماله.
والثاني: «تبارك» قال الله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (1) وقال الله -
(1) سورة الملك: 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (1) قيل: وهو مشتق من البركة، وهو غير متعدّ، وأما «بارك» فقد عدي بـ «في» نحو: بارك الله فيك، وب «على» نحو:
وبارك على محمد، وبنفسه، قال الله تعالى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها (2) وهو متصرف، يقال: تبارك الله فيك.
والثالث: سقط في يده: وهي كلمة تقال في معنى الندم والتّخلي عما كان يتعلق به، وأصل «سقط» بمعنى وقع: التّصرّف وعدم التّعدّي، ثم إنه لما خرج عن أصل وضعه واستعمل مجازا في المعنى الذي ذكر، أشبه الحرف فمنع التصرف، وبني لما لم يسم فاعله، وأقيم الجار والمجرور مقام الفاعل.
والرابع: هدّك من رجل: ذكر الشيخ في شرحه (3) «أن العرب تارة تجعل هذا اسما وتصف به وتتبعه ما قبله في الإعراب نحو: مررت برجل هدّك من رجل، ومعناه معنى: حسبك من رجل، أي: بحسبك من رجل، تقول العرب: أحسبني أي: كفاني، ولا يثنى ولا يجمع تثنية الموصوف ولا جمعه، بل تقول: مررت برجلين هدّك من رجلين، لأن الأصل فيه المصدر، قال (4): وزعم بعض أصحابنا أن العرب لم تستعمل منه فعلا، وليس بصحيح، بدليل نقل سيبويه (5) وغيره أن العرب تجعله فعلا فتقول: مررت برجل هدّك من رجل، فإن قلت: فلعل هذا اسم وهو منصوب
على الحال من النكرة!! فالجواب أن العرب قالت: مررت بامرأة هدتك من امرأة فألحقت «تاء» التأنيث اللاحقة للأفعال، فدل على أنه فعل وهو مع ذلك لا يتصرف.
قال سيبويه (6): وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: مررت برجل هدّك من رجل، ومررت بامرأة هدّتك من امرأة فجعله فعلا بمنزلة: كفاك وكفتك».
والخامس: «عمّرتك الله» (7): ومعناه: أسالك بالله، وهو فعل مأخوذ من قولهم: عمّرك الله، قال الشاعر: -
(1) سورة المؤمنون: 14.
(2)
سورة النمل: 8.
(3)
انظر التذييل (خ) جـ 5 ورقة 203.
(4)
أي الشيخ أبو حيان. المرجع السابق.
(5)
انظر الكتاب (1/ 422)(هارون).
(6)
انظر الكتاب (1/ 423)(هارون).
(7)
انظر التذييل (خ) جـ 5 ورقة 203.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
4164 -
عمّرتك الله إلّا ما ذكرت لنا
…
هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم؟ (1)
وحقيقة الكلام في: عمرتك الله، أن يكون أراد: تعميره أو طلب، إذ ليس له أن يعمره حقيقة.
والسادس: «كذب» في الإغراء: ذكر الشيخ في شرحه (2)«أن الكذب في لسان العرب يطلق ويراد به تغيير الحاكي ما سمع وقوله ما لا يعلم، ويطلق ويراد به أن يقول القائل قولا يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق، ويطلق ويراد به الخطأ كأن تقول: أقدر أن فلانا في منزله الساعة، فيقال له: صدقت أي: أصبت، وكذبت أي: أخطأت، ويطلق ويراد به البطول، يقال: كذب الرجل أي بطل عليه أمله وما رجا وقدره، ويطلق ويراد به الإغراء ومطالبة المخاطب بلزوم الشيء المذكور، كقول العرب (3): كذب عليك العسل؛ يريدون: كل العسل» ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (4):«كذب عليكم الحج، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد؛ ثلاثة أسفار كذبن عليكم» معناه: الزموا الحج والعمرة والجهاد.
قال الشيخ (5): واختلف في المغرى به، فذهب بعضهم إلى أنه مرفوع بـ «كذب» ولا يجوز نصبه، قال: لأن «كذب» فعل لا بد له من فاعل، وخبر لا يخلو من محدث عنه، فالفعل والفاعل كلاهما [5/ 205] تأويلهما الأمر والإغراء، كما أن قولهم: حسبك خبر، يعنى به الأمر، وذهب بعض النحويين إلى جواز النصب فيه ويستدل له بما روى أبو عبيد (6) عن أبي عبيدة عن أعرابي أنه نظر إلى ناقة نضو (7) -
(1) البيت من البسيط وقائله الأحوص في ديوانه (ص 201).
«ذي سلم» موضع، أقسم الشاعر عليها أن تخبره هل كانت جارة لهم بذي سلم؟
واستشهد به على أن «عمرتك» فعل مأخوذ من: عمرك الله، قال سيبويه في الكتاب (1/ 322) (هارون):«فصارت عمرك الله منصوبة بعمرتك الله، كأنك قلت: عمرتك عمرا» . والبيت في الكتاب (1/ 323)(هارون)، والمقتضب (2/ 328)، وأمالي الشجري (1/ 349)، والخزانة (1/ 231).
(2)
انظر التذييل (خ) جـ 5 ورقة 203، 204.
(3)
انظر النهاية لابن الأثير (4/ 12) واللسان (كذب).
(4)
المرجع السابق وانظر النوادر (ص 178) وإصلاح المنطق (ص 292) واللسان (كذب).
(5)
انظر التذييل (خ) جـ 5 ورقة 204.
(6)
انظر اللسان (كذب).
(7)
في اللسان (نضا): «والنّضو: الدابة التي هزلتها الأسفار وأذهبت لحمها» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لرجل، فقال له: كذب عليك البزر والنّوى أي: الزمهما بنصب البزر والنوى، وقال يونس: مرّ أعرابي برجل يعلف شاة، فقال: كذب عليك البزر والنّوى فأتى به منصوبا، وقال أبو عبيد (1): ولم يسمع النصب مع كذب في الإغراء إلا في هذا الحرف، قال ابن الأنباري: وهذا شاذ من القول لا يعوّل عليه.
وأنشد أحمد بن يحيى (2) عن ابن الأعرابي لمعقّر بن حمار البارقيّ:
4165 -
وذبيانيّة وصّت بنيها
…
بأن كذب القراطف والقروف
تجهّزهم بما اسطاعت وفالت
…
بنيّ فكلّكم بطل مسيف (3)
أراد: عليكم القراطف والقروف فخذوها، والقراطف: القطف (4)، والقروف: الأدم (5) والمسيف: الذي وقع في ماله السّواف وهو داء (6)، فأهلكه، وقال عنترة:
4166 -
كذب العتيق وماء شنّ بارد
…
إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي (7)
العتيق في هذا البيت: التمر (8)، والذي يدل على رفع الأسماء بعد «كذب» أنه يتصل بها الضمير كما جاء في كلام عمر رضي الله عنه:«ثلاثة أسفار كذبن عليكم» (9) -
(1) انظر اللسان (كذب).
(2)
يعني: ثعلب.
(3)
البيتان من الوافر، واستشهد بهما على أن معنى «كذب» الإغراء أي عليكم القراطف والقروف فخذوها، وكأن الأصل في هذا أن يكون نصبا ولكنه جاء عنهم بالرفع شاذّا على غير قياس. وانظر البيت الأول في إصلاح المنطق (ص 293) وأمالي الشجري (1/ 260) واللسان (قرف) و (كذب) و (قرطف) والبيتان جميعهما في الخزانة (2/ 289، 290)، (3/ 15).
(4)
جمع قطيفة وهي القطيفة المخملة. انظر اللسان (قرطف) وفي مادة (كذب)«القراطف: أكسية حمر» .
(5)
في اللسان (قرف): «أبو عمرو: القروف الأدم الحمر، الواحد قرف» .
(6)
انظر إصلاح المنطق (ص 259) وفي اللسان (سوف)«السّواف: داء يأخذ الإبل فيهلكها، أبو حنيفة: السّواف: مرض المال، وفي المحكم: مرض الإبل» .
(7)
البيت من الكامل وهو لعنترة. الشرح: العتيق التمر، والشن القربة البالية، والغبوق شراب العشي.
يقول لها: لا طعام لك عندي إلا التمر وماء القربة البالية البارد؛ فإن كنت تطلبين الغبوق فاذهبي إلى غيري. واستشهد به على أن «كذب» إغراء وكان الأصل نصب ما بعده ولكنه جاء مرفوعا شذوذا.
والبيت في الكتاب (4/ 213) وأمالي الشجري (1/ 260)، واللسان (كذب)، (عتق). ديوان عنترة (ص 33).
(8)
انظر اللسان (عتق)، (كذب).
(9)
انظر النهاية لابن الأثير (4/ 12).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الشاعر:
4167 -
كذبت عليك لا تزال تقوفني
…
كما قاف آثار الوسيقة قائف (1)
معناه: عليكي (2) فرفع التاء وهي مغرى بها واتصلت بالفعل؛ لأنه لو تأخر الفاعل لكان منفصلا، وليس هذا من مواضع انفصال الضمير.
وقال عبد الدائم بن مرزوق القيرواني (3) - في كتاب «حلى الحلى» في الأدب من تصنيفه في قول عنترة:
4168 -
كذب العتيق وماء شنّ بارد
إنه يروى: العتيق بالرفع والنصب ومعناه: عليك العتيق وماء شن، وأصله:
كذب ذاك عليك العتيق، ثم حذف «عليك» وناب «كذب» منابه فصارت العرب تغري به.
وقال الأعلم (4) في بيت عنترة: قوله «كذب العتيق» أي عليك بالتمر و «العتيق» التمر البالي، والعرب تقول: كذبك التمر واللبن أي عليك بهما، وبعض العرب ينصب وهم مضر والرفع لليمن، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: كذبكم الحجّ والقرآن (5)، أي عليكم بهما وأصل الكذب: الإمكان. وقول الرجل للرجل:
كذبت، أي: أمكنت من نفسك وضعفت، فلهذا اتسع فيه فأغري به؛ لأنه متى أغري بشيء فقد جعل المغرى به ممكنا مستطاعا إن راقه المغري. انتهى.
قال الشيخ (6): وإذا نصبنا بقي «كذب» بلا فاعل على ظاهر اللفظ، والذي -
(1) البيت من الطويل قيل للأسود بن يعفر وقيل لغيره.
الشرح: الوسيقة هي من الإبل كالرّفقة من الناس، والقائف الذي يعرف الآثار، يقول: ظننت بك أنك لا تنام عن وتري فكذبت عليكم فأذله بهذا الشعر وأخمل ذكره.
واستشهد به على أن «كذب» إغراء ورفع الاسم بعدها، وهو جائز بدليل اتصال الضمير بها. والبيت في اللسان (قوف) و (كذب) و (وسق).
(2)
في اللسان (معناه: عليك بي). انظر اللسان (كذب).
(3)
نحوي قديم، روى عنه أبو جعفر محمد بن حكم السّرقسطي، وأكثر أبو حيان في «الارتشاف» من النقل عنه. انظر بغية الملتمس للضبي (ص 386)، وإنباه الرواة (2/ 158)، وبغية الوعاة (2/ 75).
(4)
انظر شرح أبيات الكتاب للأعلم بهامش كتاب سيبويه (2/ 302)(بولاق).
(5)
في النهاية لابن الأثير (4/ 12): «وكذب عليكم الحج كذب عليكم العمرة
…
».
(6)
التذييل (خ) جـ 5 ورقة 204.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقتضيه القواعد أن هذا يكون من باب «الإعمال» (1) فـ «كذب» يطلب الاسم على أنه فاعل و «عليك» يطلبه على أنه مفعول، فإذا رفعنا الاسم بـ «كذب» كان مفعول «عليك» محذوفا لفهم المعنى، التقدير: كذب عليكه الحج، وإنما التزم حذف المفعول؛ لأنه مكان اختصار ويحرف عن أصل وضعه، فجرى لذلك مجرى الأمثال في كونها يلتزم فيها حالة واحدة لا يتصرف فيها، وإذا نصبنا الاسم كان الفاعل مضمرا في «كذب» يفسره ما بعده على رأي سيبويه، ومحذوفا على رأي الكسائي.
قال: وقال ابن طريف (2) في «الأفعال» : وكذب عليك كذا أي: عليك به، معناه: الإغراء، إلا أن الشيء الذي بعد «عليك» يأتي مرفوعا، وشكا عمرو بن معديكرب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - المعص، فقال: كذب عليك العسل (3)، والمعص: أن تشتكي العصب من كثرة المشي (4)، والعسل أن يمشي مشيا سريعا (5). انتهى.
وشكا رجل النّقرس إلى عمر - رضي الله تعالى عنه -، فقال:«كذبتك الطهارة» (6) أي عليك بالمشي فيها، ومنه الحديث «فمن احتجم يوم الخميس ويوم الأحد كذباك» (7) أي عليك بهما، وفي حديث علي - رضي الله تعالى عنه -:
«كذبتك الحارقة» (8) قال أبو الهيثم (9): تقول: عليك بمثلها، وقال الفراء: معنى -
(1) يعني «التنازع» .
(2)
هو عبد الملك بن طريف الأندلسي أبو مروان النحوي اللغوي، أخذ عن ابن القوطية، وكان حسن التصرف في اللغة، وله كتاب حسن في «الأفعال» وهو كبير بأيدي الناس. مات في حدود الأربعمائة.
انظر بغية الوعاة (2/ 111).
(3)
انظر النهاية لابن الأثير (4/ 12) واللسان (معص).
(4)
في اللسان (معص): «المعص: التواء في عصب الرجل» .
(5)
انظر اللسان (معص) و (عسل).
(6)
انظر النهاية لابن الأثير (4/ 12) والنّقرس: داء معروف يأخذ في الرجل، وقيل: يأخذ في المفاصل. اللسان (نقرس).
(7)
انظر النهاية (4/ 12)، واللسان (كذب).
(8)
انظر النهاية لابن الأثير (4/ 12) واللسان (حرق) والحارقة: المرأة التي تغلبها شهوتها، وقيل:
الضيقة الفرج.
(9)
أبو الهيثم الرازي كان إماما لغويّا أدرك العلماء وأخذ عنهم، وتصدى بالرّيّ للإفادة، توفي سنة (276 هـ). من مصنفاته: كتاب «الشامل» في اللغة، و «الفاخر» في اللغة و «المؤلف» انظر نزهة الألباء (ص 147)، وبغية الوعاة (2/ 329).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كذب عليك وجب عليك، وهو الكذب في الأصل؛ فمعنى قوله: كذب عليكم الحج أي: إن قيل لكم: لا حج، فهو كذب.
وقال أبو سعيد (1): معناه: الحضّ، يقول: إن الحج ظن بكم حرصا عليه ورغبة فيه، فكذب ظنه.
و «كذب» في جميع إطلاقاتها متصرفة إلا إذا استعملت في الإغراء؛ فإنها لا تتصرف، لا يقال: يكذب عليك البزر والنوى، ولا: يكذب عليكم الحج والجهاد، ولا: كاذب عليكم الحج.
والسابع: «ينبغي» :
قال الشيخ (2): «ذكر المصنف ينبغي في ما لا يتصرف من الأفعال، وقد نقل أنه يقال: انبغى، ذكر ذلك ابن فارس (3) في «المجمل» ، وقال: هو من الأفعال المطاوعة، تقول: بغيته فانبغى، كما تقول: كسرته فانكسر» انتهى (4).
ولا شك أن «انبغى» إن ثبت سماعه (5) فهو في غاية الندور، فلهذا لم يعتد به المصنف.
والثامن: «يهيط» : ذكر الشيخ (6) عن أبي الحسن بن سيده أنه قال: ما زال منذ اليوم يهيط هيطا، وما زال في هيط وميط وهياط ومياط، أي: في ضجاج وشرّ وجلبة، وقيل: في هياط ومياط أي: في دنوّ وتباعد، يقال: تهايط القوم:
اجتمعوا، وتمايطوا: تباعدوا وفسد ما بينهم (7).
وقال ابن طريف: يقال: ما زال يهيط مرّة ويميط أخرى، ولا ماضي ليهيط، -
(1) لا أدري أهو أبو سعيد السيرافي أم هو أبو سعيد الضرير الذي نقل عنه صاحب اللسان في هذا الموضع؟ وانظر اللسان (كذب).
(2)
انظر التذييل (خ) جـ 5 ورقة 204.
(3)
ابن فارس: أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي أبو الحسين، من أئمة اللغة والأدب. من مصنفاته: مقاييس اللغة، والمجمل، والصاحبي في علم العربية وغيرها. توفي بالرّي سنة (395 هـ).
انظر نزهة الألباء (ص 320 - 322) وبغية الوعاة: (1/ 352).
(4)
انظر اللسان (بغا).
(5)
قال في اللسان (بغا): «وقولهم: ينبغي لك أن تفعل كذا فهو من أفعال المطاوعة تقول: بغيته فانبغى، كما تقول: كسرته فانكسر» فدل ذلك على أنه مسموع.
(6)
انظر التذييل (خ) جـ ورقة 205.
(7)
انظر اللسان (هيط).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والهياط: الصّياح، والمياط: الدفاع.
والتاسع: «أهلمّ» : وهي كلمة يقولها من خوطب بقولك: هلمّ، قالوا:
فدخول همزة المتكلم دليل الفعلية. ولم تستعمل العرب من هذه المادة فعلا ماضيا، ولا أكثر العرب فعل أمر، فلذلك حكم عليها بعدم التصرف.
والعاشر والحادي عشر: «أهاء وأهاء» بمعنى: آخذ وأعطي:
قال الشيخ (1): «قد تقدم الكلام في أسماء الأفعال على «ها» ونبهنا على أنها تكون في بعض اللغات فعلا وأن تصريفها قد يكون تصريف «خف» (2) فتقول:
هأ، هائي، هاءا هاءوا، هأن، قال: فعلى هذا يكون: أهاء التي ذكرها المصنف هنا مضارعا بمعنى: آخذ، وجعله إياها فعلا لا يتصرف يريد به أنها [5/ 206] لا تتصرف التّصرّف التام من استعمال ماض له وأمر ومضارع، فيكون نظير «ذر» و «دع» و «يذر» و «يدع» في كونهما لا يستعمل منهما ماض ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول. فكذلك: أهاء لم يستعمل له إلا فعل أمر على تلك اللغة التي أشرنا إليها، قال: فأما «أهاء» بمعنى أعطي ففعل لا يتصرف إذ لم يستعمل منه ماض ولا أمر ولا مضارع مبني للفاعل.
والثاني عشر: «هلمّ» التميمية: وقد ذكرت في باب «أسماء الأفعال» .
ولم يستعمل بنو تميم منها ماضيا ولا مضارعا غير ما نبه عليه قبل، وهي عند غير بني تميم اسم فعل.
والثالث عشر: «هأ وهاء» بمعنى: خذ:
قال الشيخ (3): لم يذكر المصنف في باب: أسماء الأفعال، أن هأ قد تكون فعلا، وقد ذكرنا لها ثلاثة تصاريف، وفي لحاق الضمير لها تكون هنا فعلا.
والرابع عشر: «عم صباحا» :
قال الشيخ (4): «زعم المصنف أن «عم» في قول العرب: عم صباحا، فعل لا يتصرف، وأنه لم يستعمل إلا فعل أمر، وليس ذلك بصحيح، قال -
(1) التذييل (خ) جـ 5 ورقة 205.
(2)
انظر التذييل (6/ 168)(رسالة).
(3)
،
(4)
انظر التذييل (خ) جـ 5 ورقة 205.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يونس (1): وعمت الدّار أعم أي: قلت لها: انعمي، فهذا متعدّ، وقال الشاعر:
4169 -
عما طللي جمل على النّأي واسلما (2)
وقال الأصمعي: عم في كلام العرب أكثر من: انعم، وقال الأعلم (3): يقال: وعم يعم في معنى: نعم ينعم، فهذا لازم، قال (4): ووهم بعض الناس (5) في قول عنترة:
4170 -
وعمي صباحا دار عبلة واسلمي (6)
فزعم أنه أمر من: يعمي المطر، ويعمي البحر بزبده، فأراد: كثرة الدّعاء لها وكثرة السّقيا، يقال: عمى المطر يعمى عميّا، قال (7): وهذا ذهول عن علم التصريف إذ لو كان أمرا من: عمى، لقال: اعم كما تقول من رمى: ارم، وإنما هو مما حذفت فاؤه في المضارع، فانحذفت في الأمر نحو: يعد وعد، قال (8):
فثبت بما قلناه أن قول المصنف: إن «عم» من الأفعال التي لا تتصرف، ليس بصحيح - بنقل يونس والأعلم وعم يعم متعديا ولازما -» انتهى.
والذي يظهر أن مراد المصنف أن الذي لا يتصرف هو «عم» من قولنا: عم صباحا، فمتى كان مقرونا بقولنا: صباحا لا يتغير عن هذه الصيغة أعني صيغة -
(1) انظر اللسان (وعم).
(2)
هذا شطر بيت من الطويل.
واستشهد به على أن «عم» من الأفعال المتصرفة وأنه في البيت لازم. وانظر هذا الشطر في اللسان (وعم).
(3)
انظر شرح أبيات سيبويه للأعلم بهامش الكتاب (1/ 402)(بولاق).
(4)
أي الشيخ أبو حيان.
(5)
هو أبو عمرو بن العلاء. انظر اللسان (وعم).
(6)
هذا عجز بيت من الكامل وهو لعنترة. ديوانه (ص 15) وصدره قوله:
يا دار عبلة بالجواء تكلّمي
وهو ثالث أبيات معلقة عنترة المشهورة، و «الجواء» - بكسر الجيم - واد في ديار عبس وأسد في أسافل عدنة، و «عمي صباحا» كلمة تحية عندهم.
واستشهد به على أن بعض الناس وهم، فزعم أن «عمي» أمر من: يعمي المطر، والصواب أنه من «وعم» فحذفت فاؤه في المضارع ثم حذفت في الأمر كما في: يعد وعد. والبيت في الكتاب (2/ 269)، (4/ 213) وشرح شواهد الشافية (ص 123) وشرح التصريح (2/ 185).
(7)
،
(8)
أي الشيخ أبو حيان.