الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعتذر إليهم يها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله، وأنه لا يحيد عنها، كما كان الأمر أولاً في مدة ست سنين الأول، استمع عثمان هذه النصيحة، وقابلها بالسمع والطاعة، ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس، رفع يديه في أثناء الخطبة، وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أول تائب مما كان مني، وأرسل عينية بالبكاء بكي المسلمون أجمعون، وحصل الناس رقة شديدة على إمامهم، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان، أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وأنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحد من ذلك، ونزل فصلى بالناس ثم دخل منزله وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال، لا يمنع أحد من ذلك مدة.
ثم ذكر ابن كثير: أن مروان بن الحكم لم يرق له أن يظهر عثمان بهذا الضعف، وأنه - أي مروان - تصرف تصرفات أغضبت علياً رضي الله عنه لدرجة أنه قرر ألا يتدخّل مرّة أخرى، ولما تسامعت أحزاب الفتنة بذلك ادّعوا دعوي وعادوا إلى المدينة.
ذكر مجيء الأحزاب إلى عثمان للمرة الثانية في مصر:
وذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان، وغصب علي على عثمان بسببه، ووجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير ولم يسلك سيرة صاحبيه، تكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة وتراسلوا، وروت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة، وعلى لسان علي وطلحة والزبير، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين، وأنه أكبر الجهاد اليوم، وذكر سيف بن عمر التميمي عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، وقاله غيرهم أيضاً، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين، خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل لهم يقول ستمائة، والمكثر يقول: ألف، على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر الليثي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة الكوني وعلى القوم جميعاً الغافقي بن حرب العكي، وخرجوا فيما يظهرون حجاجاً، ومعهم ابن السوداء - وكان أصله ذمياً فأظهر الإسلام وأحدث بدعاً قولية وفعلية، قبحة الله- وخرج
أهل الكوفة في عدتهم في أربع رفاق أيضاً، وأمراؤهم: زيد بن صوحان، والأشتر النخعي، وزياد بن النصر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، وعلى الجميع عمرو بن الأصم. وخرج أهل البصرة في عدتهم أيضاً في أربع رايات مع حكيم بن جبلة العبدي، وبشر بن شريح بن ضبيعة القيسي، وذريح بن عباد العبدي، وعليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي، وأهل مصر مصرون على ولاية علي بن أبي طالب، وأهل الكوفة عازمون على تأمير الزبير، وأهل البصرة مصممون على تولية طلحة، لا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة، كما تواعدوا في كتبهم، شهر شوال نزل طائقة منهم بذي خشب، وطائفة بالأعوص، والجمهور بذي المروة، وهم على وجل من أهل المدينة، فبعثوا قصاداً وعيوناً بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاءوا للحجج لا لغيرة، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوا للدخول، فكل الناس أبي دخولهم ونهي عنه، تجاسروا واقتربوا من المدينة، وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أقواف (1)، معتم بشقيقة حمار يمانية، متقلداً السيف وليس عليه قميص وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه فسلم عليه المصريون صاح بهم وطردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فارجعوا لا صبحكم الله، قالوا: نعم! وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي - وقد أرسل ابنيه إلى عثمان - فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم وقال لهم كما قال علي لأهل مصر، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة، فرجع كل فريق منهم إلى قومهم، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أياماً راجعين، ثم كروا عائدين إلى المدينة، ما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان، وقالوا للناس: من كف يده فهو آمن، فكف الناس ولزموا بيوتهم، وأقام الناس على ذلك أياماً، هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلى بالناس،
(1) حلة أقواف: أي ذات وبر أو شعر.