الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أقول: إن القتال مع علي كان حقاً وصواباً ومن قتل معه فهو شهيد وله أجران، ولكن أبا بكرة حمل حديثاً ورد في غير الحالة قاتل فيها علي على حالة قتال الباغين وهو فهم منه رضي الله عنه ولكنه فهم في غير محله. ومن هذه الرواية ندرك أن عقبات متعددة واجهت علياً رضي الله عنه في معركته مع الآخرين منها أمثال هذه الفتاوى التي هي أثر عن روح أكثر منها أثر عن فتوى تصيب محلها.
* * *
تعليقات
ورث الإمام علي رضي الله عنه الحكم، والفتنة قائمة فلم يستطع السيطرة الكاملة على دفة الأمور رغم العلم والحزم والشجاعة والبطولة والفضل وذلك في رأيي يرجع إلى أمور:
1 -
عدم مراعاة المستجدات التي طرأت على النفسية الإسلامية وعلى المجتمع الإسلامي، فلقد تلبست النفسية المسلمة في الدنيا فكان لابد أن تساس من خلال دين ودنيا، ولم يكن أبو الحسن عنده استعداد لذلك.
2 -
عدم استعمال الدهاء اعتماداً على صولة الحق وحده في مخاطبة المسلمين، بينما حدث وضع جديد يخالف الوضع الذي كان عليه الحال في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان وراءه المجتمع الإسلامي كله، والحرب كانت مع الكافرين، فالخدعة كانت تنصب عليهم لكن ههنا مجتمع انقسم على نفسه، فههنا كان لابد للدهاء أن يعمل عمله.
3 -
اختلط حق بخطأ في موافق كل الأطراف ولذلك كان من الصعب جداً أن يتخلى كل طرف عن قناعاته، فالمطالبة بدم عثمان كانت لا تحتمل عند أصحابها جدلاً، وكون علي هو الخليفة الشرعي وهو الأحق بالخلافة كانت لا تحتمل جدلاً، وفي جو كهذا كان لابد من سلب دعاوى الشرعية من الخصوم، ولم يكن أبو الحسن في وضع يسمح له بذلك.
4 -
كان التآمر جديداً على الأمة الإسلامية وكانت التصورات تحول دون التدبير المكافئ لهذا التآمر. لذلك استطاع التآمر أن يعمل عمله دون أن يستطيع أحد السيطرة عليه.
5 -
كان اعتماد أبي الحسن على رأيه وعزمه أكثر من اعتماده على من حوله، وكان الرجال الذين هم على مستوى المرحلة أقل من المطلوب، ولذلك كانت التعبئة النفسية أقل من اللازم، وكانت الأمور تنتقص واحدا بعد واحد.
6 -
وأهم من هذا كله أن الحماس المتأجج للصراع ضد الكافرين لم يكن هو نفسه عند أهل الحق في الصراع ضد المسلمين، وكان المفروض أن يكون رصيد الإمام هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الكثيرين من هؤلاء تهيبوا سفك الدم المسلم.
7 -
ومع ذلك فأبو الحسن هو الخليفة الراشد القدوة المهدى وقد سن لنا سنناً، سن لنا كيف نتعامل مع البغاة، وسن لنا القتال من أجل الوحدة الإسلامية وإذا كانت هذه الوحدة لا تتم إلا بفناء المسلمين فقد سن لنا التسليم بتعدد الأقطار والحكام، ولقد كان عليه الرضوان امتداداً لعصر النبوة في تفكيره وتصرفاته ولكن الناس تغيروا، وما نحب أن نتغير، ولكن لابد أن نأخذ العبرة فنتعامل مع الزمان والمكان على حسب ما تجيزه الفتوى وتقتضيه المصلحة.
إن هذه الفتن الهائلة التي حدثت بين علي من جهة وطلحة والزبير وعائشة من جهة أخرى وبين علي من جهة وبين معاوية من جهة أخرى، كان فيها علي على الحق والصواب وكان الآخرون متأولين وكانوا مخطئين، ولكن ثقتهم بصواب ما ذهبوا إليه كانت كبيرة جداً، لذلك استرخصوا دماءهم في سبيلها، فلقد كانوا مقتنعين أن عثمان قد قتل ظلماً وأن قتلته يجب أن يحاسبوا وأن علياً لم يجاسبهم بل أصبحوا جزءا من جنده، فكانوا يرون أن علياً ظالم بحمايته لهؤلاء الناس، وكان علي رضي الله عنه يعتبر نفسه وهو على حق في ذلك الخليفة الراشد وأن من يطيعه ومن بايعه وأخلص له هو الذي تتمثل به جماعة المسلمين، ولو أنه حاسب هؤلاء لفرط عقد جماعة المسلمين فتأول في ألا يبدأ في محاسبتهم، وهو الأعلم بالأحكام وصاحب الترجيح في كل قضية خلافية بحكم أنه إمام، وهكذا حدث الصراع المفجع وكل من الأطراف لاشك أنه على حق وهم خير الخلق بشهادة النصوص، فلذلك فنحن نعتقد أن المخلصين ممن كان مع علي على حق وصواب وهم مأجورون مرتين، وأن المخلصين ممن كان ضده مخطئون في اجتهادهم ولهم أجر واحد، وفي هؤلاء وهؤلاء من نكل أمرهم إلى
الله عز وجل ممن لم تكن لهم نية صادقة أو كان عندهم مطامع شخصية أو عندهم سوء نية أو لم يكونوا مخلصين في إسلامهم وهكذا.
* * *