المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌على بن أبي طالب رضي الله عنه - الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية - جـ ٤

[سعيد حوى]

فهرس الكتاب

- ‌عثمان بن عفان رضي الله عنه

- ‌قصة استخلافه:

- ‌ذكر زوجاته وبنيه وبناته رضي الله عنهم:

- ‌ثم دخلت سنة خمس وعشرين:

- ‌ثم دخلت سنة ست وعشرين:

- ‌ثم دخلت سنة سبع وعشرين:

- ‌غزوة الأندلس:

- ‌وقعة جرير والبربر مع المسلمين:

- ‌فتح قبرص:

- ‌ثم دخلت سنة تسع وعشرين:

- ‌ثم دخلت سنة ثلاثين من الهجرة النبوية:

- ‌ثم خلت سنة إحدى وثلاثين:

- ‌ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين:

- ‌ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين:

- ‌ثم دخلت سنة أربع وثلاثين:

- ‌ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان:

- ‌ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان:

- ‌ذكر مجيء الأحزاب إلى عثمان للمرة الثانية في مصر:

- ‌ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان:

- ‌تعليقات

- ‌شرح مختصر لأسباب الفتنة في اجتهادي:

- ‌1 - ظهور الورع الجاهل:

- ‌2 - تآمر الحاقدين:

- ‌3 - طموح الطامحين:

- ‌4 - العفوية:

- ‌5 - عدم مراعاة الرأي العام السائد:

- ‌على بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة:

- ‌ثم دخلت سنة تسع وثلاثين:

- ‌ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:

- ‌صفة مقتله رضي الله عنه:

- ‌تعليقات

- ‌عبد الله بن الزبير رضي الله عنه

- ‌تعليقات

- ‌الوصل الثالثفينماذج من أصحابه

- ‌تمهيد

- ‌1 - أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه

- ‌2 - طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه

- ‌3 - الزبير بن العوام رضي الله عنه

- ‌4 - عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه

- ‌5 - سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

- ‌6 - سعيد بن زيد رضي الله عنه

- ‌7 - زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه رضي الله عنه

- ‌8 - أسامة بن زيد الحِبُّ بن الحِبُّ رضي الله عنه

- ‌9 - عمار بن ياسر رضي الله عنه

- ‌10 - عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

- ‌11 - أبو ذر الغفاري رضي الله عنه

- ‌12 - حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما

- ‌13 - سعد بن معاذ رضي الله عنه

- ‌14 - عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما

- ‌15 - بلال بن رباح رضي الله عنه

- ‌16 - أبي بن كعب رضي الله عنه

- ‌17 - أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه

- ‌18 - المقداد بن عمرو (المشهور بابن الأسود) رضي الله عنه

- ‌19 - أبو قتادة الأنصاري السلمي رضي الله عنه

- ‌20 - سلمان الفارسي رضي الله عنه

- ‌21 - عبد الله بن قيس (المشهور بأبي موسى الأشعري) رضي الله عنه

- ‌22 - عبد الله بن سلام رضي الله عنه

- ‌23 - جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه

- ‌24 - 25 - جابر بن عبد الله وأبوه عبد الله بن عمرو بن حرام

- ‌26 - البراء بن مالك رضي الله عنه

- ‌27 - أنس بن مالك رضي الله عنه

- ‌28 - ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلموخطيب الأنصار

- ‌29 - أبو هريرة رضي الله عنه

- ‌30 - حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه

- ‌31 - جليبيب رضي الله عنه

- ‌32 - حارثة بن سراقة رضي الله عنه

- ‌33 - قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما

- ‌34 - خالد بن الوليد رضي الله عنه

- ‌35 - عمرو بن العاص رضي الله عنه

- ‌36 - أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه

- ‌37 - معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما

- ‌38 - عباد بن بشر رضي الله عنه

- ‌39 - ضماد رضي الله عنه

- ‌40 - عدي بن حاتم رضي الله عنه

- ‌41 - ثمامة بن أثال رضي الله عنه

- ‌42 - عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه

- ‌43 - خباب بن الأرتِّ رضي الله عنه

- ‌44 - سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما

- ‌45 - عامر بن ربيعة رضي الله عنه

- ‌46 - عبد الله بن جحش رضي الله عنه

- ‌47 - صهيب بن سنان رضي الله عنه

- ‌48 - عثمان بن مظعون رضي الله عنه

- ‌49 - معاذ بن جبل رضي الله عنه

- ‌50 - عمرو بن الجموح رضي الله عنه

- ‌51 - حارثة بن النعمان رضي الله عنه

- ‌52 - عبد الله بن رواحة رضي الله عنه

- ‌53 - عبد الله بن عبد الله بن أبي رضي الله عنه

- ‌54 - قتادة بن النعمان رضي الله عنه

- ‌55 - عبادة بن الصامت رضي الله عنه

- ‌56 - خزيمة بن ثابت رضي الله عنه

- ‌57 - خالد بن زيد المشهور بأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه

- ‌58 - زيد بن ثابت رضي الله عنه

- ‌59 - سلمة بن الأكوع رضي الله عنه

- ‌60 - أبو الدرداء رضي الله عنه

- ‌61 - عبد الله بن الأرقم رضي الله عنه

- ‌62 - عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه

- ‌63 - أبو زيد عمر بن أخطب رضي الله عنه

- ‌64 - أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه

- ‌65 - عبد الله بن بسر رضي الله عنه

- ‌66 - السائب بن يزيد رضي الله عنه

- ‌67 - ورقة بن نوفل رضي الله عنه

- ‌68 - حكيم بن حزام رضي الله عنه

- ‌69 - قيس بن عاصم المنقري رضي الله عنه

- ‌70 - عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه

- ‌71 - عبد الله بن حذافة السهمي

- ‌72 - عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه

- ‌73 - محمد بن مسلمة رضي الله عنه

- ‌74 - حسان بن ثابت

- ‌75 - حجر بن عدي رضي الله عنه

- ‌76 - عمران بن حصين رضي الله عنه

- ‌77 - سهيل بن عمرو رضي الله عنه

- ‌78 - أبو سعيدٍ الخدري رضي الله عنه

- ‌79 - المغيرة بن شعبة رضي الله عنه

- ‌80 - النجاشي رضي الله عنه

- ‌81 - أسيد بن حضير رضي الله عنه

- ‌82 - عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه

- ‌83 - أسعد بن زرارة رضي الله عنه

- ‌84 - أبو دجانة سماك بن خرشة الخزرجي رضي الله عنه

- ‌85 - أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما

- ‌86 - أم حرامٍ رضي الله عنها

- ‌87 - أمُّ سُلَيْمٍ رضي الله عنها

- ‌88 - هند بنت عتبة رضي الله عنها

- ‌89 - نسيبةُ بنتُ كعب رضي الله عنها

- ‌90 - أم أيمن بركة بنت ثعلبة رضي الله عنها

- ‌91 - أم عطية الأنصارية رضي الله عنها

- ‌92 - أم سَلِيط رضي الله عنها

- ‌93 - بريرة مولاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

- ‌94 - الربيع بنت معوذ رضي الله عنها

- ‌95 - أسماء بنت عُميْس رضي الله عنها

- ‌تعليقات على هذا الباب

- ‌خاتمة القسم الأول

الفصل: ‌على بن أبي طالب رضي الله عنه

‌على بن أبي طالب رضي الله عنه

قال ابن حجر في الإصابة: على بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القوضي الهاشمي أبو الحسن .. أول الناس إسلاماً في قول كثير من أهل العلم، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فربي في حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يفارقه وشهد معه المشاهد إلى غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة ألا ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، وزوجة ابنته فاطمة وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد ولما أخي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه قال له: أنت أخي، ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي، وقال غيره: وكان سبب ذلك بغض بني أمية له، فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته وكلما أرادوا إخماده وهددوا من حدث بمناقبه لا يزداد إلا انتشاراً وقد ولد له الرافضة مناقب موضوعة هو غني عنها وتتبع النسائي ما خص به من دون الصحابة فجمع من ذلك شيئاً كثيراً بأسانيد أكثرها جياد.

يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه من الصحابة: ولده الحسن والحسين وابن مسعود وأبو موسي وابن عباس وأبو رافع وابن عمر وأبو سعيد وصهيب وزيد بن أرقم وجرير وأبو أمامة وأبو جحيفة والبراء بن عازب وأبو الطفيل وآخرون، ومن التابعين من المخضرمين أومن له رؤية: عبد الله بن شداد بن الهاد وطارق بن شهاب وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الحارث بن نوفل ومسعود بن الحكم ومروان بن الحكم وآخرون، ومن بقية التابعية عدد كثير من أجلهم أولاده محمد وعمر والعباس وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام.

وكان أحد الشورى الذين نص عليهم عمر فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف وشرط عليه شروطاً امتنع من بعضها، فعدل عنه إلى عثمان فقبلها، فولاه وسلم علي وبايع عثمان ولم يزل بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم متصدياً لنصر العلم والفتيا، فلما قتل عثمان بايعه الناس ثم كان من قيام جماعة من الصحابة منهم طلحة والزبير وعائشة في طلب دم عثمان، فكان من وقعة الجمل ما اشتهر ثم قام معاوية في أهل الشام وكان أميرها لعثمان ولعمر من

ص: 1678

قبله فدعا إلى الطلب بدم عثمان فكان من وقعة صفين ما كان، وكان رأي على أنهم يدخلون في الطاعة ثم يقوم ولي دم عثمان فيدعي به عنده ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة وكان من خالفه يقول له: تتبعهم واقتلهم فيري أن القصاص بغير دعوي ولا إقامة بينه لا يتجه وكل من الفريقين مجتهد، وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، وظهر بقتل عمار أن الصواب كان من علي واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القيدم، ولله الحمد.

وقال يحيي بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن وقال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به، وقال وهب بن عبد الله بن أبي الطفيل: كان علي يقول: سلوني سلوني وسلوني عن كتاب الله تعالي فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار.

وأخرج الترمذي - وأصله في مسلم - من علي قال: لقد عهد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يحبك إلا مؤمن، لا يبغضك إلا منافق وأخرج الترمذي بإسناده قوي عن عمران ابن حصين في قصة قال فيها: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما تريدون علي؟ إن علياً مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي" وفي مسند أحمد بسند جيد عن علي قال قيل: يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال: "إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه قوياً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا علياً وما أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الطريق المستقيم"وكان قتل علي في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر لأنه بويع بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكانت وقعة الجمل في جمادي سنة ست وثلاثين ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة وثلاثين ثم أقام سنتين يحرض على قتال البغاة فلم يتهيأ لك إلى أن مات أهـ كلام الحافظ.

وقال ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة الإمام على رضي الله عنه: أبو الحسن والحسين، ويكني بأبي تراب، وأبي القيم الهاشمي، ابن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته

ص: 1679

فاطمة الزهراء، وأمة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ويقال إنها أو هاشمية ولدت هاشمياً، وكان له من الإخوة طالب، وعقيل، وجعفر، وكانوا أكبر منه، بين كل واحد منهم ويبين الآخر عشر سنين، وله أختان، أم هانئ وجمانة، وكلهم من فاطمة بنت أسد، وقد أسلمت وهاجرت، كان علي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان ممن توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم راض عنهم وكان رابع الخلفاء الراشدين وكان رجلاً آدم شديد الأمة أشكل العينين (1)، عظيمهما، ذو بطن، أصلع، وهو إلى القصر أقرب، وكان عظيم اللحية، ضحوك السن، خفيف المشي على الأرض، أسلم علي قديماً، ويقال إنه أول من أسلم، والصحيح أنه أول من أسلم من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلمت من النساء، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار، وكان سبب إسلام على صغير أنه كان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان قد أصابتهم سنة مجاعة فأخذه من أبيه، فكان عنده، فلما بعثه الله بالحق آمنت خديجة وأهل البيت ومن جملتهم علي.

وقد شهد علي بدراً وكانت له اليد البيضاء فيها، بارز يومئذ فغلب وظهر، وفيه وفي عمه حمزة وابن عمه عبيده بن الحارث وخصومهم الثلاثة- عتبة وشيبة الوليد بن عتبة - نزل قوله تعالي:{هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} (2) الآية، وقال الحكم وغيره عن مقسم عن ابن عباس قال: دفع النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم بدر إلى علي وهو ابن عشرين سنة، وشهد على أحداً وكان على الميمنة ومعه الراية بعد مصعب بن عمير، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الأنصاري، وحمزة بن عبد المطلب على القلب، وعلى الرجالة الزبير بن العوام، وقيل المقداد بن الأسود، وقد قاتل على يوم أحد قاتلاً شديداً، وقتل خلقاً كثيراً من المشركين، وغسل عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم الدم الذي كان أصابه من الجراح حين شج في وجهه وكسرت رباعيته وشهد يوم الخندق فقتل يومئذ فارس العرب، وأحد شجعانهم المشاهير، عمرو بن

(1) أشكل العينين: في بياضهما شيء من حمرة، وهو محمود محبوب.

(2)

الحج: 19.

ص: 1680

عبد ود العامري، وشهد الحديبية وبيعة الرضوان، وشهد خيبر وكانت له بها مواقف هائلة، ومشاهد طائلة، وشهد علي عمرة القضاء وفيها قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أنت مني، وأنا منك". وشهد الفتح وحنيناً والطائف، وقاتل في هذه المشاهد قتالاً كثيراً، واعتمر من الجعرانة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك واستخلفه على المدينة، قال له: يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي".وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم أميراً وحاكماً على اليمن، ومعه خالد بن الوليد، ثم وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع إلى مكة، وساق معه هدياً كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فأشركه في هديه، واستمر على إحرامه.

ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له العباس: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن الأمر بعده؟ فقال: والله لا أسأله، فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبداً، والأحاديث الصحيحة دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوص إليه ولا إلى غيره بالخلافة، بل لوح بذكر الصديق، وأشار إشارة مفهمة ظاهرة جداً إليه، ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كان علي من جملة من غسله وكفنه وولي دفنه.

ولما بويع الصديق يوم السقيفة كان علي من جملة من بايع بالمسجد وكان بيدي يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يري طاعته فرضاً عليه، وأحب الأشياء إليه، ولما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر - وكانت قد تغضبت بعض الشيء على أبي بكر بسبب الميراث الذي فاتها من أبيها عليه الصلاة والسلام، ولم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء وأنهم لا يورثون، فلما بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظراً على هذه الصدقة، فأبي ذلك عليها، فبقي في نفسها شيء كما قدمنا، واحتاج علي أن يداريها بعض المدارة- فلما توفيت جدد البيعة مع الصديق رضي الله عنهما، فلما توفي أبو بكر وقام عمر في الخلافة بوصية أبي بكر بذلك، كان علي من جملة من بايعه، وكان معه يشاروه في الأمور، ويقال إنه استقضاه في أيام خلافته، وقدم معه من جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام، وشهد خطبته بالجابية، فلما طعن عمر وجعل الأمر شورى في ستة أحدهم علي، ثم خلص منهم بعثمان وعلي كما قدمنا، فقدم عثمان علي علي، فسمع وأطاع، فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان

ص: 1681

عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على المشهور عدل الناس إلى علي فبايعوه قبل أن يدفن عثمان، وقيل بعد دفنه وقد امتنع علي من إجابتهم إلى قبول الإمارة حتى تكرر قولهم له وفر منهم إلى حائط بني عمرو بن مبذول، وأغلق بابه فجاء الناس فطرقوا الباب وولجوا عليه، وجاؤوا معهم بطلحة والزبير، فقالوا له: إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير، ولم يزالوا به حتى أجاب.

وذكر سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه قالوا: بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر. والمصريون يلحون على علي وهو يهرب منهم إلى الحيطان، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم لا نولي أحدًا من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد ابن أبي وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم، فرجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس، وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه النخعي وذلك يوم الخميس الرابع والعشرون من ذي الحجة، وذلك بعد مراجعة الناس لهم في ذلك، وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا علي، فلما كان يوم الجمعة وصعد على المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس، وكان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: إنا لله وإنا إليه راجعون (1)، ثم الزبير، ثم قال الزبير: إنما بايعت عليًا واللج (2) على عنقي والسلام، ثم راح إلى مكة فأقام أربعة أشهر، وكانت هذه البيعة يوم الجمعة لخمسة بقين من ذي الحجة اهـ. ابن كثير.

قال ابن حجرة: أخرج عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة من طريق المغيرة عن إبراهيم عن علقمة قال: قال الأشتر: رأيت طلحة والزبير يبايعا غير مكرهين.

وأخرج من طريق أبي نضرة، قال: كان طلحة يقول إنه بايع وهو مكره.

ومن طريق ابن شهاب قال:

ثم أرسل -أي علي- إلى طلحة والزبير فبايعاه ا. هـ

(1) وكأنه تشاءم من هذه البيعة، وأن الخلافة لن تستقر لعلي.

(2)

اللج: هو السيف بلغة طيء، وقيل هو اسم سمي به السيف.

ص: 1682

من فتح الباري.

وقال ابن كثير: وكان على الكوفة أبو موسى الأشعري على الصلاة، وعلى الحرب القعقاع ابن عمرو، وعلى الخراج جابر بن فلان المزني، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد تغلب عليه محمد بن أبي حذيفة، وعلى الشام معاوية ابن أبي سفيان، ونوابه على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنسرين حبيب ابن مسلمة، وعلى الأردن أبو الأعور، وعلى فلسطين حكيم بن علقمة، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى قرقيسيا جرير بن عبد الله البجلي، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى قيسارية مالك بن حبيب، وعلى همذان جبيش. هذا ما ذكره ابن جرير من نواب عثمان الذين توفي وهم نواب الأمصار، وكان على بيت المال عقبة بن عمرو، وعلى قضاء المدينة زيد بن ثابت، ولما قتل عثمان بن عفان خرج النعمان بن بشير ومعه قميص عثمان مضمخ بدمه، ومعه أصابع نائلة التي أصيبت حين حاجفت عنه بيدها، فقطعت مع بعض الطف فورد به على معاوية بالشام، فوضعه معاوية على المنبر ليراه الناس، وعلق الأصابع في كم القميص، وندب الناس إلى الأخذ بهذا الثأر والدم وصاحبه، فتباكى الناس حول المنبر، وجعل القميص يرفع تارة ويوضع تارة، والناس يتباكون حوله سنة، ويحث بعضهم بعضًا على الأخذ بثأره، واعتزل أكثر الناس النساء في هذا العام، وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج: منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أمامة، وعمرو بن عنبسة وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: شريك بن حباشة، وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن ابن غنم، وغيرهم من التابعين. ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة رضي الله عنهم، وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان: فاعتذر إليهم بأن هؤلاء مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة، ليأتيه منها بالجنود ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان رضي الله عنه، فقال لهما: مهلاً علي، حتى أنظر في هذا الأمر. ودخل عليه المغيرة بن شعبة على إثر ذلك

ص: 1683