الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
59 - باب المَسْحِ على الخفَّيْن
149 -
حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْن يَزِيدَ، عَنِ ابن شِهابٍ، حَدَّثَنِي عَبّادُ بْنُ زِيادٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ المُغِيرة بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ، أنَّه سَمِعَ أَباهُ المُغِيرَةَ يَقول: عَدَلَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنا مَعَهُ فِي غَزْوَة تَبُوكَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَعَدَلْتُ مَعَهُ، فَأَناخَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ جاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الإِداوَة، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ، ثمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثمَّ حَسَرَ عَنْ ذِراعَيْهِ فَضاقَ كُمّا جُبَّتِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فَأَخْرَجَهُما مِنْ تَحْتِ الجُبَّةِ، فَغَسَلَهُما إِلَى الِمرفَقِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثمَّ رَكِبَ، فَأَقْبَلْنا نَسِير حَتَّى نَجِدَ النّاسَ فِي الصَّلاةِ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَصَلَّى بِهِمْ حِينَ كانَ وَقْتُ الصَّلاةِ، وَوَجَدْنا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ صَلاةِ الفَجْرِ، فَقامَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فَصَفَّ مَع المُسْلِمِينَ، فَصَلَّى وَراءَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ عَبْد الرَّحْمَنِ، فَقامَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَلاتِهِ، فَفَزِعَ المُسْلِمونَ، فَأكثَروا التَّسْبِيحَ، لأنَّهمْ سَبَقُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِالصَّلاةِ، فَلَمّا سَلَّمَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُمْ:"قَدْ أَصَبْتُمْ" أَوْ: "قَدْ أَحْسَنْتُمْ"(1).
150 -
حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، يَعْنِي ابن سَعِيدٍ (ح) حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا المُعْتَمِرُ، عَنِ التَّيْمِيِّ، حَدَّثَنا بَكْرٌ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ ابن المُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ وَمَسَحَ ناصِيَتَهُ، وَذَكَرَ: فَوْقَ العِمامَةِ.
قالَ: عَنِ المُعْتَمِرِ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ ابن المُغِيرة بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ المُغِيرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يَمْسَحُ عَلَى الخفَّيْنِ وَعَلَى ناصِيَتِهِ وَعَلَى عِمامَتِهِ.
(1) رواه البخاري (182، 203، 206، 363، 388، 2918، 4421، 5798، 5799)، ومسلم (274) مختصرا، ورواه بتمامه (274/ 105). وسيأتي مختصرا بالأرقام (150، 151، 152، 165).
قالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ ابن المُغِيرَة (1).
151 -
حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ المُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ، قالَ: كنّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في رَكْبِهِ وَمَعِي إِداوَةٌ، فَخَرَجَ لحِاجَتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَلَقَّيْتُهُ بِالإِداوَة، فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَرادَ أَنْ يُخْرِجَ ذِراعَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ مِنْ جِبابِ الرّومِ ضَيِّقَة الكُمَّيْنِ، فَضاقَتْ، فادَّرَعهما ادِّراعًا، ثُمَّ أَهْوَيتُ إِلَى الخُفَّيْنِ لأنْزِعهما، فَقالَ لِي:"دَعِ الخُفَّيْنِ؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُ القَدَمَيْنِ الخُفَّيْنِ وَهُما طاهِرَتان "فَمَسَحَ عَلَيْهِما.
قالَ أَبِي: قالَ الشَّعْبِيُّ: شَهِدَ لي عُروَةُ عَلَى أَبِيهِ، وَشَهِدَ أَبوهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (2).
152 -
حَدَّثَنا هُدْبَةُ بْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحسَنِ، وَعَنْ زُرارَةَ بْنِ أَوْفَى، أَنَّ المغِيرَةَ بْنَ شعْبَةَ قالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ هذِه القِصَّةَ، قالَ: فَأتَيْنا النّاسَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُصَلِّي بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمّا رَأى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أرادَ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأوْمَأ إِلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ، قالَ: فَصَلَّيْتُ أَنا والنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَلْفَهُ رَكْعَةً، فَلَمّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى الرَّكْعَةَ التِي سُبِقَ بِها وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْها شَيْئًا. قالَ أَبُو داودَ: أَبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وابْن الزُّبَيْرِ وابْنُ عُمَرَ يَقُولُونَ: مَنْ أَدْرَكَ الفَردَ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ سَجْدَتا السَّهْوِ (3).
153 -
حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعاذٍ، حَدَّثَنا أَبِي، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ - يَعْنِي: ابن حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ - سَمِعَ أَبا عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أنَّه شَهِدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَسألُ بِلالًا عَنْ وضُوءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: كانَ يَخْرُجُ يَقْضِي حاجَتَهُ فَآتِيهِ بِالماءِ فَيَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمامَتِهِ وَمُوقَيْهِ.
(1) انظر السابق.
(2)
انظر ما سلف برقم (149).
(3)
انظر ما سلف برقم (149).
قالَ أَبو داودَ: هوَ أَبو عَبْدِ اللهِ مَوْلَى بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ (1).
154 -
حَدَّثَنا عَلِيُّ بْن الحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيُّ، حَدَّثَنا ابن داودَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عامِرٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، أَنَّ جَرِيرًا بالَ ثمَّ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى الخفَّيْنِ، وقالَ: ما يَمْنَعُنِي أَنْ أَمْسَحَ وَقَدْ رَأَيْت رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يمْسَحُ. قالوا: إِنَّما كانَ ذَلِكَ قَبْلَ نزولِ المائِدَةِ. قالَ: ما أَسْلَمْتُ إلَّا بَعْدَ نُزولِ المائِدَةِ (2).
155 -
حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَأَحْمَد بْن أَبِي شُعَيْبٍ الحرّانِيُّ قالا: حَدَّثَنا وَكِيعٌ، حَدَّثَنا دَلْهَم بْنُ صالِحٍ، عَنْ حُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّجاشِيَّ أَهْدى إِلَى رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ ساذَجَيْنِ، فَلَبِسَهُما، ثُمَّ تَوَضَّأ وَمَسَحَ عَلَيْهِما.
قالَ مُسَدَّدٌ: عَنْ دَلْهَمِ بْنِ صالِحٍ.
قالَ أَبُو داودَ: هذا مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْل البَصْرَةِ (3).
156 -
حَدَّثَنا أَحْمَد بْنُ يونُسَ، حَدَّثَنا ابن حَى - هُوَ الحسَن بْنُ صالِحٍ - عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عامِرٍ البَجَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنِ المغِيرَة بْنِ شعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(1) رواه أحمد 6/ 13، ابن أبي شيبة 2/ 264 (1941)، والطبراني 1/ 359 - 360 (1100)، (1101)، والحاكم 1/ 170، والبيهقي 1/ 288 - 289.
وصححه الألباني في "صحيح أبي داود"(142).
ورواه مسلم (275) من طريق كعب بن عجرة عن بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار.
(2)
رواه البخاري (387)، ومسلم (272) من طريق إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث عن جرير به دون ذكر قول جرير:(ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة)، لكن في رواية البخاري: قال إبراهيم: فكان يعجبهم؛ لأن جريرا كان من آخر من أسلم.
وفي رواية مسلم: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
لكن ورد قول جرير هذا في رواية الترمذي (94).
(3)
رواه الترمذي (2820)، وابن ماجه (549)، (3620)، وأحمد 5/ 352.
وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود"(144).
مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أَنَسِيتَ؟ قالَ: "بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ، بهذا أَمَرَنِي رَبِّي"(1).
* * *
باب المسح على الخفين
[149]
(ثَنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) قال: (ثَنا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ) قال: (أَخْبَرَنِي يُونُسُ (2) بْنُ يَزِيدَ) الأيلي، مَات سنة 159 (عَن) محمد (ابْنِ شِهَابٍ) الزهري قال:(حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ) ابن أبيه أخو عَبيد الله، أخرج له مُسلم ومَالك في "الموطأ" وقال فيه: عَن عبَاد بن زيَاد وهو من ولد المغيرة بن شعبة (3).
قيل: إن مَالكا وهِمَ في هذا السَّنَد (4)(أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ المغيرة (5) بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ المُغِيرَةَ) بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه (يَقُولُ (6): عَدَلَ) بفتح المهملتين أي: مَال عَن الطريق وانحرف عَنها.
ولفظ رواية "الموطأ"(7): أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَهب لحَاجته وذهبت معهُ
(1) رواه أحمد 4/ 246، 253، والحاكم 1/ 170.
وقال الألباني في "ضعيف أبي داود"(20): إسناده ضعيف من أجل بكير، والحديث في الصحيحين وغيرهما، دون قوله: فقلت
…
إلخ. فهذِه الزيادة منكرة.
(2)
كتب فوقها في (د): ع.
(3)
"الموطأ" 1/ 35.
(4)
"تاريخ دمشق" لابن عساكر 26/ 228، "تهذيب الكمال" 14/ 119 (3078).
(5)
سقطت من (س).
(6)
سقط من (د).
(7)
"الموطأ" 1/ 35.
بماء، فيه دليل على أن المَاشي في الطريق إذا أرَادَ قضاء الحَاجة أن يَنحرف عن الطريق والأيسَر أولى من الأيمن (رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم (1) وَأَنا مَعَهُ) فيه ذهَاب التلميذ مع أستاذه ومُعلمه إذا ذَهب لقضَاء حَاجَته أن يذهبَ معهُ بماء الوضُوء يحملهُ معهُ، وإن احتاج إلى أحجار يستجمر بها فيناوله (فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ).
قال في "الاستذكار": فيه من العلم ضروب منها: خروج الإمَام بنَفسه في الغزو لجهَاد (2) العَدُو، وكانَت تلك غَزوَة تَبوك آخِر غَزوة غزاها رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بَنَفسه، وذلك في سَنة تسع مِنَ الهجرة، وهي الغَزوة المعرُوفة بغزوة (3) العسرة.
قال ابن إسحاق: خرج رسُول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك فصَالحَهُ أهل أيلة، وكَتَب لهُم كتابًا، وفيه أدب الخَلاء والبُعد عن الناس (4).
(قَبْلَ الفَجْرِ) فيه فَضيلة الوضوء قبل دُخول (5) الوقت (فَعَدَلْتُ مَعَهُ).
قال ابن عبد البر (6): في الآثار كلها إن الإدَاوَة كانت مع المغيرة، وليس في شيء منها أنه ناوَلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فَذَهب بها، ثم لما انصرف ردها إليه قال: وفي حَديث الشعبي عَن عُروة بن المغيرة عن أبيه: فخرجَ لحاجَته ثم أقبل فلقيته بالإدَاوَة.
(1) سقط من (د، م).
(2)
في (ص): ولجهاد.
(3)
في (ص): بعسرة.
(4)
"الاستذكار" 2/ 229 - 231.
(5)
سقط من (د).
(6)
"الاستذكار" 2/ 232.
(فَأناخَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) يَدل على أنه لما عَدَل عن الطريق كان راكبًا على راحلته؛ لتكون بالقرب منه إذا نزل عنها (1)(فَتَبَرَّزَ) يكنى به عن الغائط، فيُقال: تبرز كما يُقال: تغوط، وأصْل البراز: الفَضَاء الوَاسِع.
(ثُمَّ جَاءَ فَسَكَبْتُ) قال في "الاستذكار": استدل به من تقدم من أصحابنا على (2) جَواز الاستنجاء بالأحجار مع وجُود الماء مع كثرة الأحجار، فإن صَح أن رسُول الله صلى الله عليه وسلم استنجى بالماء يومئذ، من نقل من يقبل نقله، وإلا فالاستدلال صَحيح، بأنَّ في هذا الحَديث ترك الاستنجاء بالماء والعدُول عنه إلى الأحجار مع وجُود الماء، وأي الأمرين كانَ؛ فإن الفقهاء اليوم مجمعُون على أن الاستنجاء بالماء أطيب وأطهرَ، وأن الأحجار رخصَة وتوسعة، وأنَّ الاستنجاء جَائز في السَّفر والحَضَر (3).
(عَلَى يَدِهِ) فيه جواز الاستعانة في الوضوء بصب الماء على المتوضئ. (مِنَ الإِدَاوَةِ) بكسر الهمزة وتخفيف الدَّال المهملة، وهي آنية الماء كالمطهرة وجمعَها أداوى مثل مطايا.
قال في "النهَاية": هو إناء صغير من جلد يُتخذ للماء كالسَّطيحة ونَحوهَا (4).
(فَغَسَلَ كفَّيهِ) ثلاثًا (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) ثلاثًا (ثُمَّ حَسَرَ) أي: كشف،
(1) في (ص): عليها.
(2)
من (د، م).
(3)
"الاستذكار" 2/ 232 - 233.
(4)
"النهاية"(أد ا).
يشبه أن يَكون المراد: ثم أرَادَ أن يكشف (عَنْ ذِرَاعَيهِ) ليغسلهما (فَضَاقَ كُمّا جُبَّتِهِ) فيه فَضيلة لبس الضيق مِنَ الثياب والأكمام.
قال ابن عَبد البر: ينبغي أن يكونَ ذلك في الغَزو مُستحبًّا لما في ذَلك مِنَ التأهب والاستنان (1) والتأسي بَرسُول الله صلى الله عليه وسلم في لباسه مثل ذلك في السَّفر قَال: وليس به بَأس عندي في الحضَر؛ لأنه لم يوقف (2) على أن ذلك لا يكون إلا في السَّفر (3).
قال ابن عَطية (4): في تفسير قوله تعَالي: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} (5) أن الجَيب فتح الجبة مِنَ حَيث يخرج رَأس الإنسَان، وروي أن كم الجبة كانَ في غاية الضيق، فلم يكن لهُ جَيب (6) يدخل يده فيه إلا مِن جيبه، فهذا مَعَ ما في هذا الحَديث يَدلك على أن لبس (7) الكم الضيق مِنَ الثياب سُنة متبعَة في شريعة مُوسى عليه السلام، ثم (8) في شريعتنا وشريعة ثابتة فيهما، فينبغي المحَافظة عليها والتمسك بهَا، وهذا هو (9) اللائق بالتوسُّط في الأُمور وذَم السَّرف في اتسَاع الثياب، والفقهاء أولى بذَلك في اتباع هذِه السُّنة، وذكر ابن وهب في "جَامعه" أن أمير
(1) في (ص): والإنشمار.
(2)
في (ص، س): يوثق.
(3)
"الاستذكار" 2/ 233.
(4)
"المحرر الوجيز" 4/ 251.
(5)
القصص: 32.
(6)
كلمة غير مقروءة في (م).
(7)
من (د، م).
(8)
سقط من (م).
(9)
في (ص، س، ل) من.
المؤمنين رأى بَعض الوافدين عليه طويل الكم فأمَر أن يقطع منه ما جَاوَز أطراف أصابع يَديه.
قال ابن عَطية (1): وكانَ من بغي قارون أنه زَادَ في ثيابه شبرًا على ثياب الناس، قاله شهر بن حوشب.
وذكر الإمام في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا} (2) قيل لبعضهم: ما اللباس الذي لا سَرَف فيه؟ فقال: ما سَتر عورتك (3).
وقالَ عُمر رضي الله عنه: لو شئت لبستُ الملابس الفَاخِرَة، وأكلتُ المآكل الطيبَة وأنا أقدَركم على ذَلك، ولكن خشيتُ أن أكون ممن قال الله (4) فيهم:{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} (5)(6).
([فأدخل يديه] (7) فَأَخْرَجَهُما مِنْ تَحْتِ الجُبَّةِ) الجبة من الملابس معروفة، جَمعها جِبَاب وجبب (8) مثل برمة وبَرام وبُرم (فَغَسَلَهُمَا) فيه أن العَمل الذي لا طول فيه جَائز أن يعمل بين أثناء الوضوء لمن اضطر إليه، ولا يلزم مع ذلك استئناف الوضوء، وذلك إذا كانَ من أسبَاب الوضوء كاستقاء (9) الماء ونزع الخُف والثوب ونحو ذلك، وإذا
(1)"المحرر الوجيز" لابن عطية 4/ 298.
(2)
الفرقان: 67.
(3)
انظر: "تفسير الخازن" 3/ 318.
(4)
من (د، م).
(5)
الأحقاف: 20.
(6)
رواه ابن المبارك في "الزهد" ص 204.
(7)
من (م).
(8)
في (ص، س، ل، م) وجباب.
(9)
في (م): كاستيفاء.
كانَ العَمل اليَسير في الصَّلاة لا يقطعها فهو أحرى أن لا يقطع الوضوء.
(إِلَى المِرْفَقِ)(1) أي: مَعَ المرفق ثَلاثًا (وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ) مرة أو ثلاثًا كما تقدم (ثُمَّ تَوَضَّأ) أي: مَسَحَ (عَلَى خُفَّيهِ) كما في رواية "الموَطأ" وغيرهَا. قالَ في "الاستذكار": فيه دَليل على الحكم (2) الجليل (3) الذي فرق بَين أهل السُّنة وأهل البدَع، وهو المَسْح على الخُفَّين الذي لا ينكرهُ إلا مُبتدَع خَارج عَن جَمَاعة المُسلمين.
أهل الفقه والأثر لا خلاف بينهم في ذلك بالحجاز والعراق والشام وسَائر البلدان، إلا قوم (4) ابتَدعُوا وأنكرُوا المَسْح على الخُفين، وقالوا: إنهُ خلاف القرآن وعسى (5) القرآن نسخه، ومَعَاذ الله أن يخالف رسُول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ربه الذي جاء به، قال الله تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} (6).
والقائلون بالمَسْح على الخُفين هم الجَم الغَفير والعَدَد الكثير الذي لا يجوز عليهم الغَلط ولا التوَاطؤ وهم جُمهور الصَّحابة والتابعين وفقهاء المُسلمين، وقد رُوي عن مَالك إنكار المسح على الخُفين في الحَضَر
(1) في (ل، م): المرافق.
(2)
من (د، م).
(3)
في (ر): مسح الخفين.
(4)
في (م): يوم.
(5)
في "الاستذكار": عمل.
(6)
النساء: 65.
[وهي رواية أنكرها أكثر القائلين بقوله](1) والروَايَات عنهُ بإجَازة المَسْح [على الخفين](2) في الحَضَر والسَّفر أكثر وأشهر، وعلى ذلك بنى موطأه، وهو مذهبهُ عند كل مَن سَلك اليوم سبيله، لا ينكرهُ منهم أحَد، والحمدُ لله (3).
(ثُمَّ رَكِبَ) راحلته (فَأَقْبَلْنا نَسِيرُ حَتَّى نَجِدَ) يجوز الرفع والنَّصبُ (النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ) ولعَل الرفع أرجح؛ لأن التقدير: فأقبلنا نَسير حَتى وجدنا؛ لأنَّ هذا القول بَعد أن مضى السير والوجدان جَميعًا؛ أي: كنا سِرنا حَتى وجدنا، ولا تعمل حَتى هَاهُنا بإضمار أن؛ لأن بَعدها جُملة، كما قال الفرزدق:
فيا عجبًا حتى [كليب](4) تسبني
فَعَلى هذا الرفع أبين وأوضَح، ومعنى الكلام: أقبلنا نَسير حَتى الحَالة التي وجدنا الناس في الصَّلاة؛ لأن الوجدان كانَ مُتصلًا (5) بالسَّير (6) غَير مُنقطع منهُ، وأمّا النصب فعلى الغاية، وليس فيه هذا المعنى؛ لأن الفعل فيه مَاض، فلا تعمل فيه حتى النصب، ومن جوز النَّصب فهو مُستقبل حكيت [به حَالهم](7)، وقد قرئ بالرفع والنصب
(1) من "الاستذكار".
(2)
من (م)، و"الاستذكار".
(3)
"الاستذكار" 2/ 236 - 237.
(4)
في جميع النسخ (قريش) وهو خطأ، والمثبت من المصادر.
(5)
في (ص): متصل.
(6)
في (م): باليسير.
(7)
في (ص، ل): برحالهم.
في السبعَة في قوله تعالى: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} (1) والرفع قراءة نافع (2).
(قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ) رضي الله عنه وفيه دَليل على أنه إذا خيف فَوت وقت الصَّلاة أو فَوت الوقت المختار منها لم ينتظر الإمَام، وإن كانَ فاضلًا جدًّا. وقد احتج الشَّافعي (3) بهذا الحَديث على أن أول وقت الصَّلاة أفضَل، وقال: معلُوم أن رسُول الله صلى الله عليه وسلم لم يكُن ليَشتَغل عن الصَّلَاة حَتى يَخرُج وقتها كُله، وقال: لو أخرَت الصَّلاة لشَيء من الأشياء عَن أول وقتها لأخرت لإمَامَة رسَول الله صلى الله عليه وسلم وفضل الصَّلاة مَعَهُ، إذ قدمُوا عَبْد الرحَمن بن عَوف في السَّفر، وفيه جواز تقديم الناس في مَسَاجِدهم لأنفسهم إمَامًا بغَير إذن الوَالي، وإن ذلك ليسَ كالجمعة التي هي إلى الولاة عند المالكية (4) وغَيرهم ولا يفتات (5) عَليهم فيها إلا أن يُعطلوها أو تنزل بهم نازلة ضَرورة (6).
(فَصَلَّى بِهِمْ) صَلاة الفجر (حِينَ (7) كانَ) أول (وَقْتُ الصَّلَاةِ) فيه فضيلة (8) الصلاة أول الوقت إلا ما استثني (وَوَجَدْنا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَقَدْ
(1) البقرة: 214.
(2)
انظر: "حجة القراءات" 1/ 131.
(3)
"الأم" 1/ 280 - 281.
(4)
"المدونة" 1/ 237 - 238.
(5)
في (ص، س، ل): شأن.
(6)
"الاستذكار" 2/ 234.
(7)
في (م): حتى.
(8)
في (م): فصلى.
رَكَعَ لهمْ) (1) أي: رَكع بهم (رَكعَةً) أولى (مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ) رواية (2) مُسلم: وقد ركع بهم ركعةً.
(فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَصَفَّ مَعَ المُسْلِمِينَ) فيه أن المسبوق إذا حَضَر وفي الصَّفِّ فُرجَة أو اتسَاع صف مع الصف ولا يقف وحدَهُ كما سَيَأتي (فَصَلَّى وَرَاءَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) فيه فَضيلة لعَبْد الرحمَن بن عَوف إذ قدمهُ الصَّحابة لأنفسهم في صَلاتهم بَدلًا من نبيهم، واقتداؤه صلى الله عليه وسلم به، وفيه جواز ائتمام الإمَام أو الوَالي في عَمله بِرَجُل من رعيته.
وفيه بَيان لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يَؤُمَّنَّ (3) أحد أحدًا في سُلطانه إلا بإذنه". كما سيَأتي في الصَّلاة (4)؛ يَعني: أو إلا أن يخاف خروج أول الوَقت أو خوف فَوت الوقت، وفيه جَوَاز صَلاة الفاضل خَلف المفضول.
(الرَّكعَةَ الثَّانِيَةَ) وفيه أن رسُول الله صلى الله عليه وسلم حين صَلى مع ابن عوف رَكعة جَلس (5) معهُ في الأولى من صَلاته، ويدل عليه قوله بَعده (ثُمَّ سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) فكان فعله هذا مبينًا لقوله صلى الله عليه وسلم:"إنما جُعل الإمام ليُؤتم به" فلا تختلفوا عَليه، ولم يكن ذلك مَوضع جُلوس للمأموم.
(فَقَامَ النبي صلى الله عليه وسلم) فيه أن المسبوق إنما يفارق الإمَام بعد سَلام الإمَام (فِي صَلاِتهِ) لكن هَل يقوم المَسبوق بَعد التسليمة الأولى أو الثانية؟ نقل
(1) في (ص، م): بهم.
(2)
في (م): رواه.
(3)
في (ص، س، ل): يؤم.
(4)
برقم (582، 583).
(5)
في (ص): جلست.
الشيخ عز الدين بن عَبد السَّلام في "الفتاوى الموصلية" استحبَاب قيام المسبُوق عقب (1) تسليمتي الإمَام عن صَاحب "التتمة" فقط ثم (2) قال: وهذا بعَيد؛ لأن الإمام يخرج من الصَّلاة بالأولى، فلا يجوز له القعود قال: وإنما يستقيم [ذلك على مذهب](3) أحمد (4)، فإنها عندهُ مِنَ الصَّلاة.
(فَفَزِعَ المُسْلِمُونَ) حين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يقتدي بابن عَوف، وفيه فضيلة الصحَابة وكثرة خشوعهم في الصلاة حيث جَاء النبي صلى الله عليه وسلم ودَخَل معهم في الصف وصَلى معهم ركعَة وهُم لم يعلموا به إلا بعد سَلامهم.
(فَأكثَرُوا التَّسْبِيحَ) فيه أن التسبيح لتنبيه إمَامه (5) لا ينقطع بِسَلام الإمَام بَل يستمر إلى آخِر الدعاء (لأنَّهُمْ سَبَقُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِالصَّلَاةِ) وخافوا أن يكون قد (6) أُخذ عليهم في تقدم (7) ابن عَوْف أو لعَدم انتظاره صلى الله عليه وسلم (فَلَمّا سَلَّمَ النبي صلى الله عليه وسلم) بعد أن صَلى الركعة الثانية و (8) سَبَّح وهَلل ودعا (قَالَ لَهُمْ: قَدْ أَصَبْتُمْ) فيما فَعلتم (أَوْ) قالَ: (قَدْ أَحْسَنْتُمْ)(9) فيه دَليل على أنهُ
(1) في (ص): عند.
(2)
سقط من (م).
(3)
تكرر في (ص).
(4)
"مسائل أحمد وإسحاق" رواية الكوسج (237)، وانظر:"رؤوس المسائل" 1/ 146 - 147 (189).
(5)
سقط من (د).
(6)
من (د).
(7)
في (م): مقدم.
(8)
من (د، س، ل، م).
(9)
أخرجه البخاري، ومسلم، كما سبق.
ينبغي أن يحمد ويُشكر كل من بَادر إلى أدَاء فَريضة (1) أو سَارَع إلى عَمَل ما يجبُ عليه فعله.
[150]
(ثَنا مُسَدَّدٌ، ثَنَا (2) يَحْيَى بْنُ سَعيد) (3) القطان (4)(وَثَنا مُسَدَّدٌ، ثَنا المُعْتَمِرُ)(5) بن سُليمان بن طَرخان التَّيْمِيّ البَصْري أحَد الأعلام.
(عن) أبيه سُليمان (التيمي) قال: (ثَنا بَكْرٌ)(6) بن عَبد الله المزني (عَنِ الحَسَنِ) بن أبي الحَسَن البَصْري، واسمهُ يسَار مَولى زيد بن ثَابت.
(عَنِ) حَمزة (7)(ابْنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) هذا (8) الإسنَاد فيه أربعة تابعيون، يروي بَعضهم عن بَعض؛ أوَّلهم المعتمر، عن أبيه [عن](9)، بكر، عن الحَسَن، عن حَمزة بن المغيرة.
(عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ وَمَسَحَ نَاصِيَتَهُ) والناصيَة هي مُقدم الرأس كما تقدم في الحَديث قبلهُ.
(1) في (ص، س، ل، م): فرضه.
(2)
زاد في (م): ابن.
(3)
في (ص): سعد.
(4)
من (د)، وكتب فوقها: ع.
(5)
كتب فوقها في (د): ع.
(6)
كتب فوقها في (د): ع.
(7)
في (م): حميدة.
(8)
سقط من (م).
(9)
سقطت من جميع النسخ، وإثباتها هو الصواب؛ لأن المعمر يروي عن أبيه سليمان، يكون عدد التابعيين خمسة، لا كما قال المؤلف رحمه الله، ولعله نقل هذا الكلام من النووي في "شرح مسلم" 3/ 173، وهو على الصواب، "هذا الإسناد فيه أربعة تابعيون يروى بعضهم عن بعض، وهم أبو المعتمر سليمان بن طرخان وبكر بن عبد الله والحسن البصري وابن المغيرة. ا. هـ.
(ذَكَرَ) أنَّه مَسَحَ (فَوْقَ العِمَامَةِ) قد يحتج به من يرى جَوَاز الاقتصار على مَسْح العِمَامَة كما تَقدم.
(قَالَ: عن (1) المُعْتَمِرِ) بن سُليمَان قالَ: (سَمِعْتُ أَبِي) سُليمان التيمي (يُحَدِّثُ (2) عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله عَنِ الحَسَنِ) البَصري (عَنِ) حَمزة (3)(ابْنِ المُغِيرَةِ) في هذا الإسناد أربعَة تابعيُّون بَصْريون إلا ابن المغيرة؛ فإنهُ كوفي (بْنِ شُعْبَةَ عَنِ المُغِيرَةِ أَنَّ نبي الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّينِ) والأحَاديث في المَسْح على الخُفين كثيرة.
قال الإمَام أحمد (4): فيه أربعُون حَديثًا عن الصَحَابة مَرْفُوعَة ومَوقوفة.
وقال ابن أبي حاتم: فيه عن (5) أحد وأربعين، وقال ابن عَبد البرّ في "الاستذكار": رواه نَحو أربَعين مِنَ الصَّحَابة (6)، ونقل ابن المنذر عن الحَسَن البصري، قالَ: حَدثني سَبْعُون من أصحَاب رسُول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ كانَ يمسَح على الخُفيَّن (7).
وذكر أبُو القاسم ابن منده أسمَاء من رَوَاهُ في "تذكرته" فبلغ ثمانين
(1) في (ص): ابن.
(2)
في (م): حدث.
(3)
قال المزي في "تهذيب الكمال" 7/ 339 (1514) في ترجمة حمزة بن المغيرة بن شعبة: وقال بكر بن عبد الله مرة: عن عروة بن المغيرة بن شعبة، وقال الحسن البصري عن ابن المغيرة بن شعبة، ولم يسمه.
(4)
"المغني" 1/ 360.
(5)
من (د، م).
(6)
"الاستذكار" 2/ 239.
(7)
"الأوسط" 2/ 82 بتحقيقنا.
صحَابيًّا. قال ابن عَبد البر: بعد أن سرد منهم جماعة لا يروى عن غيرهم منهم خلاف إلا الذي لا يثبت عن عَائشة وابن عَباس وأبي هريرة (1).
قال أحمد: لا يصح حَديث أبي هريرة في إنكار المسح وهو باطل، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عَن حَاتم بن إسماعيل عن جَعفر بن محمد عَن أبيه. قال: قال علي: سبق الكتاب الخفين (2) وهو منقطع؛ لأن محمدًا لم يدرك عليًّا، وأما ما رَوَاهُ محمد بن مهاجر، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحُصَين، عن القاسم، عن عَائشة قالت: لأن أقطع رجلي (3) أحَب إليَّ [من أن](4) أمْسَح على الخُفَّين (5)، فهو باطِل عنها قال ابن حبان (6): محمد بن مهاجِر كانَ يضَع الحَديث (7).
(وَعَلَى نَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ) هذا مما احتج به أصحَابنا على أن مَسْح بعض الرأس يكفي، ولا يشترط الجَمع؛ لأنه لو وجب الجَميع لما اكتفي بالعمامَة عن الباقي، فإنَّ الجَمع بين الأصل والبَدَل في عضو وَاحِد لا يجوز، كما لو مَسَحَ على عضو واحِد وغسل الرجل الأخرى.
(1)"التمهيد" 11/ 138.
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة" 2/ 269 (1958).
(3)
في (م): رجل.
(4)
في (ص) منها.
(5)
رواه عبد الرزاق 1/ 221 (860) من طريق ابن جريج عن أبي بكر بن حفص عن عائشة، وابن أبي شيبة 2/ 268 (1956) من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد عن عائشة.
(6)
"المجروحين" 2/ 310.
(7)
"التلخيص الحبير" 1/ 215 - 216.
وأما التتميم (1) بالعمامة فهو عند الشافعي (2) وجماعة على الاستحباب؛ لكون الطهَارة على جَميع الرأس، ولو كان على رأسِهِ قلنسوة، ولم ينزعها مَسَحَ بناصيَته، ويُستَحبُّ أن يتمم (3) على القلنسوة كالعمامة، ولو اقتصرَ على العِمامة لم يُجزئه عندنا بلا خلاف كما تقدم (4)، وهو مَذهَب مَالك (5) وأبي حنيفة (6) وأكثر العُلماء (7).
(قَالَ بَكْرٌ) بن عَبد الله (وَقَدْ سَمِعْتُهُ (8) مِنَ ابن المُغِيرَةِ) قال القاضي عيَاض: هو عند شيُوخنا سَمعته (9) يَعني: بالهاء في آخره بعد التَاء قال: وكذا ذكرهُ ابن أبي خيثمة، والدارقطني وغَيرهما قال: ووقع عند بَعضهم، ولم أروه، وقد سمعتُ من ابن المغيرة؛ يَعني: بحَذف الهاء، وقد تقدم سَمَاعهُ الحَديث منه.
[151]
(ثَنا مُسَدَّدٌ) قال: (ثَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسَحاق أحَد الأعلام في الحفظ والعِبَادة، قال:(حَدَّثَنِي أَبِي) يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي؛ أخرج لهُ مُسلم في الجهاد (عَنِ) عامِر بن شَراحيل (الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ) المغيرة رضي الله عنه
(1) في (ص، س): التيمم. وفي (ل، م): المتيمم.
(2)
"الأم" 2/ 58.
(3)
في (م): ييمم.
(4)
"الأم" 1/ 79.
(5)
"المدونة الكبرى" 1/ 124، "الاستذكار" 1/ 211.
(6)
"المبسوط" للسرخسي 1/ 235.
(7)
"شرح مسلم" للنووي 3/ 172.
(8)
في (س، م): سمعت.
(9)
سقطت من (م).
(قَالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي رَكبَةٍ) بمفتوحَات ثلاث، قال يَعقوب: أقل مِنَ الركب، وروي بإسْكان الكاف، وهي روَاية الخَطيب، وراكب الدابة جمعه رَكب مثل صَاحب وصحب وركبان، والركب أصحاب الإبل العشرة فما فَوقها (وَمَعِي إِدَاوَةٌ) بكسْر الهمزة كما تقدم.
(فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ) أي: لقضاء الحَاجَة (ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَلَقَّيتُهُ بِالإِدَاوَةِ) وهي الركوة (فَأَفْرَغْتُ عَلَيهِ) أي: صَببَت على يَدَيهِ، وفيه دَليل على جَوَاز الاستعانة بمن يَصُب عليه من غَير كراهَة، فَفي الصَّحيحين في قصة دفع أسَامة مع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة في حجة الوداع، ولفظ مُسلم (1): ثم جَاء فَصَببت عليه الوَضُوء، وليس في البخاري (2) ذكر الصَّب، وذكر بَعض الفقهاء أن الاستعَانة كانت لحاجَته؛ وهو أنه أرَادَ أن لا يتأخر عن الرفقة، وفيه نظر فقد روى ابن مَاجه (3) والبخَاري في "التاريخ الكَبير" عن صَفوان بن عَسال أنه قال: صَبَبتُ على رسُول الله صلى الله عليه وسلم في الحَضَر والسَّفر في الوضوء (4).
(فَغَسَلَ كَفَّيهِ وَوَجْهَهُ) أي: ثلاثًا ثلاثًا (ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيهِ) مَن الكمَّين (وَعَلَيهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ) فيه أن لبس الجبَّة مِن السُّنة، وفي "صَحيح مُسْلم" عن أسماء أنها أخرجَت جبة رسُول الله صلى الله عليه وسلم مَكفوفة الكمين والجَيب والفرج بالديبَاج (5).
(1)"صحيح مسلم" كتاب الحج (1280).
(2)
"صحيح البخاري" كتاب الوضوء (139).
(3)
"سنن ابن ماجه"(391).
(4)
"التاريخ الكبير" 3/ 96 (334).
(5)
"صحيح مسلم"(2069).
وفي "صَحيح مُسْلم"(1) عنها أنها قالتْ: هذِه جبة رسُول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجَت إليَّ جُبة كسروانية وفرجاهَا (2) مَكْفُوفَان بالديبَاج، وكانت عند عَائشة حَتى قبضت قبضتها (3) ونحن نُلبسها للْمرضى يُستشفى بهَا، ومعنى المكفُوف أنه جَعَل لها كفة بِضَم الكاف، وهو ما يكف به جَوانبها ويعطف عليها، ويكون في الذَّيل، وفي الفرجين والكُمَّين، وفيه دليل على جَوَاز لبْس الجبَّة التي لها فرجَان بلا كراهة، وفي الحديث دليل على أن لبس الصُّوف مِنَ السُّنة، وهو لبَاس العرَب وسَاكني البلاد البَاردة، وهو كانَ لبس (4) الأنبياء، وفي كتب التفسير (5) أنَّ مُوسى عليه السلام كلمهُ ربهُ في جبَّة صُوف، وروى الإمَام أحمد بن حَنبل عن الصحابة أنهُ كان لبَاسنا مع رسُول الله صلى الله عليه وسلم الصُّوف (6).
قالَ ابن العَربي: ومنَ الأحَاديث الغَريبَة عن النبي صلى الله عليه وسلم المنكرة الطريق قال: كانَ على مُوسى يَوم كلمهُ الله كسَاء مِن صُوف وجُبة صُوف وكمه صُوف وسَراويل صُوف (7). والكمة بضم الكاف هي القلنسوة الصغيرة، وكانَ شعَار عيسى عليه السلام الصوف والصوفية هو شعَارُهم، وأنشَد بَعْضُهم:
ليْسَ التصَوفُ لبس الصوف ترقعهُ
…
ولا بكاؤك إن غنى المغَنُّونَا
(1)"صحيح مسلم"(2069).
(2)
في (م): فرجاتها.
(3)
في (ص، س): قبضها. وفي (د): فيها.
(4)
في (د، م): لباس.
(5)
"جامع البيان" للطبري 18/ 279.
(6)
"مسند أحمد" 4/ 419.
(7)
رواه ابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1256 هن ابن مسعود موقوفا عليه.
ولا صيَاح ولا رقص ولا طرَب
…
ولا تغاش (1) كأن قَد صرْتَ مَجنونا
بل التصوف أن تصفو بلا كدَر
…
وتتبع الحق والقرآن والدِّينَا
وأن تُرى خَاشعًا لله مُكتئبًا
…
على ذنوبك طول الدَّهر مَحزُونا (2)
(مِنْ جِبَابِ) بكسر الجِيْم (الرُّومِ) وفي الصَّحيح (3) أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس جبَّة شامية (ضَيِّقَةُ الكُمَّينِ فَضَاقَتْ) وفيه دَليل على أن ضيق الكُم سُنة كما سَلفَ، وأن فيه سَلامة من السَّرف كما في تقصيره، وروى أحمد أن عُتبة بن فرقد (4) جاء إلئ عُمرَ وعليه قَميص طَويل الكم، فَدَعا بشَفرة ليقطعهُ مِن أطراف أصَابعه، فقال له عتبة: يا أمير المؤمنين، إني أستحيي أن تقطع كمي أنا أقطعهُ، قال: فتركه (5). واشترى علي قَميصًا، ثم قطع مِن كميه ما فضل عن يده (6).
(فَادَّرَعَهُما ادِّرَاعًا) بتشديد الدال المُهملة فيهما، ويجوز إعجامها كما سَيَأتي؛ أي: نزع ذرَاعيه منَ الكمَّين، وأخرجهُما من تحت الجبة ووزنه:
(1) في (س، م): نعاس.
(2)
الأبيات من بحر البسيط التام، وهي لأبي الحسن علي بن الحسن بن الطوبي. انظر "فريدة الفصر وجريدة العصر" لعماد الدين الكاتب الأصبهاني 2/ 817.
(3)
"صحيح مسلم"(274).
(4)
زاد في (ص): قد.
(5)
"الزهد" للإمام أحمد (657).
(6)
رواه أحمد في "الزهد" 1/ 109 (708)، و"فضائل الصحابة" 1/ 544 (911).
افتعَلَ من درع إذا مد ذراعيه، وأصله اذترع اذتراعًا فلما أرادوا أن يدغموا ليخف النطق قلبُوا التاء إلى ما يقاربها من الحروف فهو الدال المهملة؛ لأنهما من مخرج واحِد، فصَارت الكلمة اذدرع بذال معجمة، ودَال مُهملة ولهم فيه مذهبَان: أحَدهما، وهو الأكثر: أن تقلب الذال المُعجمة دالًا مُهملة، وتدغم فيها (1) فتصير دالًا مُشدَّدة مُهملة.
والثاني: وهو الأقل أن تقلب الدال المُهملة ذالًا مُعجمة وتدغم، فتصير ذالًا مُشدَّدة مُعجمة، وهذا العَملُ مُطرد في مثاله نحو ادكر وادخر.
(ثُمَّ أَهْوَيْتُ) أي: مَدَدت يَديَّ.
قال الأصمعي: أهويت بالشيء إذا أومَأت به (2)، وقال غيره: أهوَيت قصَدت الهوي من القيَام إلى القُعود، وقيل: الإهوَاء: الإِمَالة (3).
(إِلَى الخُفَّيْنِ لأَنْزِعَهُمَا) قال ابن بَطال (4): فيه خدمة العَالم، وأن للخادم أن يَقصد إلى ما يَعرف من عَادة مخدومه قبل أن يأمر، وفيه الفَهم عن الإشارة.
وقال: رواية الخَطيب: (فَقَالَ لِي: دَعِ الخُفَّينِ) فيه ردُّ الجواب عما يفهم عن الإشارة، فإن دَع جَوَاب لإشارة (5) الإهواء (فَإِنِّي أَدْخَلْتُ القَدَمَينِ) في (الْخُفَّيْنِ وَهُما طَاهِرَتَانِ) فيه تأنيث القدم. وللحميدي في "مُسنده": قلتُ: يا رسول الله، أيمسح أحدنا على خُفيه؟ قال: "نعَم،
(1) سقط من (م).
(2)
"الصحاح"(هوى).
(3)
"صحيح ابن خزيمة"(193).
(4)
"شرح صحيح البخاري" 1/ 312.
(5)
في (ص، س): الإشارة.
إذا أدخلهما وهما طَاهرتان" (1). ولابن خزيمة من حَديث صَفوان بن عسال: أمرنا رسُول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسحَ على الخُفيَّن إذا أدخَلناهُما على طُهر ثلاثًا إذا سَافرنا، وَيومًا وليلة إذا أقمنَا.
قال ابن خزيمة: حَدثت به المزني (2) فقال: حدث به أصحَابنَا، فإنهُ أقوى حجة للشافعي (3). وأشار المزني بما (4) قال إلى الخلاف في المسألة، ومحصله أن الشافِعي (5) والجمهور حملوا الطهَارَة على الشرعية في الوضوء، وخالفهم داود فقال: إذا لم يَكن على رجليه نجاسَة عند اللبس جَاز المَسْح، ولو تيمم ثم لَبِسَهُما لم يبح لهُ عندهُم؛ لأن التيمم عندهم مُبيح لا رافع وخالفهم أصبَغ (6)، ولو غَسل رجليه بنيَّة الوضوء ثم لبسَهُما، ثم أكمل بَاقي أعضاء الوضوء (7) لم يبح له المسح عند الشافعي (8)، ومن وافقهُ على إيجَاب الترتيب.
(فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا)(9) والمسح على الخُفين خاص بالوضوء لا مدخل للغسْل فيه بالإجماع.
قال عيسى بن يُونس: (قَالَ أَبِي: قَالَ الشَّعْبِيُّ (10): شَهِدَ لِي عُرْوَةُ) بن
(1)"مسند الحميدي"(776).
(2)
في (د، ل، م): للمزني.
(3)
"صحيح ابن خزيمة"(193).
(4)
في (ص، س): لما.
(5)
"الأم" 2/ 71 - 72.
(6)
انظر: "النوادر والزيادات" 1/ 97، "البيان والتحصيل" 1/ 173.
(7)
من (د، م).
(8)
"الأم" 2/ 71 - 72، وانظر:"الإقناع" للماوردي ص 22.
(9)
أخرجه مسلم (274/ 80) مختصرًا، وبنحوه أحمد 4/ 251، والنسائي 1/ 63، من طريق الشعبي.
(10)
في (ص): للشعبي.
المغيرة (عَلَى أَبِيهِ المغيرة وَشَهِدَ أَبُوهُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم) أنهُ قاله.
[152]
(حدثنا هدبة بن خالد) القيسي أبو خالد الحافظ شيخ الشيخين قال: (ثَنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ) البَصري (وَعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أبي أَوْفَى) أيضًا (أَنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رضي الله عنه قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم) حينَ عدَلَ عن الطَّريق ليَتَبَرز (فَذَكَرَ هذِه القِصَّةَ) المتقدمة.
و(قَالَ: ) وسرنا (فَأَتَينا النَّاسَ) يُصلون (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُصَلِّي بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمّا رَأى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيهِ) ولم يتكلم؛ لأنه كان أحرم بالصلاة وفيه أن الإشارة في الصلاة لا تضر، وإن كانتْ مُفهمة (أَنْ يَمْضِيَ) في صَلاته ولا يتأخر؛ لأنهُ كان قد ركع بالقوم ركعة فترك النبي صلى الله عليه وسلم التقدم لئلا يختل ترتيب صَلاة القَوم بخلاف قصة أبي بكر، فإنهُ كانَ قَبل أن يَركعَ.
(قَالَ: فَصَلَّيتُ أَنا وَالنَّبِيُّ) بالرفع عطفًا على "أنا"(صلى الله عليه وسلم خَلْفَهُ رَكعَةً) أولى، وفيه جَواز صَلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف بعض أمته (فَلَمّا سَلَّمَ) عَبد الرحمن (قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) وقمت (1) معهُ (وصَلَّى الرَّكْعَةَ التِي سُبِقَ بِهَا) رواية مُسلم: قامَ النبي صلى الله عليه وسلم وقمت معهُ (2) فركعنا الركعة التي سبقتنا وفيه أن من سبقه الإمام ببعض الصَّلاة يأتي بما أدرك، فإذا سَلم الإمَام أتى بما بقي عليه، ولا يسقط ذلك عنهُ (3) بخلاف قراءة الفاتحة، فإنها تسقط عن المسبوق إذا أدرك الإمام رَاكعًا.
(وَلَمْ يَزِدْ عَلَيها شَيئًا) أي: لم يسجُد سجدتي (4) السَّهْو.
(1) في (ص، س): وقمن.
(2)
سقط من (ل، م).
(3)
سقط من (م).
(4)
في (ص، س، ل، م): سجدتا.
([قال أبو داود: ] (1) أَبُو سَعِيدٍ) سَعْد بن مَالك بن سَنان (الْخُدْرِيُّ و) عَبد الله (ابْنُ الزُّبَيْرِ و) عَبد الله (ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهم يَقُولُونَ: مَنْ أَدْرَكَ الفَرْدَ) يعني: الوتر (مِنَ الصَّلَاةِ) فإنَّ (عَلَيْهِ سَجْدَتا السَّهْوِ)(2) وكذا قال عَطَاء (3)، وطاوس، ومجَاهِد (4)، وإسحاق (5) أن كل من أدرك وترًا من صَلاة إمَامه فعليه أن يسجُد للسهو؛ لأنه يجلس للتشهد مع الإمَام في غير موضع التشهد، وقال أكثر أهل العلم: ليس على المسبوق ببعض الصَّلاة سُجود سهو؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وما فاتكم فأتموا"، وفي رواية:"فاقضوا"، ولم يأمر بسجود سهو مع ذَلك، وقد جَلَس النبي صلى الله عليه وسلم خلف عَبد الرحمن بن عوف في غير موضع التشهد وجلس معه المغيرة، ولم يسجد للسهو ولا أمر به المغيرة؛ ولأن السجُود يشرع للسَّهو ولا سَهو ها هُنا (6)؛ ولأن متَابعة الإمام واجبة فلم يَسجُد لفعلها كسَائر الوَاجبَات.
[153]
(ثَنا عُبَيْدُ الله) بالتصغير (بْنُ مُعَاذٍ) قال (ثَنا أَبِي)(7) معَاذ بن معَاذ التميمي الحَافظ العنبري قاضي البَصرة، قال (ثَنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
(1) من (د، م).
(2)
ورواه أيضا عن الثلاثة عبد الرزاق 2/ 210 (3099، 3100، 3101، وابن أبي شيبة 3/ 470 (4598).
(3)
رواه عبد الرزاق عنه 2/ 210 (3098).
(4)
"الأوسط" لابن المنذر 3/ 499.
(5)
"مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج"(247).
(6)
في (ص، س، ل): هنا.
(7)
كتب فوقها في (د): ع.
بَكْرِ (1) ابن حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ) بن أبي وقاص القرشي الزهري قيل: اسْمه كنيته، وقيل: اسمه [عَبد الله](2) بن حَفص (3) كان من أهل العلم والثقة، قال ابن عَبد البر: أجمعوا على ذلك (4).
(سَمِعَ أَبا عَبْدِ الله)[سلمان الأغر، مولى جهينة (5)، أصله من أصبهان، ذكر أحمد بن حنبل، عن حجاج بن محمد بن شعبة](6)[كان الأغر قارئًا من أهل المدينة، وكان رضيا وكان لقي أبا هريرة، وأبا سَعيد (7)](8)(عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هذا الإسناد (9) مقلوب كما سَيأتي (أَنَّهُ شَهِدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رضي الله عنه يَسْأَلُ بِلَالًا عَنْ وضُوءِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: كَانَ يَخْرُجُ) إلى البرَاز (يَقْضِي حَاجَتَهُ فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَوَضَّأُ) به (وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ) ظاهرهُ الاقتصار في المسْح عليها، وفيه ما تقدم
(1) زاد في (م): يعني.
(2)
في (ص، س، ل، م): عبيد الله.
(3)
في (م): جعفر.
(4)
"تهذيب التهذيب"(3700).
(5)
الصواب: أنه أبو عبد الله مولى بني تيم بن مرة، فهو الذي يروي عن أبي عبد الرحمن السلمي، وقد جاء مصرحا به في "المستدرك" للحاكم 1/ 170، وعند البيهقي في "الكبرى" 1/ 288، وأما قوله أنه سليمان الأغر فليس بصواب فإنه يروي عنه: أبو بكر بن حفص، لكن سلمان لا يروي عن أبي عبد الرحمن. قال المزي في "تهذيب الكمال" (7478): أبو عبد الله مولى بني تيم بن مرة، روى عن: أبي عبد الرحمن، عن بلال في المسح على العمامة والموقين.
(6)
من (م).
(7)
"الجرح والتعديل" 1/ 144 (38)، "تهذيب الكمال" 11/ 257 (2439).
(8)
سقطت من (د).
(9)
في (د، م): إسناد.
(وَمُوقَيْهِ)(1). بإسكان الوَاو، والموق الخُف فارسي مُعَرب.
قال الجوهري: الموق الذي يُلبَس فوق الخُف (2). وفي حَديث عُمر لما قدمَ الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع مُوقيه وخاض الماء.
(قَالَ أَبُو دَاودَ) الذي روى عنه أبو بكر حَفص بن عمر (هُوَ أَبُو عَبْدِ الله مَوْلَى بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ) قال ابن عَبد البر: أبو عَبد الله غير مسمى ولا منسُوب. قال ابن عبد البر: هذا إسنَاد مقلُوب مُضطَرب مَرة يقولون: عن أبي عَبد الله، عن أبي عَبد الرحمن، ومرة يقولون: عن أبي عَبد الرحمن، عن أبي عَبد الله، قال: وكلاهما مجهُول لا يعرف. قال: والعَجب أنهُ من حَديث شعبة، وهو إمَام عن أبي بكر بن حفص وهو ثقة (3). انتهى وسكت عنه أبو داود، وقال المنذري: عن أبي عبد الرحمن أنه شهد عبد الرحمن بن عَوف (4).
[154]
(ثَنا عَلِيُّ بْنُ الحُسَينِ) بن مَطر (الدِّرْهَمِيُّ) بكسْر الدَّال البَصري روى عنه النسَائي وابن خزَيمة، وثقه النسَائي مَات سنة 253 (5)، قال:(ثَنَا) عَبد الله (ابْنُ دَاودَ) بن عامر أخرج له البخاري (عن بكير (6) بن عامر) البجلي (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بفتح الهاء وكسر الراء (بن عَمْرِو بْنِ
(1) أخرجه أحمد 6/ 13، والحاكم في "المستدرك" 1/ 170 كلاهما من طريق عبيد الله بن معاذ. قال الحاكم: هذا حديث صحيح. وكذا قال الألباني رحمه الله، راجع "صحيح أبي داود"(142).
(2)
"الصحاح"(موق).
(3)
انظر: "شرح ابن ماجه" لمغلطاي 1/ 673.
(4)
"مختصر سنن أبي داود" 1/ 115.
(5)
في (م): 153.
(6)
كتب فوقها في (د): د.
جَرِيرٍ) بفتح الجيم.
قال ابن عَبد البَر: سَمِعَ جده جرير بن عَبد الله البجلي، وأبا هُريرة (أن) جده (جَرِيرًا) رضي الله عنه، وروى البيهقي في "سُننه" عَن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه قال: ما سَمعت في المسْح على الخفين أحسَن من حديث جَرِيرٍ رضي الله عنه (1)(بَالَ (2) ثُمَّ تَوَضَّأَ) يعَني: مِن مَطهرَة كما في رواية (فَمَسَحَ عَلَى الخُفَّينِ) ذَهَبَ الشعبي، والحكم (3)، وحماد، وإسحاق (4) إلى (5) أن المَسْح على الخُفين أفضَل من غسل القدمين [وهو أصح الروايتين عن أحمد (6)؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحَابه إنما طلبُوا](7) الأفضَل، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحُب أن تؤتى رُخصُه"(8)؛ ولأن فيه مخالفة أهل البدَع، واختارهُ ابن المنذر (9)، زَاد مُسْلم فقيل له: تفعَل هذا؟ (10).
(قَالَ: ما يَمْنَعُنِي [أن أمسح] (11) وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ) على خُفيه، فيه ذكر الدليل لمن سَأله أو لمن أنكر عليه ليكون أبلغ وأقوى.
(قَالُوا: إِنَّما كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ) سورة (الْمَائِدَةِ. قَالَ: ما أَسْلَمْت إلَّا بَعْدَ نُزُولِ) سورة (الْمَائِدَةِ) ومعناهُ أن الله تعالى قال في سُورة المائدة:
(1)"السنن الكبرى" 1/ 273، 274.
(2)
كتب فوقها في (د): د.
(3)
في (ص، د، س، ل): الحاكم.
(4)
انظر: "الأوسط" 2/ 91 بتحقيقنا.
(5)
سقطت من (م).
(6)
"المغني" 1/ 360.
(7)
غير واضحة في (م).
(8)
أخرجه أحمد 2/ 108، والبزار (5998)، وابن حبان (3586) من حديث ابن عمر، ولفظ أحمد:"كما يكره أن تؤتى معصيته".
(9)
"الأوسط" 2/ 90.
(10)
"صحيح مسلم" 72/ 272.
(11)
من (د، م).
{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} (1) فلو كانَ إسْلام جَرير مُتقدمًا على نزول المائدة؛ لاحتمل كون حَديثه في مَسْح الخُف منسوخًا بآية المائدَة، فلما كانَ إسْلامه متأخرًا عَلِمنا أن حَديثه يعمل به، وهو مُبين أن المراد بآية المائدة غير صَاحب الخف، فتكُون السُّنة مخصصة للآية. قال ابن عَبد البر (2): كان إسلام جَرير في آخِر سَنة عَشر، وقيل: في أول سَنة عَشر. وقيل: في أول سَنة إحدى عشرة. وفيها مَات رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تأوَّل جَمَاعة من الفُقهاء قول الله عز وجل:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} (3) أنه أراد إذا كانَا (4) في الخفين.
[155]
(حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ وَأَحْمَدُ) بن عَبد الله (بْنُ أَبِي شُعَيبٍ) مُسلم (الْحَرَّانِي) مَولى عُمر بن عَبد العَزيز الأموي أخرج لهُ (5) البخاري في تفسير سُورة براءة حَديثًا واحِدًا (قَالَا: ثَنا وَكيعٌ، قال: ثَنا دَلْهَمُ) بفتح الدال والهَاء (بْنُ صُبح)(6) بِضَم الصَّاد، وسُكون البَاء الموَحَّدة كذا في كتَاب أبي علي التستري، والصواب: دَلهم بن صَالح، وهكذا رَوَاهُ الإمَام أحمد في "مُسنَده" عن وكيع؛ عن دَلهم بن صَالح (7) مجردًا، وكذا ذكرهُ الذهَبي (8) وغيره (عن حُجَيرِ) بِضَم الحَاء المهملة (9) وفتح
(1) المائدة: 6.
(2)
"الاستذكار" 2/ 239.
(3)
المائدة: 6.
(4)
في النسخ الخطية: كان.
(5)
سقطت من (م).
(6)
في (م): صالح.
(7)
"مسند أحمد بن حنبل" 38/ 83 (22981).
(8)
"الكاشف"(1478)، "المغني في الضعفاء"(2051)، "ميزان الاعتدال"(2905).
(9)
من (د، م).
الجيم، وبعد ياء التصغير راء (بْنِ عَبْدِ الله) صَدُوق (عَنِ) عَبد الله (1)(ابْنِ بُرَيْدَةَ) قاضِي مرو (عَنْ أَبِيهِ) بُريَدَة بن الحصيب الأسلمي شَهد خيبر رضي الله عنه (أن) أصحمة بمهملات (النَّجَاشِيَّ) مَلك الحَبَشة (أَهْدى إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذِجَينِ) بكسْر الذال المعجمة وفتحها.
قال أبو المعَالي في "المنتهى": شيء سَاذج أي: عُطل غفل، غير محلى ولا منقوش وهو فارسي مُعرب. قال ابن سَيد الناس في "عُيون الأثَر": كانَ (2) له أربعة أزوَاج خفاف أصَابها من خيبر (3).
(فَلَبِسَهُما ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا)(4) أي: بَعْدَ كمال وضوئه فلو غسَل إحدى رجليه وادخلها في الخُف ثم غسَل الأخرى وأدخلها في الخف لم يصح المسح عليهما عندنا ولا عند مَالك في المشهور.
(قَالَ مُسَدَّدٌ: عَنْ دَلْهَمِ بْنِ صَالِحٍ وهذا مِمّا انفَرَدَ بِهِ أَهْلُ البَصْرَةِ) وأما غيرهم فمسدد عن وكيع كما تقدم.
[156]
(ثَنا أَحْمَدُ (5) بْنُ) عَبد الله بن (يُونُسَ) اليربُوعي الحَافظ، قال:(ثَنَا) صَالح بْنُ صَالِحٍ (6) بن مسلم (ابْنُ حَيِّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَامِرٍ البَجَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (7) بْنِ أَبِي نُعْمٍ) بضَم النون وإسْكان العَين البجلي الزاهد
(1) كتب فوقها في (د): ع.
(2)
في (د، س، ل، م): كانت.
(3)
"عيون الأثر" 2/ 407.
(4)
رواه الترمذي (2820) وحسنه، وابن ماجه (549)، وأحمد 5/ 352، من طريق وكيع به، وقال الألباني في "صحيح أبي داود" 1/ 266: حديث حسن.
(5)
كتب فوقها في (د): ع.
(6)
الصواب: الحسن بن صالح بن صالح.
(7)
كتب فوقها في (د): ع.
(عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَسَحَ عَلَى الخُفَّينِ) وكل ما يُسمى خفًّا فلا يجوز المَسْح على اللفائف والخرق، فإذا [لف أصحاب](1) الخيل لفائف إلى نصف الساق فلا يَجُوز المَسْح عليها؛ لأنها لا تُسمى خفًّا ولا تثبت بنفسها إلا بشدها، ولا خلاف في هذا.
(فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أنَسِيتَ) فيه تنبيه العَالم وتذكيره إذا عمل ما يخالف العَادة ويظن نسيَانه.
(قَالَ: بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ) ليس فيه الإخبَار عن نسيَانه، بَل فيه دَليل على جَواز مثل هذا القول على سبيل المقَابلة بغَير (2) نسبه إلى النسيَان فَنسَبه إليه، فيجوز لمن نسبَ إلى شيء أن ينسبه إليه، حَتَّى قالوا: مَن شتمك فرد عليه مثل قوله ولا تتعدَّ (3) إلى أبويه أو ابنه أو قَريبه، لكن لا تكذب عليه، وإن كذب عَلَيك (4) فلو قال لك مثلًا: يا زاني، فقصاصك أن تقول له: يا كذاب، يا شاهد زور، أو أثمت في كذبك عَليَّ (بهذا أَمَرَنِي رَبِّي)(5) عز وجل قد يستَدل به على وجوب المَسْح على الخُفين إن كان لابسًا لهما على طهر أو على غسْل القَدَمَين إن لم يكن لابسًا لهما.
* * *
(1) في (ص، ل): لو أصحاف.
(2)
في (د): حين. وفي (م): حتى.
(3)
في الأصول الخطية: تتعدى.
(4)
في (د): عليها، وفي (ل): عليه.
(5)
سبق تخريجه.