الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بخبرك من منزل إلى منزل، فلما وصلت إليه لبسها، واشتد سروره بها، فأسرع فيه السم، وسقط جله، فلذلك سمي (ذا القروح) وعلم أن الطماح هو سبب ذلك، فقال سينيته التي منها:
لقد طمح الطماح من بعد أرضه
…
ليلبسني من دائه ما تلبسا
ومنها قوله:
وبدلت قرحًا داميًا بعد صحةٍ
…
لعل منايانا تحولن أبؤسا
فلما وصل إلى بلاد الروم يقال لها أنقرة، واحتضر بها، قال: رب طعنةٍ مثعنجرة، وخطبةٍ مسحنفرة تبقى غدًا بأنقرة، ويروى في هذه الكلمات غير ذلك، وقال ابن الكلبي، هذا آخر شيء تكلم به، ثم مات.
قيل: رأى قبر امرأة ماتت هناك، وهي غريبة، فدفنت في سفح جبل يقال له: عسيب، فسأل عنها، فأخبر بقصتها فقال:
أجارتنا إن المزار قريب
…
وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان ههنا
…
وكل غريبٍ للغريب نسيب
ثم مات، ودفن إلى جنب المرأة، فقبره هناك، كذا قال أبو الفرج الأصبهاني، وهو غلط محض، لأن عسبًا جبل بعالية نجد، وأنقرة في بلاد الروم، ولا يدل ضربه المثل بإقامة عسيب على أنه دفن به، أهـ من الديوان بحروفه.
شيء من سيرته:
روي أن امرأ القيس آلى ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنتين، فجعل يخطب النساء، فإذا سألهم عن هذا قلن: أربعة عشر، فبينا هو يسير في جوف الليل إذ هو برجل يحمل ابنة له صغيرة كأنها البدر تمامه،
فأعجبته، فقال لها: يا جارية ما ثمانية وأربعة واثنتان؟ فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة، وأما أربعة فأخلاف الناقة، وأما اثنتان فثديا المرأة؟ فخطبها إلى أبيها فزوجه إياها، وشرطت عليه أن تسأله ليلة بنائه بها عن ثلاث خصال، فجعل لها ذلك على أن يسوق لها من المهر مائة من الإبل، وعشرة أعبد، وعشر وصائف، وثلاثة أفراس، ففعل ذلك، ثم إنه بعث عبدًا له إلى المرأة، وأهدى إليها نحيًا من سمن ونحيًا من عسل، وحلة من عصب (ضرب من البرود) فنزل العبد ببعض المياه، فنشر الحلة ولبسها فتعلقت بعشرة فانشقت، وفتح النحيين فأطعم أهل الماء منهما، فنقصا، ثم قدم على حي المرأة وهو غياب، فسألها عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع إليها هديتها.
فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدًا ويبعد قريبًا، وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخي يراعي الشمس، وأن سماءكم انشقت، وأن وعائيكما نضبا، فقدم الغلام على مولاه، فأخبره فقال: أما قولها: إن أبي ذهب يقرب بعيدًا، ويبعد قريبًا، فإن أباها ذهب يحالف قومًا على قومه، وأما قولها: ذهبت أمي تشق النفس نفسين، فإن أمها ذهبت تقبل امرأة نفساء، وأما قولها: إن أخي يراعي الشمس، فإن أخاها في سرح له، وفهم الأخريين، فسأل العبد فاعترف بما كان منه.
وكان أمرؤ القيس مفركًا لا تحبه النساء، ولا تكاد امرأة تصبر معه، فتزوج امرأة من طيء تسمى أم جندب، فابتنى بها، فأبغضته من ليلتها، وكرهت مكانها معه، فجعلت تقول: يا خير الفتيان أصبحت، فيرفع رأسه، فينظر فإذا الليل كما هو، فتقول: أصبح ليل، فلما أصبح قال لها: قد علمت ما صنعت الليلة، وقد علمت أن ما صنعت من كراهية مكاني في نفسك، فما الذي كرهت مني؟ فقالت: ما كرهتك، فلم يزل حتى قالت: كرهتك لأنك ثقيل الصدر خفيف العجز، بطيء الإفاقة سريع الإراقة، وذهب قولها (أصبح ليل) مثلًا يضرب في
الليلة الشديدة التي يطول فيها الشر، وروي أنه لما جاور في طيء نزل به علقمة بن عبدة التميمي، فتذاكر الشعر، فقال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أشعر منك، فقال له علقمة: قل شعرًا تمدح فيه فرسك والصيد، وأقول مثلهن وهذه الحكم بيني وبينك، فقال أمرؤ القيس قصيدته التي مطلعها:
خليلي مرا بي على أم جندب
…
لتقضى لبانات الفؤاد المعذب
حتى مر بقوله:
فللساق ألهوب، وللسوط درة
…
وللزجر منه وقع أهوج منعب
وأنشد علقمة:
ذهبت من الهجران في غير مذهب
…
ولم يك حقًا كل هذا التجنب
حتى انتهى إلى قوله:
فأدركهن ثانيًا من عنانه
…
يمر كغيثٍ رائحٍ متحلب
فقالت له: علقمة أشعر منك، فقال: وكيف" قالت: لأنك زجرت فرسك، وحركته بساقك، وضربته بسوطك، وإنه أردك الصيد ثانيًا من عنان فرسك، فغضب أمرؤ القيس، وقال: ليس كما قلت، ولكنك هويته، فطلقها، فتزوجها علقمة، وبهذا لقب علقمة الفحل، أهـ من الديون بحروفه.
تنيه: بحر معلقة امرئ القيس هو البحر الطويل.
تنبيه: معنى المعلقة: كان العرب في الجاهلية يقول الواحد منهم الشعر في أقصى الأرض، فلا يؤبه له، ولا ينشده أحد حتى يأتي مكة المكرمة في موسم الحج، فيعرضه على أندية قريش، فإن استحسنوه روي، وافتخر به قائله وعلق على ركن من أركان الكعبة حتى يراه الناس، وإن لم يستحسنوه