الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ. فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ". فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا.
قوله: "دفع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عرفة"، أي: أفاض من الوقوف فيها، فالمضاف محذوف، وعرفة هو الموضع الذي يقف فيه الحاج.
وقوله: "حتى إذا كان بالشِّعب" بكسر الشين المعجمة، وهو الطريق في الجبل، والسلام فيه للعهد، وكان يسمى بالشعب الذي يصلّي فيه الخلفاء والأمراء المغرب قبل دخول وقت العشاء، والمراد بالخلفاء والأمراء بنو أمية، فلم يوافقهم ابن عمر، لأنه خلاف السُنّة. وكان عكرمة كما للفاكهيّ يقول: اتخذه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مبالًا واتخذتموهُ مصلى.
وقوله: "ولم يسبغ الوضوء" أي: خففه بأن توضأ مرة مرة، وخفف استعمال الماء بالنسبة لغالب عادته.
وأغرب ابن عبد البر حيث قال: إن المراد بالوضوء هنا الاستنجاء، وأطلق عليه اسم الوضوء اللغوي؛ لأنه من الوضاءة، أي: النظافة.
ويدل على بعد ما قاله قول أسامة في الرواية الآتية في باب الرجل يوضِّىء
صاحبه: "إنه صلى الله تعالى عليه وسلم عَدَل إلى الشِّعب، فقضى حاجته، فجعلت أصبُّ الماء عليه ويتوضأ"، إذ لا يجوز أن يصب عليه أسامة إلَاّ وضوء الصلاة، لأنه كان لا يقرب منه أحد، وهو على حاجته.
واستدل ابن عبد البر لما قال بأنه توضأ بعد ذلك، والوضوء لا يُشرع لصلاة واحدة مرتين، وما قاله ليس بلازم، لاحتمال أنه توضأ ثانيًا من حدث طارىء، وليس الشرط بأنه لا يُشرع تجديد الوضوء إلا لمن أذّى به صلاة فرضًا أو نفلًا متَّفَق عليه، بل ذهب جماعة إلى جوازه، وإن كان الأصح خلافه.
ويرد قوله أيضًا قوله في الرواية الأخرى: "فتوضأ وضوءً خفيفًا"، لأنه لا يُقال في الناقص خفيف، وإنما توضأ أولًا ليستديم الطهارة، ولاسيما في تلك الحالة لكثرة الاحتياج إلى ذكر الله حينئذٍ، وخفف الوضوء لقلة الماء حينئذٍ.
وفي "زوائد المسند" بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب أن ذلك الماء كان من زمزم. وقال الخطابي: إنما ترك إسباغه حين نزل الشِّعب ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، وتجوز فيه؛ لأنه لم يرد أن يصلي به، فلما أرادها ونزل أسبغه.
وقوله: "فقلتُ الصلاةَ" أي: بالنصب على الإغراء، أو بتقدير أتريد أو أتصلي الصلاة، ويجوز الرفع على تقدير أحانت الصلاة.
وقوله: "الصلاةُ أمامك" مبتدأ، وأمامك بالنصب على الظرفية خبر. أي: الصلاة ستصلى بين يديك، أو أطلق الصلاة على مكانها، أي: المصلى بين يديك، أو معنى أمامك لا تفوتك وستدركها.
وفيه تذكير التابع بما تركه متبوعه ليفعله، أو يعتذر عنه، أو يبين له وجه صوابه.
واستدل ابن بطّال بقول أسامة الصلاة على بطلان ما مرَّ عن ابن عبد البر، قال: فإنه يدل على أنه رآه يتوضأ وضوء الصلاة، ولذلك قال له: أتُصلي؟ وفيما
قاله نظر، لأنه لا مانع أن يقول له ذلك لاحتمال أن يكون مراده: أتريد الصلاة، فلم لم تتوضأ وضوءها؟ وجوابه بأن "الصلاة أمامك" معناه أن المغرب لا تُصلّى هنا، فلا يحتاج إلى وضوء الصلاة. وكانَّ أسامة ظن أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نسي صلاة المغرب، ورأى وقتها قد كاد أن يخرج أو خرج، فأعلمه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنها في تلك الليلة يُشرع تأخيرها لتجمع مع العشاء بالمُزْدَلِفَة، ولم يكن أسامة يعرف تلك السُنّة قبل ذلك.
وقوله: "فلما جاءَ المزْدَلِفَة نزل فتوضأ" أي: بماء زمزم أيضًا، والمزدلفة تسمى جَمْعًا -بفتح الجيم وسكون الميم- وسُمِّيت جمعًا لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها، أي: دنا منها. وروي عن قتادة أنها سميت جَمْعًا لأنها يُجمع فيها بين الصلاتين. وقيل: وصفت بفعل أهلها، لأنهم يجتمعون فيها ويزدَلِفون إلى الله، أي: يتقربون إليه بالوقوف فيها.
وسميت المُزدَلِفة إما لاجتماع الناس فيها، أو لاقترابهم إلى مِنى، أو لازدلاف الناس منها جميعًا، أو للنزول بها في كل زُلْفةٍ من الليل، أو لأنها منزلة وقربة إلى الله، أو لازدلاف آدم إلى حواء بها.
وقوله: "فأسبغَ الوضوء" أي: لإرادته الصلاة به، بخلاف الأول كما مرّ. قيل: فيه دليل على مشروعية إعادة الوضوء من غير أن يُفصل بينهما بصلاة، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون أحدث كما مر.
وقوله: "ثم أُقيمتِ العشاءُ، فصلّى، ولم يُصَلِّ بينهما" وفي رواية ابن عمر في الحج: "ولم يسبِّح بينهما، ولا على أثر كلِّ واحدة منهما" أي: عقبها، ويستفاد من هذه الرواية أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء، فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها، لكنه تنفل عقب ذلك في أثناء الليل.
ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سنة العشاءين عنهما. ونقل ابن المنذر الإجماع