الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث التاسع والستون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ. قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: "يَا مُعَاذُ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا. قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَاّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا". وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.
قوله "ومعاذ رديفه على الرحل" أي: راكب خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والجملة حالية، والرَّحْل، بإسكان الحاء المهملة، وأكثر ما يستعمل للبعير، وهو أصغر من القَتَب، لكن يأتي للمصنف في الجهاد أن معاذًا كان في تلك الحالة رديفه عليه الصلاة والسلام على حمار. وقوله "قال يا معاذ بن جبل" هو خبر أنَّ المتقدمة، وابن جبل بفتح النون، وأما معاذُ فبالضم؛ لأنه منادى مفرد علم وهذا اختيار ابن مالك، لعدم احتياجه إلى تقدير، واختار ابن الحاجب النصب على أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب، كأنه أضيف، والمنادى المضاف منصوب فقط. وقال ابن التين: يجوز النصب على أن قوله "معاذ" زائد، فالتقدير: يا ابن جبل، وهو يرجع إلى كلام ابن الحاجب بتأويل.
وقوله "قال لبيك يا رسول الله، وسعديك" اللَّب بفتح اللام، معناه هنا الإجابة، والسعد المساعدة، كأنه قال: لبًا لَك وإسعادًا لك، وهو لفظ مثنى عند سيبويه ومن تبعه، وعند يونس مفرد، وألفه إنما انقلبت ياءً لاتصالها
بالضمير، ك "لدى" وعلى، ورُدَّ بأنها قلبت ياء مع المظهر في قول الشاعر:
فلبَّىْ ولَبَّيْ يدَي مسوَر
وعن الفراء هو منصوب على المصدر، وأصله لبالك فثنى على التأكيد، أي إلبابًا بعد إلبابٍ، وهذه التثنية ليست حقيقة، بل هي للتكثير والمبالغة، ومعناه إجابة لك بعد إجابة، أو إجابة لازمة. قال ابن الأنباريّ: ومثله حنانيك أي تحنّنًا بعد تحنُّنٍ، وقيل: معنى لبيك: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تَلُبُّ دارك، أي تواجهها. وقيل: معناه محبتي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبَّة، أي محبة، وقيل: إخلاصي لك، من قولهم: حُبُّ لباب، أي: خالص. وقيل: أنا مقيم على طاعتك، من قولهم "لبَّ الرجل بالمكان" إذا أقام. وقيل: قربى لك، من الإلباب وهو القرب، وقيل: خاضعًا لك.
والأول أظهر وأشهر، لقول المحرم لهذا اللفظ حال إحرامه، وهو مستجيب لدعاء الله إياه في حج بيته، ولهذا من دعا فقال: لبيك، فقد استجاب، وقال ابن عبد البَرّ: قال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج.
وقوله "ثلاثًا" أي: النداء والإجابة قيلا ثلاثًا. وصرح بذلك في رواية مسلم، ويؤيده الحديث السابق في باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه. وقوله "صدقًا من قلبه" الجار والمجرور يمكن أن يتعلق بقوله صدقًا أو بقوله "يشهد"، فعلى الأول: الشهادةُ لفظية، أي: يشهد بلفظه، ويصدق بقلبه، وعلى الثاني: قلبية، أي: يشهد بقلبه، ويصدق بلسانه، واحترز به عن شهادة المنافقين. والأول أَوْلى وقال الطِّيبيّ: قوله "صدقًا" أُقيم هنا مقام الاستقامة؛ لأن الصدق يعبر به قولًا عن مطابقة القول المخبر عنه، ويعبر به فعلًا عن تحرّي الأخلاق المَرْضية، كقوله تعالى {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33] أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا.
وأراد بهذا التقرير رفع الإشكال عن ظاهر الخبر؛ لأنه يقتضي عدم دخول من شهد الشهادتين النار، لما فيه من التعميم والتأكيد.
وقد دلت الأدلة القطعية عند أهل السنة على أن طائفة من عصاة المؤمنين يعذبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة، فعلم أن ظاهره غير مراد، فكأنه قال: إن ذلك مقيد بمن عمل الأعمال الصالحة. قال: ولأجل خفاء ذلك لم يؤذن لمعاذ في التبشير به.
وقد أجاب العلماء عن الإشكال بأجوبة أخرى منها: أن مطلقه مقيد بمن قالها تائبًا، ثم مات على ذلك، ومنها أن ذلك كان قبل نزول الفرائض، وفيه نظر؛ لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة كما رواه مسلم، وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى، رواه أحمد بإسناد حسن. وكان قدومه في السّنة التي قدم فيها أبو هريرة. ومنها أنه خرج مخرج الغالب، إذ الغالب أن الموحِّد يعمل الطاعة، ويجتنب المعصية. ومنها أن ذلك ليس لكل من وحّد وعبد، بل يختص بمن أخلص، والإخلاص يقتضي تحقيق القلب بمعناها، ولا يتصور حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية. لامتلاء القلب بمحبة الله وخشيته، فتنبعث الجوارح إلى الطاعة، وتنكف عن المعصية، وهذا الجواب هو المراد عند الطِّيبيّ، لكن هذا يوضحه. ومنها أن المراد بتحريمه تحريم خلوده فيها لا تحريم أصل دخوله فيها، ومنها أن المراد بتحريمه على النار حرمة جملته؛ لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، كما ثبت في حديث الشفاعة، أن ذلك محرَّم عليها. وكذا لسانُه الناطق بالتوحيد. ومنها أن المراد: النار التي أُعدت للكافرين، لا الطبقة التي أُفردت لعصاة الموحدين.
وقوله "يا رسول الله، أفلا أُخبر الناس؟ " بهمزة الاستفهمام، وفاء العطف، والمعطوف محذوف تقديره: أقلت ذلك فلا أُخْبِر؟.
وقوله "فيستبشرون" بالرفع لأبي ذَرٍ أي: فهم يستبشرون، وللباقين
بحذف النون على النصب، وهو أوجه، لوقوع الفاء بعد النفي أو الاستفهام أو العرض، وهي تنصب في كل ذلك بتقدير أن بعدها، أي: فأَنْ يستبشروا.
وقوله: "إذا يتَّكلوا" بتشديد المثناة المفتوحة وكسر الكاف، وهو جواب وجزاء، أي: إنْ أخبرتهم يتكلوا. وللأصيلي والكشميهنيّ "ينْكلوا" بإسكان النون وضم الكاف، أي يمتنعوا من العمل اعتمادًا على ما يتبادر من ظاهره. وروى البزَّار بإسناد حسن عن أبي سعيد الخُدري، رضي الله تعالى عنه، في هذه القصة "أن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أذِنَ لمعْاذ في التبشير، فلقيه عمر فقال: لا تعجَلْ، ثم دخل، فقال: يا نبيّ الله أنت أفضل رأيًا، إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها، قال: فرده" وهذا معدود من موافقات عمر، وفيه جواز الاجتهاد بحضرته صلى الله تعالى عليه وسلم، واستدل بعض متكلمي الأشاعرة من قوله "يتكلوا" على أن للعبد اختيارًا، كما سبق في علم الله. وقوله "عند موته" أي موت معُاذ، وأَغرْب الكرمانيُّ فقال: يحتمل أن يرجع الضمير إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويَرُدُّه ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: أخبرني من شهد معاذًا حين حضرته الوفاة يقول: سمعت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حديثًا لم يمنعني أنْ أُحَدّثكموه إلا مخافة أن تتكلوا، فذكره تأثُّمًا، بفتح الهمزة وتشديد المثلثة المضمومة، أي خشية الوقوع في الإثم إنْ كتم ما أمر الله بتبليغه، حيث قال:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187].
وقد مر توجيه "تأثما" في حديث بدء الوحي، عند قوله "يتحنث". فإن قيل: إن كان تَأَثَّم من الكتمان، فكيف لا يتأثم من مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام في التبشير؟ فالجواب أنه عرف أن النهي عن التبشير كان على التنزيه لا على التحريم، وإلا لما كان يخبر به أصلًا، أو عرف أن