الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِى حَاجَتِكُنَّ". قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِى الْبَرَازَ.
قوله: "قد أُذِن" أي: بالبناء للمفعول، أي: أذن الله.
وقوله: "أن تخرجنَ" أي: بأن تخرجن، أي: بخروجكن.
وقوله: "قال هشام: تعني البراز" أي: تعني عائشة رضي الله تعالى عنها بالحاجة البَراز -بفتح الموحدة- كما مرَّ، وفي بعض الأصول:"يعني" النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
قال الداوودي: قوله: "قد أُذن أن نخرجن" دالٌّ على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت، فإن ذلك وجه آخر، فإنما أراد أن يستترن بالجلبابات حتى لا يبدو منهن إلا العين.
وهذا الحديث طرف من حديث جاء في التفسير مطولًا، وحاصله أن سَوْدة خرجت بعدما ضُرب الحجاب لحاجتها، وكانت عظيمة الجسم، فرآها عُمر رضي الله تعالى عنه، فقال: أما والله لا تخفَيْن علينا، فانظري كيف تخرجين، فرجعت، فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يتعشّ، فأوحى الله تعالى إليه، فقال:"إنه قد أُذن لكنَّ أن تخرُجْنَ لحاجتِكُنَّ" أي: لضرورة عدم الأخلية في البيوت، فلما اتخذت فيها الكنف منعهنَّ من الخروج إلا لضرورة شرعية.
قال عياض: فرض الحجاب ممن اختصصن به، فهو فرض عليهنَّ بلا
خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهنَّ كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وان كن مستترات إلا ما دَعَت إليه ضرورة من براز، ثم استدل بما في "الموطأ": أن حفصة لما توفي عمر ستَرَها النساء عن أن يُرى شخصها. وأن زينب بنت جحش جُعلت لها القبة فوق نعشها ليُستر شخصُها.
قال في "الفتح": ليس فيما ذكره دليل على ما ادّعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كنَّ بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يحجُجْنَ ويطُفْن، وكان الصحابة ومن بعدَهم يسمعون منهنَّ الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص، وقد جاء في الحج قول ابن جُرَيْج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: أقبل الحجاب أو بعده؟ قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب.
قلت: ما اعترض به لا اعتراض به ولا دليل له فيما ذكر، فإن قوله تعالى:{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53]، كاف للقاضي عياض في منع رؤية أشخاصهن، فقد قال كثير من المفسرين في قوله تعالى:{مَتَاعًا} أي: حاجة ما، فتوى أو عارية أو شيئًا من الموافق. وقد قالوا: إن هذه الآية دالة على أن مكالمتهن من وراء حجاب لا تجوز إلا في حادثة تعرِضُ أو مسألة يُستَفْتى بها، وإذا كان الكلام من وراء الحجاب بهذه المثابة فكيف تجوز رؤية أشخاصهنَّ، ولم يُروَ عن أحد من الصحابة والتابعين أنه روى عنهنَّ بدون حجاب، وأما طوافُهن وسعيُهنَّ فذلك لضرورة العبادة التي لا تمكن إلا به، ولم يوجد في السنة إخلاء المطاف والمسعى لأحد، إذ لا اختصاص لأحد به دون أحد في وقت من الأوقات، فلا يمكن أن يقال بإخلاء المطاف لهن حتى لا تُرى أشخاصهن.
وفي الحديث مَنْقَبة كبيرة لعمر، وهذا أحد المواضع الأحد عشر التي وافق عمر فيها نزول القرآن.
وفيه أنه يجوز للنساء التصرف فيما لهنَّ الحاجة إليه من مصالحهن.
وفيه مراجعة الأدنى للأعلى فيما يتبين له أنه الصواب، وحيث لا يقصد التَّعنُّت.