الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ". قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ قَالَ: "فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ".
قوله: "سألت" أي: عن حكم صيد الكلاب، وحُذف المسؤول عنه لدلالة الجواب عليه، وقد صرح به المصنف في كتاب الصيد.
وقوله: "كلبك المعلَّم" بفتح اللام المشددة، وهو الذي يسترسل بإرسال صاحبه، أي: يهيج بإغرائه، وينزجر بإنزجاره في إبتداء الأمر وبعد شدة العدو، ويمسك الصيد ليأخذه الصائد، ولا يأكل منه.
وهذا الحديث ساقه المصنف للاستدلال به لمذهبه في طهارة سُؤر الكلب، ومطابقته للترجمة من قوله فيها:"وسؤر الكلاب".
ووجه الدلالة من الحديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في أكل ما صاده الكلب، ولم يقيد ذلك بغَسْل موضع فمه، ولو كان واجبًا لبيّنه؛ لأنه وقت الحاجة إلى البيان، ومن ثَم قال مالك: كيف يُؤكل صيده ويكون لعابه نجسًا؟
وأجاب الإِسماعيلي عنه بأن الحديث سيق لتعريف أن قتله ذكاته، وليس في إثبات نجاسته ولا نفيها، ويدل لذلك أن لم يقل له: اغسل الدم إذا خرج من جرح نابه، لكنه وكله إلى ما تقرر عنده من وجوب غسل الدم، فلعله وكله أيضًا إلى ما تقرر عنده من غسل ما يماسُّه فمه.
قلت: ما أبعد هذا الجواب، فإذا كان العرب في الجاهلية يمكن أن يتقرر عندهم غسل الدم استقذارًا له مع استبعاده، فكيف يمكن أن يتقرر عندهم غسل موضع فم الكلب لنجاسته، وعلماء المسلمين بعد تقرر الشريعة مختلفون في نجاسته وطهارته، لم يثبت عندهم نصٌّ قاطع فيه فهذا غير معقول.
وقد قال ابن المنير عند الشافعية: إن السكين إذا سُقيت بماء نجس وذبح بها نجَّست الذبيحة، وناب الكلب عندهم نجس العين، وقد وافقونا على أن ذكاته شرعية لا تُنَجِّس المذكّى، وهذا إيراد في غاية الصعوبة. وأجيب عنه بأنه لا يلزم من الاتفاق على أن الذبيحة لا تصير نجسة بمعضِّ الكلب ثبوت الإجماع على أنها لا تفسير متنجسة، فما ألزمهم به من التناقض ليس بلازم، على أن في المسألة عندهم خِلافًا، والمشهور وجوب غسل المَعَضِّ.
قلت: هذا الجواب غير جواب عن الإيراد، فإن الذي ألزمهم من التناقض لازم لهم، فإنه لم يُلْزِمُهم ثبوتُ الإجماع على أنها لا تصير متنجّسة، وإنما ألزَمَهُم ثبوت نجاستها في مذهبهم، لأنهم لما حكم وابن جاسة الذبيحة بالسكين العارضة نجاستها فكانت نجاستها بناب الكلب النجسة العين من باب أولى، وكيف يجري عندهم الخلاف في غسل معض الكلب، ولا يجري عندهم في المذبوحة بالسكين المتنجسة.
وظاهر قوله: "ولم تُسمِّ على كلب آخر" أن التسمية لابدَّ منها، والأمر كذلك، فقد أجمعوا على مشروعيتها، إلا أنهم اختلفوا في كونها شرطًا في حلِّ الأكل. فذهب الشافعي وطائفة، وهي رواية عن مالك وأحمد أنها سنة، فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يَفْدح في حلِّ الأكل، وذهب أحمد في الراجح عنه وأبو ثور وطائفة إلى أنها واجب، لجعلها شرطًا في حديث عديٍّ هذا، ولإيقاف الإذن في الأكل عليها في حديث أبي ثعلبة الآتي في الذبائح، والمعلق بالوصف ينتفي عند انتقائه، عند من يقول بالمفهوم، والشرط أقوى من الوصف.
ويتأكد القول بالوجوب بأن الأصل تحريم الميتة، وما أُذن فيه منها تراعى
صفته، فالمسمّى عليها وافق الوصف، وغير المسمّى باق على أصل التحريم.
واحتُجَّ للوجوب أيضًا بقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]، وذهب أبو حنيفة ومالك والثوري وجماهير العلماء إلى الجواز لمن تركها ساهيًا لا عامدًا، لكن اختلف عند المالكية هل تَحْرُم وهو المذهب المعتمد عندهم، أو تكره. وعند الحنفية: تحرم. وعند الشافعية في العمد ثلاثة أوجه: أصحها يكره الأكل، وقيل: خلاف الأولى، وقيل: يأثم بالترك ولا يحرم الأكل. والمشهور عن أحمد التفرقة بين الصيد والذَّبيحة، فذهب في الذبيحة إلى هذا القول الثالث.
واحتج القائلون بالتفرقة بقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} قالوا: إن الناسي لا يسمى فاسقًا، وبما أخرجه البخاري تعليقًا، والدَّارقُطني موصولًا عن ابن عباس:"من نسيَ فلا بأس به"، وأخرجه سعيد بن منصور عن ابن عباس موقوفًا بسند صحيح فيمن ذبح ونسي التسمية، فقال:"المسلم فيه اسم الله، وإن لم يَذْكر التسمية". وذكره مالك بلاغًا عن ابن عباس، وأخرجه الدّارقطني عن ابن عبّاس مرفوعًا.
وحجة القائلين بانها سنة حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند المصنف، قلت: يا رسول الله: إن قومًا حديثو عهدٍ بجاهلية، أتونا بلحم لا ندري أَذَكَروا اسم الله عليه أم لم يذكروا؟ أنأكل منه أم لا؟ فقال:"اذكروا اسم الله عليه، وكلوا" فلو كان واجبًا لما جاز الأكل مع الشكِّ.
وأما الآية، ففُسِّر الفسق فيها بما أُهِلَّ به لغير الله، وتوجيهه أن قوله:{وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} ليس معطوفًا، لأن الجملة الأولى فعلية إنشائية، والثانية خبرية، ولا يجوز أن تكون جوابًا لمكان الواو، فتعين كونها حالية، فتفيد النهي بحال كون الذبح فسقًا، والفسق مفسر في القرآن بما أُهلَّ به لغير الله، فيكون دليلًا لهم لا عليهم، وهو نوع من القلب، وقال تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5]، وهو لا يسمّون، وقد قام الإجماع على أن من أكل متروك
التسمية ليس بفاسق، قاله القَسْطلاّني.
وما احتج به من كون الأولى طلبية، والأخيرة خبرية، لا يَسوغ عطفها عليها غير صحيح، فإن سيبويه ومن تبعه من المحققين يجيزون ذلك، ولهم شواهد كثيرة.
وما ذكره من كون الإجماع على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق غير صحيح، وكيف يصحُّ مع استدلال العلماء المتقدمين بالآية على أن ترك التسمية على الذبيحة عمدًا فسق.
ودلَّ قوله: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم" على إباحة الاصطياد بالكلاب المعلمة، واستثنى أحمد وإسحاق الكلب الأسود، وقالا: لا يحل الصيد به لأنه شيطان. ونُقل عن الحسن وإبراهيم وقتادة نحو ذلك.
وفيه جواز أكل ما أمسكه الكلب بالشروط المذكورة من التعليم، والتسمية، وعدم أكله منه، وعدم مشاركة كلب آخر له في الصيد -ويأتي ما في هذين الشرطين الأخيرين- ولو لم يُذبح، لقوله: إن أخذ الكلب ذكاة، فلو قتل الصيد بظفره أو نابه حلَّ، وكذا بثقله على أحد القولين للشافعي، وهو المشهور عندهم، والمشهور عند المالكية أن الصيد إذا مات من صدم الكلب أو غير ذلك من غير جرح لا يؤكل، ولو لم يقتله الكلب بأن تركه وبه رمق، ولم يبقى زمن يمكن صاحبه فيه لحاقه وذبحه، فمات، حل لعموم قوله:"فإن أخْذَ الكلب ذكاةٌ"، وهذا في المعلم، فلو وجده حيًّا حياة مستقرة، وأدرك ذكاته، لم يحلَّ إلا بالتذكية، فلو لم يذبحه مع الامكان حرُم، سواء كان عدم الذَّبح اختيارًا أو اضطرارًا كعدم حضور آلة الذبح. فإن كان الكلب غير معلم اشْتُرط إدراك تذكيته، فلو أدركه ميتًا لم يحل.
ودل الحديث على أنه لا يَحِلُّ أكل ما شاركه فيه كلب آخر في اصطياده، ومحله إذا استرسل الآخر بنفسه، أو أرسله من ليس من أهل الذكاة، فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الذكاة حلَّ، ثم ينظر، فإن أرسلاهما معًا فهو لهما،
وإلا فللأول، ويؤخذ ذلك من التعليل في قوله:"فإنما سمَّيْت على كلبك، ولم تسمِّ على غيره"، فإنه يُفهم منه أن المرسل لو سَمّى على الكلب لحلَّ، وفي رواية الشعبي:"وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل"، فيؤخذ منه أنه لو وجده حيًّا وفيه حياة مستقرة، فذكّاه، حلَّ، لأن الاعتماد في الإِباحة على التذكية لا على إمساك الكلب.
وقوله: "وإذا أكل فلا تأكل" فيه تحريم أكل الصيد الذي أكل منه الكلب، ولو كان الكلب معلمًا، وعُلل في الحديث بالخوف من أنه إنما أمسك على
…
وأما الآية، ففُسِّر الفسق فيها بما أُهِلَّ به لغير الله، وتوجيهه أن قوله:{وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} ليس معطوفًا، لأن الجملة الأولى فعلية إنشائية، والثانية خبرية، ولا يجوز أن تكون جوابًا لمكان الواو، فتعين كونها حالية، فتفيد النهي بحال كون الذبح فسقًا، والفسق مفسر في القرآن بما أُهل به لغير الله، فيكون دليلًا لهم لا عليهم، وهو نوع من القلب، وقال تعالى:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5]، وهو لا يسمّون، وقد قام الإِجماع على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق، قاله القَسْطلّاني.
وما احتج به من كون الأولى طلبية، والأخيرة خبرية، لا يَسوغ عطفها عليها غير صحيح، فإن سيبويه ومن تبعه من المحققين يجيزون ذلك، ولهم شواهد كثيرة.
وما ذكره من كون الإجماع على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق غير صحيح، وكيف يصحُّ مع استدلال العلماء المتقدمين بالآية على أن ترك التسمية على الذبيحة عمدًا فسق.
ودلَّ قوله: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم" على إباحة الاصطياد بالكلاب المعلمة، واستثنى أحمد وإسحاق الكلب الأسود، وقالا: لا يحل الصيد به لأنه شيطان. ونُقل عن الحسن وإبراهيم وقتادة نحو ذلك.
وفيه جواز أكل ما أمسكه الكلب بالشروط المذكورة من التعليم، والتسمية،
وعدم أكله منه، وعدم مشاركة كلب آخر له في الصيد -ويأتي ما في هذين الشرطين الأخيرين- ولو لم يُذبح، لقوله: إن أخذ الكلب ذكاة، فلو قتل الصيد بظفره أو نابه حلَّ، وكذا بثقله على أحد القولين للشافعي، وهو المشهور عندهم، والمشهور عند المالكية أن الصيد إذا مات من صدم الكلب أو غير ذلك من غير جرح لا يؤكل، ولو لم يقتله الكلب بأن تركه وبه رمق، ولم يبقى زمن يمكن صاحبه فيه لحاقه وذبحه، فمات، حل لعموم قوله:"فإن أخْذَ الكلب ذكاةٌ"، وهذا في المعلم، فلو وجده حيًّا حياة مستقرة، وأدرك ذكاته، لم يحلَّ إلا بالتذكية، فلو لم يذبحه مع الامكان حرُم، سواء كان عدم الذَّبح اختيارًا أو اضطرارًا كعدم حضور آلة الذبح. فإن كان الكلب غير معلم اشْتُرط إدراك تذكيته، فلو أدركه ميتًا لم يحل.
ودل الحديث على أنه لا يَحِلُّ أكل ما شاركه فيه كلب آخر في اصطياده، ومحله إذا استرسل الآخر بنفسه، أو أرسله من ليس من أهل الذكاة، فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الذكاة حل، ثم ينظر، فإن أرسلاهما معًا فهو لهما، وإلا فللأول، ويؤخذ ذلك من التعليل في قوله:"فإنما سمَّيْت على كلبك، ولم تسمِّ على غيره"، فإنه يُفهم منه أن المرسل لو سَمّى على الكلب لحلَّ، وفي رواية الشعبي:"وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل"، فيؤخذ منه أنه لو وجده حيًّا وفيه حياة مستقرة، فذكّاه، حلَّ، لأن الاعتماد في الإباحة على التذكية لا على إمساك الكلب.
وقوله: "وإذا أكل فلا تأكل" فيه تحريم أكل الصيد الذي أكل منه الكلب، ولو كان الكلب معلمًا، وعُلل في الحديث بالخوف من أنه إنما أمسك على نفسه، وهذا قول الجمهور، وهو الراجح من قول الشافعي، وقال في القديم: وهو قول مالك.
ونُقل عن بعض الصحابة: يحلُّ، واحتجوا بما أخرجه أبو داود بسند لا بأس به عن أبي ثعلبة، قال: يا رسول الله: إن لي كلابًا مُكلَّبة فاقتني في صيدها، قال:"كل مما أمسكْنَ عليك". قال: وإن أكل منه؟ قال: "وإن أكل منه".
وسلك الناس في الجمع بين الحديثين طرقًا، منها -للقائلين- بالتحريم: حملُ حديث أبي ثعلبة على ما إذا قتله وخلاّه، ثم عاد فأكل منه.
ومنها: الترجيح، فرواية عدي في "الصحيحين" متفق على صحتها، ورواية أبي ثعلبة في غيرها مختلف في تضعيفها، وأيضًا رواية عدي صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم، وهو خوف الإمساك على نفسه، متأيدة بأن الأصل في الميتة التحريم، فإذا شككنا في السبب المُبيح رجعنا إلى الأصل وظاهر القرآن أيضًا، وهو قوله تعالى:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4]، فإن مقتضاها أن الذي يمسكه من غير إرسال لا يؤكل. وقالوا: معنى {أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} صِدْنا لكم، وقد جعل الشارع أكله منه علامة على أنه أمسكه لنفسه لا لصاحبه، فلا يعدل عن ذلك.
وفي رواية لابن أبي شيبة: "إن شرب من دمه فلا تأكل، فإنه لم يَعْلَم ما علَّمته" وفي هذا إشارة إلى أنه إذا شرعَ في أكله، دل على أنه ليس بمعلم التعليم المشترط. وعند أحمد عن ابن عباس: إذا أرسلت الكلب فأكل الصيد فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وإذا أرسلته فقتل ولم يأكل، فكل، فإنما أمسك على صاحبه. وأخرجه البزار عن ابن عباس من وجه آخر. ولو كان مجرد الإمساك كافيًا لما احتيج إلى زيادة عليكم.
ومنها للقائلين بالإباحة حمل حديث علي على كراهة التنزيه وحديث أبي ثعلبة على بيان الجواز، قال بعضهم: ومناسبة ذلك أن عديًّا كان موسرًا، فاختير له الحمل على الأولى، بخلاف أبي ثعلبة، فإنه كان بعكسه. ولا يَخْفى منافاة هذا للتصريح بالتعليل في الحديث بخوف الإمساك على نفسه.
وقال ابن التين عن بعض أصحابه: هو عام، فيحمل على الذي أدركه ميتًا من شدة العدو أو من الصدمة، فأكل منه، لأنه صار على صفة لا يتعلق بها الإِرسال ولا الإمساك على صاحبه، قال: ويُحتمل أن يكون معنى قوله: "وإن أكل فلا تأكل" أي: لا يوجد منه غير مجرد الأكل، دون إرسال الصائد له،
وتكون هذه الجملة مقطوعة عما بعدها. ولا يخفى بعد هذا.
وقال ابن القصّار: مجرد إرسال الكلب إمساك علينا، لأن الكلب لا نية له، ولا يصح من مثلها، وإنما يتصيد بالتعليم، فإذا كان الاعتبار بأن يُمسك علينا أو على نفسه، واختلف الحكم في ذلك، وجب أن يتميز ذلك بنية من له نية وهو مرسله، فإذا أرسله فقد أمسكه عليه، وإذا لم يرسله لم يمسك عليه. وفي هذا أيضًا بُعد ومصادقة لسياق الحديث.
وسلك بعض المالكية الترجيح، فقال: هذه اللفظة ذكرها الشعبي، ولم يذكرها همّام، وعارضها حديث أبي ثعلبة. وهذا الترجيح معارَضٌ بالترجيح السابق الأقوى.
وتمسك بعضهم بالاجماع على جواز أكله إذا أخذه الكلب بفيه وهمَّ باكله، فأُدرك قبل أن يأكل، قال فلو كان أكله منه دالاًّ على أنه أمسك لنفسه لكان تناوله بفيه وشروعه في أكله كذلك، ولكان يشترط أن يقف الصائد حتى ينتظر هل يأكل أم لا.
واستُدِلَّ بقوله: "كُل ما أمسك عليك" بأنه لو أرسل كلبه على صيد، فاصطاد غيره، حل لعموم قوله:"ما أمسكَ" وهذا قول الجمهور، وقال مالك: لا يحل. وهو رواية البُوَيْطي عن الشافعي.
وفي الحديث جواز الاصطياد للانتفاع بالصيد للأكل والبيع، وكذا اللهو، بشرط قصد التذكية والانتفاع، وكرهه مالك، بل المذهب عنده حرمة اصطياد مأكول اللحم بلا نيّة أصلًا، أو بنية قتله او حبسه أو الفرجة عليه؛ لأنه من العَبَثِ المنهي عنه، وإذا لم يقصد الانتفاع به حرم عند غير مالك، لأنه من الفساد في الأرض، بإتلاف نفس عبثًا، وقد قال الليث في الصيد للَّهْو: لا أعلم حقًّا أشبهَ بباطل منه. ويمكن أن يقال: يُباح، فإن لازَمَه وأكثر منه كُره، لأنه قد يشغله عن بعض الواجبات، وكثير من المندوبات، وأخرجه الترمذي عن ابن عباس رفعه:"من سكن البادية جفا، ومن اتّبع الصيد غَفِل" وله شاهد عن أبي هريرة عن
الترمذي أيضًا، وآخر عند الدارقطني في الأفراد من حديث البراء بن عازب، وقال: تفرد به شَريك.
وفيه جواز اقتناء الكلب المعلّم للصيد، فقد أخرج البخاري عن ابن عمر:"من اقتنى كلبًا إلا كلبًا ضاريًا لصيد، أو كلب ماشية، فإنه ينقصُ من أجره كلَّ يوم قيراطان"، وأخرج عن أبي هريرة مثله، إلا أنه قال:"نقَصَ كلَّ يوم من عمله قيراط"، وأخرج عنه أيضًا:"إلا كلب غنم، أو حرث، أو صيد"، فزاد في هذه الرواية كلب الحرث على رواية ابن عمر. وأخرج مسلم أن ابن عمر قيل له: إن أبا هريرة يقول: "كلب زرع"، فقال: إن لأبي هريرة زرعًا. يعني أنه أثبت منه في حفظ هذه الزيادة، لاحتياجه إلى تعرف أحكامها.
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلاب للصيد والماشية والزرع، وكراهة اتخاذها لغير ذلك، إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذُكر اتخاذُها لجلب المنافع ودفع المضارِّ قياسًا، فتُمْحَض كراهة اتخاذها لغير حاجة، لما فيه من ترويع الناس، وامتناع دخول الملائكة للبيت الذي هم فيه.
وفي قوله: "نقص من عمله"، أي من أجر عمله، ما يشير إلى أن اتخاذها غير محرم، لأن ما كان اتخاذه محرمًا امتنع اتخاذه على كل حال، سواء نقص الأجر أو لم ينقص، فدل ذلك على أن اتخاذها مكروه لا حرام. قال: ووجه الحديث عندي أن المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإِناء سبعًا لا يكاد يقوم بها المكلف ولا يتحفظ منها، فربما دخل عليه باتخاذها ما يُنْقص أجره من ذلك. ويُروى أن المنصور سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث فلم يعرفه، فقال المنصور: لأنه يَنْبَح الضَّيْف، ويُرَوِّع السائل.
وما ادعاه من عدم التحريم، واستند له بما ذكر ليس بلازم، بل يحتمل أن تكون العقوبة تقع لعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمله من الخير لو لم يتخذ الكلب، ويحتمل أن يكون الاتخاذ حرامًا، والمراد بالنقص أن الإِثم الحاصل باتخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من أجر، فينقص من ثواب عمل
المتخذ قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه، وهو قيراط أو قيراطان.
وقيل: سبب النقصان امتناع الملائكة من دخول بيته، أو ما يلحق المارين من الأذى، أو لأن بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالفة النهي، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها، فربما يتنجس الطاهر منها، فإذا استُعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر.
وقال ابن التين: المراد أنه لو لم يتخذه لكان عمله كاملًا، فإذا اقتناه نقص من ذلك العمل، ولا يجوز أن يَنْقص من عمل مضى، وإنما أراد أن ليس عمله في الكمال كعمل من لم يتخذه.
وما ادعاه من عدم الجواز في الماضي منازَع فيه، فقد حكى الرُّوياني في "البحر" اختلافًا في الأجر، هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل؟ وفي محل نقصان القيراطين، فقيل: من عمل النهار قيراط، ومن عمل الليل آخر. وقيل: من الفرض قيراط، ومن النفل آخر. وفي سبب النقصان كما مر.
والأصح عند الشافعية إباحة اتخاذ الكلاب لحفظ الدرب، إلحاقًا للمنصوص بما في معناه، كما أشار له ابن عبد البر، واتفقوا على أن المأذون في اتخاذه هو ما لم يحصل الاتفاق على قتله، وهو الكلب العقور، وأما غير العقور فقد اختُلف هل يجوز قتله مطلقًا أم لا، واستُدِلَّ به على جواز تربية الأجر والصغير لأجل المنفعة التي يؤول أمره إليها إذا كبر، ويكون القصد لذلك قائمًا مقام وجود المنفعة به، كما يجوز بيع ما لم ينتفع به في الحال، لكونه ينتفع به في المال.
واختلفوا في اختلاف الروايتين في القراطين والقيراط، فقيل: الحكم للزائد لكونه حَفِظ ما لم يحفظه الآخر، أو أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أولًا بنقص قيراط واحد، فسمعه الراوي الأول، ثم أخبر ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد في التنفير من ذلك، فسمعه الراوي الثاني. وقيل ينزل على حالين، فنقصان القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها، ونقص القيراط باعتبار قلته. وقيل: يختص نقص