الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السبعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِمُعَاذٍ: "مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ". قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ: "لَا، إِنِّى أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا".
قوله "ذكر لي" بضم الذال، مبني للمجهول، ولم يسمِّ أنس من ذكر له ذلك في جميع الطرق وهو غير قادح في صحة الحديث، لأن متنه ثابت من طريق أُخرى، وأيضًا، فأنس لا يروي إلا عن عدل صحابيّ أو غيره، فلا تضر الجهالة هنا، وكذلك جابر فيما مر له عند أحمد، لم يسمِّ من روى عنه حديث معاذ؛ لأن معاذًا إنما حدث به عند موته بالشام، وجابر وأنس إذ ذاك بالمدينة، فلم يشهداه. وقد حضر ذلك من مُعاذ عمرُو بن ميمون، كما عند المصنف، في الجهاد ورواه النسائِيّ عن عبد الرحمن بن سَمُرة الصحابي أنه سمع ذلك من معاذٍ أيضًا، فيحتمل أن يفسر المبهم بأحدهما، وعمرو بن ميمون يأتي تعريفه في الخامس والمئة من الوضوء، ويأتي تعريف عبد الرحمن بن سمرة في الثالث عشر من كتاب الصلح.
وقوله "من لقي الله" أي: من لقي الأجل الذي قدره الله، يعني الموت، أو المراد البعث، أو رؤية الله. وقوله "لا يشرك به شيئًا" اقتصر على نفي الإشراك، لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم؛ لأن من كذّب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كذّب الله تعالى، ومن كذب الله تعالى فهو مشركٌ، أو هو مثل قول القائل "من توضأ صحت صلاته" أي مع سائر الشرائط، فالمراد من مات حال كونه مؤمنًا بجميع ما يجب الإيمان به.
وقوله "دخل الجنة" أي وإن لم يعمل صالحًا، إما قبل دخوله النار أو بعده بفضل الله ورحمته، وليس في قوله هنا "دخل الجنة" من الإِشكال ما مرّ في قوله "حرمه الله على النار"؛ لأن هذا أعم من أن يكون قبل التعذيب أو بعده كما علمت. قال النّووي: مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب في المشيئة، وإن من مات موقنًا بالشهادتين، دخل الجنة، فإن كان دَيِّنًا أو سليمًا من المعاصي، دخل الجنة برحمة الله تعالى، وحرِّم على النار، وإن كان من المخلطين بتضييع الأوامر أو بعضها، وارتكاب النواهي أو بعضها، ومات من غير توبة فهو في خطر المشيئة، وهو بصدد أن يمضي عليه الوعيد، إلَاّ أن يشاء الله أن يعفو عنه، فإن شاء أن يعذبه فمصيره إلى الجنة بالشفاعة، وحينئذ فمعنى قوله "دخل الجنة" لكنه قبل ذلك إن مات مصرًا على المعصية في مشيئة الله.
وقوله "حرمه الله على النار" أي: إلا أن يشاء الله، وقوله "لا أخاف أن يتكلوا" هي للنهي، ليست داخلة على أخاف، بل المعنى لا تبشرهم، ثم استأنف، فقال: أخاف، وفي رواية كريمة "إِني أخاف" بإثبات التعليل، وللحسن بن سفيان في مسنده عن مُعْتمر قال: لأدعهم، فليتنافسوا في الأعمال، فإنى أخاف أن يتنافسوا وإخبار معاد به عند موته مخافة من الإِثم المرتب على الكتمان كما مر، وكأنه فهم من منع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخبر بها إخبارًا عامًا، لقوله: أفلا أبشر الناس؟ فأخذ هو أولًا بعموم المنع، فلم يخبر بها أحدًا، ثم ظهر له أن المنع إنما هو من الإخبار بالعموم، فبادر قبل موته، فأخبر بها خاصًا من الناس، فجمع بين الحكمتين. ويقوّي ذلك أن المنع لو كان على عمومه في الأشخاص لما أخبر هو بذلك، وأُخذ منه أن من كان مثل مقامه في اللهم إنه لم يمنع من إخباره.
وقد تعقب هذا الجواب بما أخرجه أحمد من وجه فيه انقطاع عن
معاذ، أنه لما حضرته الوفاة قال: أدْخلوا عليَّ الناس، فأُدخلوا عليه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يقول:"من مات لا يشرك بالله شيئًا جعله الله في الجنة، وما كنت أحدثكموه إلا عند الموت، وشاهدي على ذلك أبو الدرداء، فقال: صدق أخي، وما كان يحدثكم به إلا عند موته" وقد وقع لأبي أيوب مثل ذلك، ففي "المسند" أن أبا أيّوب غزا الروم، فمرض، فلما حضر قال: سأحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، لولا حالي هذه ما حدثتكموه، سمعته يقول:"من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" وإذا عورض هذا الجواب فأجيب عن أصل الإشكال، بأن معاذًا اطلع على أنه لم يكن المقصود من المنع التحريم، بدليل أن النبيّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، أمر أبا هريرة أن يبشر بذلك الناس، فلقيه عمر، فدفعه، وقال: ارجع يا أبا هُريرة، ودخل على أثره، فقال: يا رسول الله لا تفعل، فإنى أخشى: أن يتكل الناس، فخلِّهم يعملون، فقال: فخلِّهم أخرجه مسلم.
فكان قوله صلى الله تعالى عليه وسلم، لمعاذ: أخاف أن يتَّكلوا، كان بعد قصة أبي هُريرة، فكان النهي للمصلحة لا للتحريم، فلذلك أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ، وقال الطِّيبيّ: قال بعض المحققين: قد يتخذ من أمثال هذه الأحاديث المطلقة ذريعة إلى طرح التكاليف، وإبطال العمل ظنًا أن ترك الشرك كاف، وهذا يستلزم طي بساط الشريعة، وإبطال الحدود، وأن الترغيب في الطاعة، والتحذير عن المعصية لا تأثير له، بل يقتضي الانخلاع من الدين، والانحلال عن قيد الشريعة، والخروج عن الضبط، والولوج في الخبط، وترك الناس سدى مهملين، وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد أن يفضي إلى خراب الأُخرى، مع أن قوله في بعض طرق الحديث "أن يعبدوه" يتضمن جميع أنواع التكاليف الشرعية.
وقوله "ولا يشرك به شيئًا" يشمل مسمى الشرك الجليّ والخفيّ، فلا