الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويستفاد من هذا الحديث ومن حديث علي المتقدم ومن قصة أبي شاهٍ أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أذن في كتابة الحديث عنه. وهو يعارض حديث أبي سعيد الخدري " أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن" رواه مسلم. والجمع بينهما أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقها، أو النهي فتقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، وهو أقربها مع أنه لا ينافيها. وقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك. ومنهم من أعل حديث أبي سعيد. وقال: الصوابُ وقفه على أبي سعيد. قاله البخاريّ وغيره.
قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوه حفظًا، لكن لما قصرت الهمم، وخشي الأئمة ضياع العلم، دونوه، وأول من دون الحديث ابن شهاب الزُّهْريّ على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير. قال هنا في "الفتح": وقد مر في باب "كيف يقبض العلم" أن أول تدوين الحديث كتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى أبي بكر بن حزم. يجمع بينهما بما ذكر هناك مما أخرجه أبو نعيم أن عمر كتب بذلك إلى الآفاق، فيكون كتب لكل من ابن شهاب وأبي بكر بذلك.
رجاله ستة:
الأول علي بن عبد الله المدينيّ، وقد مر تعريفه في الحديث الرابع عشر من كتاب العلم، الثاني سفيان بن عُيينة، وقد مر أيضًا تعريفه في الحديث الأول من بدء الوحي.
الثالث: عمرو بن دينار، المكيّ أبو محمد الأثرم، الجُمَحِيّ، مولاهم، أحد الأعلام روى عن العبادلة الأربعة، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبي الطفيل والسائب بن يزيد، والحسن بن محمد بن علي بن
أبي طالب، ووهب بن مُنَبه وخلق. وروى عنه قتادة، ومات قبله، وأيوب بن جُرَيج، وجعفر الصادق ومالك، وشعبة، والحمّادان، والسفيانان، وخلق كثير.
قال أحمد بن حنبل: كان شعبة لا يقدم على عمرو بن دينار أحدًا، لا الحكم ولا غيره يعني في التَّثَبُّت. وقال ابن أبي نَجِيح: ما كان عندنا أحدًا أفقه ولا أعلم من عمرو بن دينار، زاد غيره: لا عطاء ولا مجاهد ولا طاووس. وقال القطان: عمرو بن دينار أثبت عندي من قتادة، فذكر ذلك لأحمد، فذكر مثله. وقال أحمد أيضًا: عمرو أثبت الناس في عطاء وقال النَّسائيّ: ثقة ثبت، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. وقال سفيان لمِسْعَر من رأيت أشد إتقانًا للحديث؟ قال: عمرو بن دينار، والقاسم بن عبد الرحمن. وقال ابن عُيينة: حدثنا عمرو بن دينار، وكان ثقة ثقة ثقة، وحديث أسمعه من عمرو أحب إلى من عشرين حديثًا من غيره. ومرض عمرو فعاده الزُّهري، فلما قام الزُّهْرِيّ قال: ما رأيت شيخاً أنصَّ للحديث الجيد من هذا الشيخ. وقال ابن عُيينة وعمرو بن جرير: كان ثقة ثبتًا، كثير الحديث صدوقًا عالمًا، وكان مفتي أهل مكة في زمانه. وذكره ابن حِبّان في الثقات، مات سنة ست وعشرين ومئة، وقد جاوز السبعين، والجُمَحِيّ في نسبه نسبة إلى جُمَح بن عمر بن هُصَيْص بن كعب بن لُؤَي بن غالب بن فهو.
الرابع: وهب بن مُنبه، بضم الميم وفتح النون وكسر الباء الموحدة المشددة، ابن كامل بن سِيْج، بفتح السين المهملة، وقيل بكسرها وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم، وقيل الشين معجمة، ابن ذي كنار، وهو الأسوار الصنعانيّ اليمانيّ الأبناويّ الذَّمَارِيّ، روى عن العبادلة ما عدا ابن الزبير، وعن أبي هريرة، وأبي سعيد وجابر، وأنس وعمرو بن شُعيب، وأخيه همام بن مُنّبه. وروى عنه ابناه عبد الله وعبد الرحمن، وابنا أخيه عبد الصمد، وعقيل بن مَعْقِل بن منبه.
قال ابن حنبل: كان من أبناء فارس، وقال العِجْليّ: تابعي ثقة، وكان
على قضاء صنعاء. وثَّقه النَّسائي وأبو زرعة، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وكان وهب بن منبه يختلف إلى هَراة، ويتفقد أمرها. وجاء من وجهين ضعيفين عن عُبادة بن الصّامت مرفوعًا:"سيكون رجلان في أمتي أحدهما يقال له وهبٌ يؤتيه الله تعالى الحكمة، والَاخر يقال له غَيْلان هو أضر على أمتي من إبليس". وقال المثنّى بن الصَّبَاح: لبث وهب بن منبه أربعين سنة لم يسب شيئًا فيه الروح، ولبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءًا. وقال أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن أبيه: حج عامة الفقهاء سنة مئة، فحج وهب، فلما وصلوا أتاه نفر فيهم العطاء والحسن، وهم يريدون أن يذاكروه القدر، قال: فأمعن في باب من الحمد، فمازال فيه حتى طلع الفجر، فافترقوا ولم يسألوه عن شيء.
قال أحمد: كان يتهم بشيء من القدر؛ ثم رجع، وقال حماد بن سلمة عن أبي سفيان: سمعت وهب بن مُنّبه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابًا من كتب الأنبياء في كلها "من جعل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر" فتركت قولي. وقال الجُوْزجَانيّ: كان وهب كتب كتابًا في القدر، ثم حدثت أنه ندم عليه. وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار: دخلت على وهب بن منبه داره بصنعاء، فاطعمني جوزًا من جوزة في داره، فقلت له: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر، فقال: أنا والله وددت.
ولد سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، ومات سنة عشر ومئة، وقيل: إن يوسف بن عمر ضربه حتى مات. روى له البخاري هذا الحديث الواحد عن أخيه.
والأبْنَاويّ في نسبه نسبة إلى أبناء، بباء موحدة ثم نون، وهم كل من ولد من أبناء الفرس الذين وجههم كسرى مع سيف بن ذي يزن.
الخامس: همّام بن مُنبِّه، ومر تعريفه في الحديث السادس والثلاثين من كتاب الإيمان.