الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الخامس والسبعون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: "لَا يَلْبَسِ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ".
قوله ابن أبي ذئب عن الزُهريُّ هو بالضم عطفًا على قول آدم: حدثنا ابن أبي ذئب والمراد أن آدم سمعه من ابن أبي ذيب بإسنادين، وفي رواية غير أبي ذر وعن الزُّهريّ بالعطف على نافع، ولم يعد ذكر ابن أبي ذيب، وقوله "إن رجلًا" قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، وقد سأله ما يلبس المُحْرِم، بفتح المثناة التحتية والموحدة، مضارع لبس بكسر الموحدة، والمراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة أو قِران. وحكى ابن دقيق العيد أن ابن عبد السلام كان يستشكل معرفة حقيقية الإحرام على مذهب الشافعيّ، ويرد على من يقول إنه النية؛ لأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على من يقول إنه التلبية، بأنها ليست ركنًا، وكأنه يحوم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء، والذي يظهر أنه مجموع الصفة الحاصلة، من تجرد وتلبية ونحو ذلك.
وعند النَّسائِيّ عن ابن عمر "ما تلبس من الثياب إذا أحرمنا" وهو مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام، وقد حكى الدارقطنيّ أن في رواية
ابن جُرَيج والليث عن نافع أن ذلك كان في المسجد، قال في "الفتح": ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما، لكن أخرج البيهقيّ عن نافع عن ابن عمر قال: نادى رجل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يخطب بذلك المكان، وأشار نافع إلى مُقَدم المسجد، فذكر الحديث" وظهر أن ذلك كان بالمدينة.
ووقع في حديث ابن عباس في آخر الحج عند المصنف أنه صلى الله تعالى عليه وسلم خطب بذلك في عرفات، فيحُمل على التعدد، ويؤيده أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عباس ابتدأ به في الخطبة. وقوله "لا يُلْبَسُ القميص" هو بالرفع على الخبر، وهو في معنى النهي، وروى بالجزم على أنه نهي، وأجمعوا على أن المراد بالمُحْرِم هنا الرجلُ، ولا تلتحق به المرأة في ذلك.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الوَرْس، ويؤيده ما في حديث اللّيث الآتي في آخر الحج، ولا تَنْتَقبُ المرأة وقال عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المُحرم وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مَخِيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى الرأس به، مخيطًا أو غيره، وبالخِفاف على كل ما يستر الرجل.
وخصَّ ابن دقيق العيد الإجماع الثاني بأهل القياس، وهو واضح، والمراد بتحريم المخِيط ما يُلْبس على الموضع الذي جعل له، ولو في بعض البدن، فأما لو ارتدى بالقميص مثلًا فلا بأس وقال الخَطَّابيّ: ذكر العِمامة والبُرْنُس معًا ليدل على أنه لا تجوز تغطية الرأس، لا بالمعتاد ولا بالنادر. قال: ومن النادر، المِكْتَل يحمله على رأسه فإن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القُبعُ صح ما قال، وإلا فمجرد وضعه على رأسه على
هيئة الحامل لحاجته لا يضر على مذهبه، ومما لا يضر أيضًا الانغماس في الماء، فإنه لا يسمى لابسًا، وكذا سَتْر الرأس باليد.
وقال النَووِيّ: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام، وجزله، لأن مالا يلبس منحصرٌ، فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا، أي: ويلبس ما سواه، وقال البَيْضاويّ: سُئِل عما يُلْبَس، فأجاب بما لا يلبس ، ليدل بالالتزام من طريق المفهوم علي ما يجوز، وإنما عَدَل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر، ونكتة العدول أيضًا هي أن السائل سأل عما يلبس، فأجيب بما لا يلبس، إذا الأصل الإباحة، ولو عدد له ما يلبس لطال به، بل كان يؤمن أن يتمسك بعض السامعين بمفهومه، فيظن اختصاصه بالمحرم، وأيضاً المقصود ما يحرم لبسه، لا يحل له لبسه، لأنه لا يجب له لباس مخصوص، بل عليه أن يجتنب شيئًا مخصوصًا.
قال البيضاوي وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس، لأنه الحكم العارض بالإحرام المحتاج لبيانه، إذ الجواز ثابت بالأصل، معلوم بالاستصحاب، فكان الأَليق السؤال عما لا يلبس، وقال غيره: هذا يشبه أسلوب الحكيم، ويقرب منه قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 215] الآية: فعدل عن جنس المنفَق. وهو المسؤول عنه، إلى ذكر المنفق عليه، لأنه الأهم.
وقال بعضهم: يؤخذ منه أن المفتي إذا سئل عن واقعة، واحتمل عنده أن يكون السائل يتذرع بجوابه إلى أن يعديه إلى غير محل السؤال، تعين عليه أن يفصل الجواب، ولهذا قال: فإن لم يجد نعلين، فكأنه سأل عن حالة الاختيار، فأجابه عنها، وزاده حالة الاضطرار، وليست أجنبيته عن السؤال؛ لأن حالة السفر تقتضي ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر في الجواب، ما يحصل منه المقصود، كيف كان، ولو بتغيير أو زيادة، ولا تشترط المطابقة. وطعن
بعضهم في قول من قال: إن هذا من أسلوب الحكيم، بأنه كان يمكن الجواب بما يحصر أنواع ما لا يُلْبَس، كأن يقال: ما ليس بمخيط، ولا على قدر البدن، كالقميص، أو بعضه كالسراويل، أو الخف، ولا يستر الرأس أصلًا، ولا يلبس ما مسه طيب، كالورس والزعفران. وفي هذا الاعتراض نظر؛ لأن إمكان الحصر لا يمنع من أسلوب الحكيم، فإن أسلوب الحكيم إنما هو لكون المعدول إليه أهم من المسؤول عنه. وفي هذا الجواب العدول إلى ما هو الأهم، وهو ما يحرم لبسه، ويوجب الفدية، وهذا كله بناء على الرواية المشهورة عن نافع وسالم.
وقد رواه أبو عُوانة عن ابن جُريج عن نافع بلفظ "ما يترك المُحْرم" وهي شاذة، والاختلاف فيها على ابن جُرَيج لا على نافع، ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ "إن رجلًا قال ما يجتنب المحرم من الثياب" أخرجه أحمد وابن خزيمة وأبو عُوانة في صحيحيهما عن معمر عن الزُّهْريّ عنه وأخرجه أحمد عن ابن عُيينة عن الزُّهري. قال مرة ما يترك؟ ومرة ما يلبس؟ وأخرجه المؤلف في أواخر الحج عن الزُّهري بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزُّهري يُشْعر بأن بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع لعدم الاختلاف فيها، واتجه البحث المتقدم.
وقوله "ولا ثوبًا مسه الورس أو الزعفران" الورس، بفتح الواو وسكون الراء بعدها مهملة، نبت أصفر طيِّب الريح يصيبغ به، قال ابن العربي: ليس الورس بطيب، ولكنه نبه به على اجتناب الطِّيب وما يشبهه في ملاءمته الشم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم. والزعفران، بفتح الزاي والفاء، اسم أعجمي، وقد صرفته العرب، فقالوا: ثوب مُزَعْفر، وقد زَعْفَر ثوبه. قال أبو حنيفة الدِّيْنَوريّ: لا أعمله ينبت بشيء من أرض العرب، وفي كتاب المفضل بن سلمة أن الكُرْكُمَ عروق الزَّعفران. وقال مُؤرّج يقال لورق الزعفران الفَيْد، ومنه يسمى مورج أبا فَيد. واستدل بقوله "مسه" على تحريم ما صبغ كله، أو بعضه، ولو خفيت رائحته.
قال مالك في الموطأ: إنما يكره لبس المصبغات لأنها تنغض، وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة، لم يمنع. والحجة فيه حديث ابن عباس عند المصنف في آخر الحج "ولم ينه عن شيء من الثياب إلَاّ المزعفرة التي تَرْدَعُ الجلد" وأما المغسول، فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز خلافاً لمالك، واستدلوا بما رواه أبو معاوية عن عُبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث "إلا أن يكون غسيلًا". وهذه الزيادة شاذة، لأنها عن أبي معاوية والحَمَّانيّ، وأبو معاوية مضطرب الحديث في عُبيد الله، ولم يجيء بهذه الزيادة غيره، والحَمَّانيّ ضعيف، واستنبط من منع لبس الثوب المزعفر منه أكل الطعام الذي فيه الزعفران وهذا قول الشافعية، وعن المالكية خلاف. وقال الحنفية: لا يحرم؛ لأن المراد اللُّبس والتَّطَيُّب، والأكل لا يسمى متطيبًا.
وقوله: "فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين" وفي حديث ابن عباس "ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل للمحرم"، زاد معمر في روايته عن الزهريّ زيادة تفيد ارتباط ذكر النعلين بما سبق، وهي قوله:"وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين. فإن لم يجد النعلين، فليلبس الخفين" واستدل بقوله: "فإن لم يجد" على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور. وعن بعض الشافعية جوازه. وكذا عند الحنفية. وقال ابن العربيّ: إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرِّجل شيئًا، لم يجز إلا للفاقد. والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده أو ترك بذل المالك له، أو عجزه عن الثمن إن وجد من يبيعه، أو الأجرة. ولو بيع بغُبن لم يلزمه شراؤه، أو وهب له لم يجب قبوله، إلا إن أُعير له.
وقوله "فليلبس" ظاهر الأمر للوجوب، لكنه لما شرع للتسهيل، لم يناسب التثقيل، وإنما هو للرخصة.
وقوله "وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين" المراد كشف الكعبين في
الإحرام، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. وجمهور أهل اللغة على أن في كل قدم كعبين، ويؤيده ما روى ابن أبي شيبة عن عُروة قال "إذا اضطر المحرم إلى الخُفين خَرَق ظُهورهما، وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه". وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنَفية: الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك. وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين. وعن الحنفية تجب، وتُعُقِّب بأنها لو وجبت لَبيَّنها النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه وقتُ الحاجة.
واستدل به على اشتراط القطع خلافًا للمشهور عن أحمد، فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع، لإِطلاق حديث ابن عباس، حيث قال فيه:"من لم يجد نعلين فليلبس الخفين" وتُعُقِّب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد، فينبغي أن يقول بها هنا، فيحمل المطلق على المقيَّد، ويلحق النظير بالنظير لاستوائهما في الحكم.
وقال ابن قُدامة: الأَوْلى قطعهما عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف، وأجاب غيره من الحنابلة بأشياء منها دعوى النسخ في حديث ابن عمر، فقد روى الدارقطني عن عمرو بن دينار أنه روى عن ابن عمر حديثه، وعن جابر بن زيد عن ابن عباس حديثه، وقال: انظروا أي الحديثين قَبْل،. ثم حكى عن أبي بكر النَّيسابوريّ أنه قال: حديث ابن عمر قَبْل؛ لأنه كان بالمدينة قبل الإِحرام، وحديث ابن عباس بعرفات، وأجاب الشافعيّ في الأم عن هذا فقال: كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس، لاحتمال أن تكون عُزِبت عنه، أوشك، أو قالها، فلم يقلها عنه بعض رواته.
وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين، قال ابن الجَوْزيّ: حديث ابن عمر اختلف في رفعه ووقفه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه، وهو تعليل مردود، بل لم يختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلا في
رواية شاذة، على أنه اختلف في حديث ابن عباس أيضًا، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس موقوفًا، ولا يرتاب أحد من المحدِّثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس، لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غيرُ واحد من الحفّاظ، منهم نافع وسالم، بخلاف حديث ابن عباس، فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه، حتى قال الأصيليّ: إنه شيخ بَصري لا يعرف. كذا قال وهو معروف موصوف بالفقه عند الأئمة. واحتج بعضهم بقول عطاء: إن القطع فساد، والله لا يحب الفساد. وأجيب بأن الإِفساد إنما يكون فيما نهى الشارع عنه، لا فيما أَذِن فيه.
وقال ابن الجَوزيّ: يُحمل الأمر بالقطع على الإباحة، لا على الاشتراط عملًا بالحديثين، ولا يخفى تكلُّفه. واستدل بعضهم بالقياس على السراويل، وأجيب بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار، والحكم في السراويل المشار إليها، هو أنه قد مر في حديث ابن عباس "من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل للمحرم" أي: هذا الحكم للمحرم لا الحلال، فلا يتوقف جواز لُبسه السراويل على فقد الإزار.
قال القرطبيّ: أخذ بظاهر هذا الحديث أحمدُ، فأجاز لُبْس الخف والسراويل للمحرم الذي لا يجد النعلين والإِزار علي حالهما، واشترط الجمهور قطع الخف، وفتق السراويل، فلو لبس شيئاً منهما على حاله، لزمته الفدية. والدليل لهم قوله في حديث ابن عمر "وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" يعني: وَقِيْسَ السراويلُ على الخفِ في التغيير عن حاله الأصْلَّي. وقال في "الفتح": الأصح عند الشافعية والأكثر، جوازُ لبس السراويل بغير فتق، كقول أحمد، واشترط الفتق محمد بن الحسن وإمامُ الحرمين وطائفة.
وعن أبي حنيفة منع السراويل للمحرم مطلقًا، ومثله عن مالك، وكأن