الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى مُعَاذٍ وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِى مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ.
قوله: "كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا خرج لحاجته" لفظة "كان" تشعر بالتكرار والدوام، وكلمة "إذا" ظرف، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشرط، وجوابه جملة "أجيء"، و"خرج" أي: من بيته أو من بين الناس، "لحاجته" أي: البول أو الغائط.
وقوله: "أجيء أنا وغلام" الجملة في محل نصب على أنها خبر كان، والعائد محذوف، أي: أجيئه، وضمير أنا ضمير متصل، أبرزه ليصح العطف على ضمير الرفع المتصل.
وزاد المصنف في الرواية الآتية عقب هذه: "منا" أي: من الأنصار، كما صرح به الإسماعيلي في روايته، ولمسلم:"نحوي" أي: مقارب لي في السنن.
والغلام هو المترعرع، وقال في "المحكم": من لدن الفطام إلى سبع سنين. وقال الزَّمَخْشري: الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء: غلام، فهو مجاز. والغلام المذكور لم يُسَمَّ.
وقال في "الفتح": إن إيراد المصنف لحديث أنس مع الطرف المعلق الآتي قريبًا من حديث أبي الدَّرداء يشعر إشعارًا قويًّا بأن الغلام المذكور في حديث أنس هو ابن مسعود، وقد مرَّ أن لفظ الغلام يُطلق على غير الصغير مجازًا، وقد
قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لابن مسعود بمكة وهو يرعى الغنم: "إنك لغلامٌ معلّم"، وعلى هذا فقول أنس:"وغلام منّا" أي: من الصحابة أو من خدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
وأما رواية الإسماعيلي التي فيها: "من الأنصار" فلعلها من تصرف الراوي، حيث رأى في الرواية "منا"، فحملها على القبيلة، فرواها بالمعنى، فقال:"من الأنصار"، أو إطلاق الأنصار على جميع الصحابة سائغ، وإن كان العرف خَصَّه بالأوس والخزرج.
وقيل: الغلام أبو هُريرة، لما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة، فاستنجى، فيمكن أن يفسر به الغلام المذكور في حديث أنس. ويؤيده ما رواه المصنف في ذكر الجن عن أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الإداوة لوضوئه وحاجته. لكن يبعده أن إسلام أبي هُريرة بعد بلوغ أنس، وأبو هُريرة كبير، فكيف يقول أنس كما مرّ لمسلم:"وغلامٌ نحوي" أي: مقارب لي في السن.
وعند مسلم في حديث جابر الطويل في آخر الكتاب أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم انطلق لحاجته. فاتّبعه جابر بإداوة، فيحتمل أن يفسر به المبهم، ولاسيما وهو أنصاري.
ووقع عند الإسماعيلي عن شُعبة: "فاتَّبعتُه وأنا غلامٌ" بتقديم الواو، فتكون حالية، لكن تعقبه الإسماعيلي بأن الصحيح:"أنا وغلام" أي: بواو العطف.
وقوله: "معنا إِداوة" بسكون العين وفتحها، وبكسر الهمزة في الإداوة، وهي إناء صغير من جلد كالسطحية مملوءة ماء.
وقوله: "يعني: يستنجي به" قائل يعني هو هشام، أي: يعني أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستنجي بالماء. وقد تعقب الأصيلي البخاري في
استدلاله بحديث الباب على الاستنجاء بالماء، قائلًا: إن قوله هنا: "يستنجي به" ليس هو من قول أنس، إنما هو من قول أبي الوليد هشام الراوي، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، فيُحتمل أن يكون الماء لوضوئه.
وزعم بعضهم أن قوله: "يستنجي" مدرَجٌ من عطاء الراوي عن أنس، فيكون مرسلًا، وحينئذ فلا حجة فيه.
وهذا يرده ما عند الإسماعيلي عن شعبة: "فانطلقت أنا وغلام من الأنصار، معنا إداوة من الماء يستنجي منها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم". ولمسلم عن عطاء عن أنس: "فخرج علينا وقد استنجى بالماء". وللمؤلف عن عطاء بن أبي مَيْمونة: "إذا تبرَّزَ لحاجته، أتيته بماء، فيغتسل به". وعند ابن خُزيمة في "صحيحه" عن إبراهيم بن جرير، عن أبيه "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دخل الغَيْضة، فقضى حاجته فأتاه جرير بإداوة من ماءٍ فاستنجى منها". وفي "صحيح" ابن حبان، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:"ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرج من غائط قطُّ إلا مسَّ ماء". وعند الترمذي، وقال: حسن صحيح أنها قالت: "مرنَ أزواجكُنَّ أن يغسِلوا أثر الغائط والبول، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يفعله". وهذا كله يرد على الأصيلي وعلى مَنْ كره الاستنجاء بالماء فيما مر.
وقال بعضهم لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، والسنة قاضية عليهم، استعمل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الأحجار وأبو هريرة معه، ومعه إداوة ماء.
والذي عليه جمهور السلف والخلف رضي الله تعالى عنهم أن الجمع بين الحجر والماء أفضل، فيقدم الحجر لتخفيف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل بالماء، وسواء فيه البول والغائط. وكلام القفّال الشاشي يقتضي تخصيصه بالغائط. فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل، لكونه يزيل عين النجاسة وحكمها، والحجر يزيل العين فقط. والخُنْثى المشكل يتعيّن فيه