المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الترهيب من المسألة وتحريمها مع الغنى وما جاء في ذم الطمعوالترغيب في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده - الترغيب والترهيب للمنذري - ت عمارة - جـ ١

[عبد العظيم المنذري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌نبذة في مصطلح الحديث وفن أصوله

- ‌بيان أقسام طرق تحمل الحديث ومجامعها

- ‌الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه

- ‌الإمام مالك رضي الله عنه

- ‌الإمام الشافعي رضي الله عنه

- ‌الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه

- ‌الإمام البخاري رضي الله عنه

- ‌الإمام مسلم رضي الله عنه

- ‌الإمام أبو داود

- ‌الإمام الترمذي

- ‌الإمام النسائي

- ‌الإمام ابن ماجه

- ‌الإمام الطبراني

- ‌الإمام أبو يعلى

- ‌الإمام البزار

- ‌الإمام النيسابوري

- ‌الإمام ابن خزيمة

- ‌الإمام ابن أبي الدنيا

- ‌الإمام البيهقي

- ‌الإمام الأصبهاني

- ‌الحافظ المنذري

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌تقاريظ الطبعة الثانية

- ‌مصادر الفتح الجديد في الترغيب والترهيب

- ‌الترغيب في الإخلاص والصدق والنية الصالحة

- ‌الترهيب من الرياء وما يقوله من خاف شيئاً منه

- ‌الترغيب في اتباع الكتاب والسنة

- ‌الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء

- ‌الترغيب في البداءة بالخير ليستن بهوالترهيب من البداءة بالشرّ خوف أن يستن به

- ‌كتاب العلم

- ‌الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمهوما جاء في فضل العلماء والمتعلمين

- ‌الترغيب في الرحلة في طلب العلم

- ‌الترغيب في سماع الحديث وتبليغه ونسخهوالترهيب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الترغيب في مجالسة العلماء

- ‌الترغيب في إكرام العلماء وإجلالهم وتوقيرهموالترهيب من إضاعتهم وعدم المبالاة بهم

- ‌الترهيب من تعلم العلم لغير وجه الله تعالى

- ‌الترغيب في نشر العلم والدلالة على الخير

- ‌الترهيب من كتم العلم

- ‌الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه ويقول ولا يفعله

- ‌الترهيب من الدعوى في العلم والقرآن

- ‌الترهيب من المراء والجدال والمخاصمة والمحاججة والقهر والغلبةوالترغيب في تركه للمحق والمبطل

- ‌كتاب الطهارة

- ‌الترهيب من التخلي على طرق الناس أو ظلهم أو مواردهموالترغيب في الانحراف عن استقبال القبلة واستدبارها

- ‌الترهيب من البول في الماء والمغتسل والجحر

- ‌الترهيب من الكلام على الخلاء

- ‌الترهيب من إصابة البول الثوب وغيره، وعدم الاستبراء منه

- ‌الترهيب من دخول الرجال الحمام بغير أزر ومن دخول النساء بأزر وغيرها إلا نفساء أو مريضة، وما جاء في النهى عن ذلك

- ‌الترهيب من تأخير الغسل لغير عذر

- ‌الترغيب في الوضوء وإسباغه

- ‌الترغيب في المحافظة على الوضوء وتجديده

- ‌الترهيب من ترك التسمية على الوضوء عامدا

- ‌الترغيب في السواك وما جاء في فضله

- ‌الترغيب في تخليل الأصابع، والترهيب من تركه وترك الإسباغ إذا أخل بشيء من القدر الواجب

- ‌الترغيب في كلمات يقولهن بعد الوضوء

- ‌الترغيب في ركعتين بعد الوضوء

- ‌كتاب الصلاة

- ‌الترغيب في الأذان وما جاء في فضله

- ‌الترغيب في إجابة المؤذن، وبماذا يجيبه؟ وما يقول بعد الأذان

- ‌الترغيب في الإقامة

- ‌الترهيب من الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر

- ‌الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة

- ‌الترغيب في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها

- ‌الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تجميرها

- ‌الترهيب من البصاق في المسجد، وإلى القبلة، ومن إنشاد الضالةفيه، وغير ذلك

- ‌الترغيب في المشى إلى المساجد سيما في الظلم وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها

- ‌الترهيب من إتيان المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو كراثا أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة

- ‌ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهن ولزومهاوترهيبهن من الخروج منها

- ‌الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها

- ‌الترغيب في الصلاة مطلقاً، وفضل الركوع والسجود والخشوع

- ‌الترغيب في الصلاة في أول وقتها

- ‌الترغيب في صلاة الجماعة وما جاء فيمن خرج يريد الجماعةفوجد الناس قد صلوا

- ‌الترغيب في كثرة الجماعة

- ‌الترغيب في الصلاة في الفلاة

- ‌الترغيب في صلاة العشاء والصبح خاصة في جماعةوالترهيب من التأخر عنهما

- ‌الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر

- ‌الترغيب في صلاة النافلة في البيوت

- ‌الترغيب في انتظار الصلاة بعد الصلاة

- ‌الترغيب في المحافظة على الصبح والعصر

- ‌الترغيب في جلوس المرء في مصلاه بعد صلاة الصبح وصلاة العصر

- ‌الترغيب في أذكار يقولها بعد الصبح والعصر والمغرب

- ‌الترهيب من فوات العصر بغير عذر

- ‌الترغيب في الإمامة مع الإتمام والإحسانوالترهيب منها عند عدمهما

- ‌الترهيب من إمامة الرجل القوم وهم له كارهون

- ‌الترغيب في الصف الأول، وما جاء في تسوية الصفوف والتراص فيها وفضل ميامنها ومن صلى في الصف المؤخر مخافة إيذاء غيره لو تقدم

- ‌الترغيب في وصل الصفوف وسد الفرج

- ‌الترهيب من تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم وتقدم النساء إلى أوائل صفوفهن ومن اعوجاج الصفوف

- ‌الترغيب في التأمين خلف الإمام وفى الدعاءوما يقوله في الاعتدال والاستفتاح

- ‌الترهيب من رفع المأموم رأسه قبل الإمام في الركوع والسجود

- ‌الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجودوإقامة الصلب بينهما وما جاء في الخشوع

- ‌الترهيب من رفع البصر إلى السماء في الصلاة

- ‌الترهيب من الالتفات في الصلاة وغيره مما يذكر

- ‌الترهيب من مسح الحصى وغيره في موضع السجودوالنفخ فيه لغير ضرورة

- ‌الترهيب من وضع اليد على الخاصرة في الصلاة

- ‌الترهيب من المرور بين يدى المصلى

- ‌الترهيب من ترك الصلاة تعمدا وإخراجها عن وقتها تهاونا

- ‌كتاب النوافل

- ‌الترغيب في المحافظة على ثنتى عشرة ركعة من السنة في اليوم والليلة

- ‌الترغيب في المحافظة على ركعتين قبل الصبح

- ‌الترغيب في الصلاة قبل الظهر وبعدها

- ‌الترغيب في الصلاة قبل العصر

- ‌الترغيب في الصلاة بين المغرب والعشاء

- ‌الترغيب في الصلاة بعد العشاء

- ‌الترغيب في صلاة الوتر وما جاء فيمن لم يوتر

- ‌الترغيب في أن ينام الإنسان طاهراً ناوياً للقيام

- ‌الترغيب في كلمات يقولهن حين يأوى إلى فراشهوما جاء فيمن نام ولم يذكر الله تعالى

- ‌الترغيب في كلمات يقولهن إذا استيقظ من الليل

- ‌الترغيب في قيام الليل

- ‌الترهيب من صلاة الإنسان وقراءته حال النعاس

- ‌الترهيب من نوم الإنسان إلى الصباح وترك قيام شئ من الليل

- ‌الترغيب في آيات وأذكار يقولها إذا أصبح وإذا أمسى

- ‌الترغيب في قضاء الإنسان ورده إذا فاته من الليل

- ‌الترغيب في صلاة الضحى

- ‌الترغيب في صلاة التسبيح

- ‌الترغيب في صلاة التوبة

- ‌الترغيب في صلاة الحاجة ودعائها

- ‌الترغيب في صلاة الاستخارة وما جاء في تركها

- ‌كتاب الجمعة

- ‌الترغيب في صلاة الجمعة والسعى إليهاوما جاء في فضل يومها وساعتها

- ‌الترغيب في الغسل يوم الجمعة

- ‌الترغيب في التبكير إلى الجمعة وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير من غير عذر

- ‌الترهيب من تخطى الرقاب يوم الجمعة

- ‌الترهيب من الكلام والإمام يخطب، والترغيب في الإنصات

- ‌الترهيب من ترك الجمعة لغير عذر

- ‌الترغيب في قراءة سورة الكهف وما يذكر معهاليلة الجمعة ويوم الجمعة

- ‌كتاب الصدقات

- ‌الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها

- ‌الترهيب من منع الزكاة، وما جاء في زكاة الحلى

- ‌الترغيب في العمل على الصدقة بالتقوىوالترهيب من التعدي فيها والخيانة، واستحباب ترك العمل لمن لا يثق بنفسهوما جاء في المكاسين والعشارين والعرفاء

- ‌الترهيب من المسألة وتحريمها مع الغنى وما جاء في ذم الطمعوالترغيب في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده

- ‌ترغيب من نزلت به فاقة أو حاجة أن ينزلها بالله تعالى

- ‌الترهيب من أخذ ما دفع من غير طيب نفس المعطي

- ‌ترغيب من جاءه شيء من غير مسألة ولا إشراف نفس في قبولهسيما إن كان محتاجاً، والنهي عن رده وإن كان غنيا عنه

- ‌ترهيب السائل أن يسأل بوجه الله غير الجنةوترهيب المسئول بوجه الله أن يمنع

الفصل: ‌الترهيب من المسألة وتحريمها مع الغنى وما جاء في ذم الطمعوالترغيب في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده

‌الترهيب من المسألة وتحريمها مع الغنى وما جاء في ذم الطمع

والترغيب في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده

1 -

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: "لا تزالُ المسأَلَةُ (1) بأحدكم حتى يلقى الله تعالى، وليس في وجهه مُزْعَةُ لحمٍ" رواه البخاري ومسلم والنسائي.

[المزعة]: بضم الميم، وسكون الزاي، وبالعين المهملة: هي القطعة.

2 -

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله قال: "إنما المسائل (2) كُلُوحٌ يَكْلَحُ بها الرجلُ وجههُ، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك إلا أن يسأل ذا سُلطانٍ، أو في أمرٍ لا يجدُ فيه بُداً" رواه أبو داود والنسائي والترمذي. وعنده المسألةُ كَدُّ يَكُدُّ بها الرجلُ وجهه. الحديث، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ: كَدٌّ في رواية: وَكُلُوحٌ في أخرى.

[الكلوح]: بضم الكاف آثار الخموش.

3 -

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: "المسألة كُلُوحٌ (3) في وجه صاحبها يوم القيامة، فمن شاء استبقى على وجهه" الحديث. رواه أحمد، ورواته كلهم ثقات مشهورون.

4 -

وعن مسعود بن عمروٍ رضي الله عنه أن النبي قال: "لا يزالُ العبدُ يسألُ وهو غنيٌّ حتى يَخْلَقَ (4) وجههُ فما يكون له عند الله وجهٌ" رواه

= والمرتشي والراتش" فالراتش هو الذي يرشي المرتشي من مال الراشي فيأخذ له الرشوة منه، فكل مال كسبه ذو الوجاهة عند السلطان من ذوي الحوائج إليه بجاهه فهو عند مالك رحمه الله سحت. والقضاء فيه أن يرد إلى أصحابه فإن لم يعلموا رفعه السلطان إلى بيت مال المسلمين، وروي أن النبي قال: "هدايا العمال من السحت" وقال ابن عمر رضي الله عنه: "هدايا الأمراء غلول" أهـ. ص 159 المدخل.

(1)

الشحاذة وسؤال الناس، ودناءة الفعل، وقلة المروءة.

(2)

الذي يسأل الناس.

(3)

عبوس؛ يقال: كلح الرجل، وأكلحه الهم. والمعنى أن الشحاذة دناءة وخسة، وتدل على رداءة الحال وانقلاب جمال الوجه.

(4)

يبلى ويصير خلقاً ممتهناً ذابلاً تذهب نضارته، ويزول بهاؤه من الشحاذة.

ص: 572

البزار والطبراني في الكبير، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.

5 -

وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: "من سأل الناس في غير فاقةٍ (1) نزلت به، أو عِيَالٍ (2) لا يُطيقهُم جاء يوم القيامة بوجهٍ ليس عليه لحمٌ".

6 -

وقال رسول الله: "من فتح على نفسهِ باب مسألةٍ من غير فاقةٍ نزلت به، أو عيالٍ لا يُطيقهم فتح الله عليه باب فاقةٍ (3) من حيثُ لا يحتسبُ" رواه البيهقي، وهو حديث جيد في الشواهد.

7 -

وعن عائذ بن عمروٍ رضي الله عنه: "أن رجلاً أتى النبي يسألهُ فأعطاهُ، فلما وضع رجلهُ على أُسْكُفَّةِ (4) الباب. قال رسول الله: لو يعلمون ما في المسألة (5) ما مشيَ أحدٌ إلى أحدٍ يسألهُ" رواه النسائي.

ورواه الطبراني في الكبير من طريق قابوس عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: "لو يعلم صاحب المسألة مَا لَهُ فيها لم يسئل".

8 -

وعن عمران بن حصينٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "مسألة الغنيِّ شَيْنٌ (6) في وجهه يوم القيامة" رواه أحمد بإسناد جيد والطبراني والبزار، وزاد: ومسألة الغني نارٌ (7) إن أُعْطِيَ قليلاً فقليلٌ، وإن أعطيَ كثيراً فكثيرٌ".

9 -

وعن ثوبان رضي الله عنه أن النبي قال: "من سأل مسألةً وهو عنها غنيٌّ كانت شيناً في وجهه يوم القيامة" رواه أحمد والبزار والطبراني، ورواة أحمد محتج بهم في الصحيح.

إن المسألة لا تحل لغني إلخ

10 -

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله

(1) حاجة.

(2)

أولاد وأهل وأسرة ينفق عليهم، وليس عنده شيء.

(3)

فقر ولا يشعر. والمعنى أن نفسه تميل إلى الذلة، وتنزع منه البركة.

(4)

كذا (ع ص 275)، وفي (ن د): في إسكفة.

(5)

من العذاب والضعة، وفيه الحث على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال، وذل الرد إذا لم يعط، ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل.

(6)

عيب.

(7)

عذاب يخلد له يوم القيامة يكون به، لأن عنده رزقاً يكفيه شر السؤال، وليس في حاجة للشحاذة.

ص: 573

قال: "من سأل وهو غنيٌّ عن المسألة يُحشرُ يوم القيامة وهي خُمُوشٌ (1) في وجهه" رواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به.

11 -

وعن مسعود بن عمروٍ رضي الله عنه عن النبي: "أنه أتيَ برجلٍ يُصَلَّى عليه فقال: كم ترك؟ قالوا: دينارين أو ثلاثةً. قال: ترك كَيَّتَيْنِ (2) أو ثلاثَ كَيَّاتٍ، فلقيتُ عبد الله بن القاسم مولى أبي بكرٍ فذكرتُ ذلك له، فقال له: ذاك رجلٌ كان يسألُ الناس تَكَثُّراً (3) " رواه البيهقي من رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني.

12 -

وعن حبشي بن جُنادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: "من سأل (4) من غير فقرٍ فكأنما يأكلُ الجمر (5) " رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي، ولفظه:"سمعت رسول الله يقول: الذي يسألُ من غيرِ حاجةٍ (6) كمثلِ الذي يلتقط الجمر" وراه الترمذي من رواية مُجالدٍ عن عامر بن حبشي أطول من هذا، ولفظه:"فأخذ بطرف ردائهِ فسألهُ إياهُ فأعطاهُ وذهبَ، فعند ذلك حُرِّمَتِ المسألةُ، فقال رسول الله: إن المسألة لا تَحِلُّ لغنيٍّ ولا الذي مِرَّةٍ سويٍّ إلا لذي فقرٍ مُدقعٍ أو غُرْمٍ مُقطِعٍ، ومن سأل الناس لِيُثْرِيَ (7) به مالهُ كان خُموشاً في وجههِ يوم القيامة، ورَضْفاً يأكلهُ من جهنم، فمن شاء فليقلل، ومن شاء فليكثر" قال الترمذي: حديث غريب، زاد فيه رزين:

(1) وهو خمش الوجه بظفر أو حديدة. والمعنى أن وجهه يظهر يوم القيامة فيه جروح وكدود وخطوط دليلاً على تشويهه، وذهاب رونقه لشحاذته، ودناءة صاحبه، وقد بَيَّنَ حد الغنى "قالوا: يا رسول الله: وما يغنيه؟ قال: ما يغديه أو يعشيه" رواه أحمد وأبو داود، وروى الخمسة "خمسون درهماً أو حسابها من الذهب".

(2)

يعذب بالكي بها في النار.

(3)

يطلب الغنى وزيادة المال، وعنده قوت يومه، وفيه دليل على أن سؤال التكثر محرم، وهو السؤال بقصد الجمع من غير حاجة.

(4)

كذا (ع ص 276)، وفي (ن د): من يسأل.

(5)

قال القاضي عياض: معناه أنه يعاقب بالنار قال: ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمراً يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة. أهـ.

(6)

فقر.

(7)

كذا (ع)، وفي (ط): ليتثرى.

ص: 574

"وإني لأعطي الرجلَ العَطيةَ فينطلق بها تحت إبطه، وما هي إلا النارُ، فقال له عمر: وَلِمَ تُعْطِي يا رسول الله ما هو نارٌ؟ فقال: أبى الله ليَ البُخل، وأبَوْا إلا مسألتي. قالوا: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: قدرُ ما يُغَدِّيهِ أو يُعَشِّيهِ" وهذه الزيادة لها شواهد كثيرة لكني لم أقف عليها في شيء من نسخ الترمذي.

[المرة]: بكسر الميم وتشديد الراء: هي الشدة والقوة.

[والسويّ] بفتح السين

من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً

13 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "من سأل الناس تَكَثُّراً، فإنما يسأل جمراً فَلْيَسْتَقِلَّ أو لِيَسْتَكْثِرْ" رواه مسلم وابن ماجة.

14 -

وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "من سأل الناس عن ظهر غنىً استكثر بها من رَضْفِ جهنم. قالوا: وما ظهرُ غنى؟ قال: عَشَاءُ ليلةٍ" رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند، والطبراني في الأوسط، وإسناده جيد.

15 -

وعن سهلِ بن الحنظلية رضي الله عنه قال: "قَدِمَ عُيَينَةُ بن حِصْنٍ، والأقرعُ بن حابسٍ رضي الله عنهما على رسول الله فسألاهُ فأمر معاوية فكتب لهما ما سألا، فأما الأقرعُ: فأخذ كتابه فَلَفَّهُ في عمامتهِ وانطلقَ، وأما عُيينةُ: فأخذ كتابهُ وأتى به رسول الله فقال: يا محمد أتُراني حاملاً إلى قومي كتاباً لا أدري ما فيه كصحيفةِ المُتَلَمِّسِ، فأخبر مُعاوية بقوله رسول الله، فقال رسول الله: من سأل وعنده ما يغنيهِ، فإنما يستكثرُ من النار" قال الطفيلي وهو أحد رواته: قالوا: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألةُ؟ قال: قدرَ ما يُغدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ" رواه أحمد واللفظ له، وابن حبان في صحيحه، وقال فيه: "من سأل شيئاً وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم. قالوا: يا رسول الله وما يغنيهِ؟ ما يغديه أو يعشيه كذا عنده بألفٍ" ورواه ابن خزيمة باختصار إلا أنه قال:

ص: 575

"قيل: يا رسول الله وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: أن يكون له شِبَعُ يومٍ وليلةٍ، أو ليلةٍ ويومٍ".

[قوله] كصحيفة المتلمس: هذا مثل تضرب العرب لمن حمل شيئاً لا يدري هل يعود عليه بنفع أو ضر. وأصله أن المتلمس، واسمه عبد المسيح قدم هو وطرفة العبدي على الملك عمرو ابن المنذر، فأقاما عنده فنِقمَ عليهما أمراً، فكتب إلى بعض عماله يأمره بقتلهما، وقال لهما إني قد كتبت لكما بصلة، فاجتازا البحيرة فأعطى المتلمس صحيفته فقرأها فإذا فيها الأمر بقتله فألقاها وقال لطرفة افعل مثل فعلي، فأبى عليه ومضى إلى عامل الملك فقرأها وقتله.

[قال الخطابي]: اختلف الناس في تأويله، يعني حديث سهل، فقال بعضهم: من وجد غداء يومه وعشاءهُ لم تَحِلَّ له المسألةُ على ظاهر الحديث، وقال بعضهم: إنما هو فيمن وجد غداءً وعشاءً على دائم الأوقاتِ، فإذا كان عنده ما يكفيه لِقُوتِهِ المدة الطويلةَ حَرُمَتْ عليه المسألةُ، وقال آخرون: هذا منسوخ بالأحاديث التي تقدم ذكرها يعني الأحاديث التي فيها تقدير الغنى بملك خمسين درهماً، أو قيمتها، أو بملك أوقية، أو قيمتها.

[قال الحافظ] رضي الله عنه: ادعاء النسخ مشترك بينهما، ولا أعلم مرجحاً لأحدهما على الآخر. وقد كان الشافعي رحمه الله يقول: قد يكون الرجل بالدرهم غنياً مع كسبه ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه، وكثرة عياله، وقد ذهب سفيان الثوري، وابن المبارك، والحسن ابن صالح وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية إلى أن من له خمسون درهماً، أو قيمتها من الذهب لا يدفع إليه شيء من الزكاة. وكان الحسن البصري، وأبو عبيدة يقولان: من له أربعون درهماً فهو غني، وقال أصحاب الرأي: يجوز دفعها إلى من يملك دون النصاب، وإن كان صحيحاً مكتسباً مع قولهم من كان له قوت يومه لا يحل له السؤال استدلالاً بهذا الحديث وغيره، والله أعلم.

16 -

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "من سأل الناس لِيُثْرِيَ (1) مالهُ، فإنما هي رَضْفٌ من

(1) يكثر ماله. يا عجباً! يتخذ الشحاذة باب غنى، ويسأل الناس فيعذبه الله يوم القيامة بجمع ما يأخذ، ويحمى عليه في جهنم، ثم يكوى به، ثرى القوم يثرون: كثر مالهم، وأثرى إثراءً: استغنى.

ص: 576

النار مُلْهَبَةٌ (1) فمن شاء فَلْيُقِلَّ، ومن شاء فَلْيُكْثِرْ" رواه ابن حبان في صحيحه.

[الرضف] بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة بعدها فاء: الحجارة المحماة.

17 -

ورويَ عن حكيم بن حزامٍ رضي الله عنه قال: "جاء مَالٌ من البَحْرَيْنِ فدعا النبي العباس رضي الله عنه فَحَفَنَ (2) له، ثم قال: أزِيدُكَ؟ قال: نعم، فَحَفَنَ له، ثم قال: أزيدُكَ؟ قال: نعم، فَحَفَنَ لهُ، ثم قال: أزيدك؟ قال: نعم، فحفن له، ثم قال: أزيدك؟ قال: نعم. قال: أبْقِ لمن بعدك ثم دعا بي، فَحَفَنَ لي، فقلتُ يا رسول الله: خيرٌ لي أو شرٌّ لي؟ قال: لا. بل شَرٌّ (3) لك فرددتُ عليه ما أعطاني، ثم قلتُ: لا والذي نفسي بيده لا أقبلُ من أحدٍ عطيةً بعدك. قال محمد بن سيرين: قال حكيمٌ: فقلت يا رسول الله ادعُ الله أن يبارك لي. قال اللهم بارك له في صفقةِ (4) يده" رواه الطبراني في الكبير.

18 -

وعن أسْلَمَ قال: "قال لي عبد الله بن الأرقم. أدْلِلْنِي (5) على بعيرٍ من العطايا أستحملُ عليه أمير المؤمنين. قلت: نعم جَمَلٌ من إبلِ الصدقةِ، فقال عبد الله بن الأرقم: أتُحِبُّ لو أن رجلاً بادناً في يومٍ حارٍّ غسل ما تحت إزاره ورُفْغَيْهِ، ثم أعطاكهُ فشربتهُ. قال: فغضبتُ وقلتُ يغفرُ الله لك لِمَ تقول مثل هذا لي؟ قال: فإنما الصدقة أوساخُ الناس يغسلونها عنهم" رواه مالك.

[البادن]: السمين.

[والرفغ] بضم الراء وفتحها، وبالغين المعجمة: هو الإبط، وقيل: وسخ الثوب، والأرفاغ: المغابن التي يجتمع فيها العرق والوسخ من البدن.

19 -

وعن علي رضي الله عنه قال: قُلتُ للعباس سَلِ النبي

(1) نار موقدة.

(2)

أعطاه حفنة.

(3)

الأخذ شر لأنه يدعو إلى سؤالك يوم القيامة.

(4)

يبارك له في عهده وميثاقه لأن المتعاهدين يضع أحدهما يده في يد الآخر كما يفعل المتبايعان، ومنه حديث ابن عمر رضي الله عنهما "أعطاه صفقة يده وثمرة قلبه" دعا له بالقناعة والرضا، وقد كان، فما سأل أحداً بعدئذ، وفيه أن الأحسن للفقير أن يأخذ عملاً، ويرضى به، ولا يلجأ إلى السؤال ومذلة الرجال.

(5)

أرشدني، لم يرض أن يحمل على بعير لأنه حثالة الناس مثل الفضالة الباقية من غسل الجسم على قذارتها وعزوف النفس عنها، وميلها إلى الطاهر المحبوب.

ص: 577

يستعملك (1) على الصدقة، فسألهُ قال: ما كنتُ لأستعملك على غُسَالَةِ (2) ذنوب الناس" رواه ابن خزيمة في صحيحه.

20 -

وعن أبي عبد الرحمن عوف بن مالكٍ الأشجعي رضي الله عنه قال: "كنا عند رسول الله تسعةً، أو ثمانيةً، أو سبعةً، فقال ألا تُبايعون رسول الله، وكنا حديث عهدٍ (3) ببيعةٍ، فقلنا قد بايعناك يا رسول الله، فقال: قال ألا تُبايعون رسول الله فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله فَعَلَامَ نُبايعك؟ قال: أن تعبدوا (4) الله، ولا تشركوا به شيئاً، والصلواتِ (5) الخمس، وتُطيعوا (6)، وأسَرَّ كلمةً خفيَّةً، ولا تسألوا (7) الناس، فلقد رأيتُ بعض أولئك النفر يسقطُ سَوْطُ أحدهم فما يسألُ أحداً يُناولهُ إياهُ (8) " رواه مسلم والترمذي والنسائي باختصار.

(1) اطلب منه أن يوظفك عاملاً تجمع الصدقات وتحفظها لتخزن فتنفق في مصالح المسلمين.

(2)

ما غسلت به الشيء ونظفته به: أي البقية الباقية. يرهب من الشحاذة والسؤال، ويبين أن الصدقة تطهر صاحبها من البخل كما يطهر الماء الدنس، فهي مثل الماء الذي نظف، فمن أخذها أخذ أوساخ الناس، وتحمل قذارتهم وكان أداة طهارتهم من الشح، فلا يرضى بها إلا الفقير المحتاج فقط، أما القادر على الكسب فيتعفف ويتنحى عن قبولها.

(3)

عبارة عن المعاقدة على الإسلام والمعاهدة على العمل بأمور الدين كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، ودخيلة أمره.

(4)

توحدوه تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، وتخلصوا له العبادة.

(5)

تؤدوها كاملة تامة.

(6)

تتبعوا أوامر الله تعالى وتنفذوها، وتطيعوا أولياء الأمور.

(7)

ارضوا بما قسم الله لكم، واجتنبوا السؤال، ولا تطلبوا من الناس شيئاً. نهى عن السؤال الذي كان على طريق التكلف والتعنت، وكذا سؤال الناس أموالهم من غير حاجة، فالنهي يشمل اثنين:

(أ) التبجح في السؤال فلا فائدة.

(ب) الشحاذة.

(8)

يعلم الاعتماد على النفس، وقيامها بأعمالها بلا التجاء إلى مخلوق، وغرس غريزة الاعتماد والشجاعة، وقضاء الحاجة بهمة، ولقد سمعوا العظة من رسول الله فقاموا بأعمالهم خير قيام حتى كان السوط يسقط فيأخذه بنفسه بلا سؤال أحد. هذا هو دين الله تعالى، وحبيبه يذم الإمعة الوكل ضعيف العزيمة، وهي الإرادة يلجأ إلى الناس في أعماله، ويمدح قوي العزيمة النافذ الكلمة السباق إلى عمله:

لا تحسبن ذهاب نفسك ميتة

ما الموت إلا أن تعيش مذللا

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم =

ص: 578

إن حبي أمرني أن لا أسأل الناس شيئاً

21 -

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: "بايعني رسول الله خمساً، وأوثقني سبعاً، وأشهد الله على سبعاً: أن لا أخاف في الله لومة لائمٍ، قال أبو المثنى قال أبو ذر، دعاني رسول الله فقال: هل لك إلى البيعةِ، ولك الجنةُ قلت: نعم، وبسطتُ يدي، فقال رسول الله: وهو يشترطُ عليَّ أن لا أسألَ الناس شيئاً؟ قلتُ: نعم. قال: ولا سَوْطَكَ إن سقطَ منكَ حتى تنزلَ فتأخذهُ".

وفي روايةٍ: "أن النبي قال: ستة أيامٍ، ثم اعقل يا أبا ذر: ما يُقالُ لك بَعْدُ، فلما كان اليوم السابعُ قال: أوصيك بتقوى الله في سرِّ أمرك (1) وعلانيتهِ وإذا أسأت فأحسنْ (2)، ولا تسألنَّ أحداً شيئاً، وإن سقط سَوْطَكَ ولا تقبضنَّ أمانةً (3) " رواه أحمد، ورواته ثقات.

22 -

وعن ابن مُليكةَ قال: "ربما سقط الخطامُ من يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيَضْرِبُ بذراعِ ناقتهِ فَيُنِيخُهَا (4) فيأخذهُ. قال فقالوا له: أفلا أمرتنا فَنُنَاوِلَكَهُ؟ قال: إن حِبِّي (5)

أمرني أن لا أسأل الناس شيئاً" رواه أحمد، وابن أبي مليكة لم يدرك أبا بكر رضي الله عنه.

= وتعظم في عين الصغار صغارها

وتصغر في عين العظيم العظائم

الله تعالى كفل الأرزاق وتعهد بالقوت وحفظ العمر فلماذا السؤال؟ وقد قال تعالى: "فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه" وما أحسن قول الشاعر:

ولو مد نحوي حادث الدهر كفه

لحدثت نفسي أن أمد له يدا

توقد عزمي يترك الماء جمرة

وحيلة حلمي تترك السيف مبردا

وأظمأ إن أبدى لي الماء منة

ولو كان لي نهر المجرة موردا

ولو كان إدراك الهدى بتذلل

رأيت الهدى أن لا أميل إلى الهدى

هذا ابن سناء الملك المتوفى سنة 608 هـ، يعني أنه عيوف يكره كل ما فيه امتنان عليه حتى في الماء الذي هو حياة الأنفس، ولا يتحمل ذل السؤال مهما كان مورد النعمة. المجرة: قطعة في السماء واسعة تشبه المكان المتسع من النهر، ثم يعني أن الهداية لو كانت بتذلل لكان من الحق تركها وقد سبقه سيدنا قرة العيون ومربي النفوس، قال أبو ذر:"يشترط عليَّ ألا أسأل الناس شيئاً".

(1)

اخش الله في الخفية والجهر.

(2)

إذا صدر منك ذنب فأحسن، واستعمل الرأفة والأدب والكمال والعفو وحسن الخلق.

(3)

اجتنب حفظ الأمانة عندك خشية ألا تقوم بها تماماً، فتعذب على تقصيرك في حفظها.

(4)

كذا (ع ص 280)، وكذا (د)، وفي (ط): فينحيها.

(5)

حبيبي. أيها المسلم: أمير المؤمنين، وأفضل المسلمين يمد يده بنفسه، وينيخ =

ص: 579

[الخطام] بكسر الخاء المعجمة: هو ما يوضع على أنف الناقة وفمها لتقاد به.

ما أوصى به أبا ذر

23 -

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "من يبايعُ؟ فقال ثوبان مولى رسول الله بايعنا يا رسول الله. قال على أن لا تسأل أحداً شيئاً، فقال ثوبانُ: فمالهُ يا رسول الله؟ قال: الجنةُ: فبايعهُ ثوبان. قال أبو أمامة: فلقد رأيتهُ بمكةَ في أجمعِ ما يكونُ من الناس يسقُطُ سَوْطُهُ وهو راكبٌ، فربما وقعَ على عاتقِ رجلٍ فيأخذهُ الرجلُ فيناولهُ فما يأخذهُ حتى يكون هو ينزلُ فيأخذهُ" رواه الطبراني في الكبير من طريق علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة.

24 -

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: "أوصاني خليلي: بسبعٍ: بِحُبِّ المساكين (1)، وأن أدنو (2) منهم، وأن أنظر إلى من هو أسفلُ مني (3)، ولا أنظر إلى من هو فوقي (4)، وأن أصلَ رحمي (5) وإن جفاني، وأن أكثرَ من قول:

= ناقته، فيأخذ خطامها ليعمل بأمره، فهل لك أن تقتدي به، وتتكل على الله وحده، وتقوم بأعمالك خير قيام.

غرائز الاجتماع من علم النفس ينميها قوله: "لا تسأل الناس شيئاً".

تصور أيها العزيز ملكاً حاز أبهة الملك وجمع صفاتي المروءة والشجاعة وعقدت الخناصر على محبته ويركب ناقته في سفر وحوله جمع محتشد يتمنى خدمته وطوع إشارته فيسق حبل ناقته فيحضره بنفسه ويقول القولة الصحيحة والمثل العالية في تربية النفوس على الاعتماد على النفس: "إن حبي أمرني أن لا أسأل الناس شيئاً" الحديث.

والآن علماء التربية يدرسون غرس الفضائل في نفوس النشء، ليترعرع عليها، وها هو سيدنا رسول الله يباع الناس على الاتكال على الله، والعمل المتقن.

ما حك جلدك مثل ظفرك

فتول أنت جميع أمرك

يقولون تجب:

أولاً: تربية عادة الإقدام في نفوس الأحداث.

ثانياً: قوة الإرادة الحازمة.

ثالثاً: بث الأفكار الصالحة.

رابعاً: الوسيلة المانعة والدافعة.

خامساً: قوة الفكر والتفكير.

سادساً: وجدان الفضيلة والدين والمروءة.

سابعاً: المحافظة على الشرف والبقاء والثناء.

ثامناً: حب الاطلاع.

تاسعاً: المنافسة.

هذه نظريات قل من كثر في تكوين العادات الحسنة الاجتماعية في الإنسان جمعها في جملة لينهى الناس عن الدعة والذلة وحب التوكل ويغرس فيهم الخلال المنتجة والصفات الداعية إلى المحامد والمكارم، وتلك حادثة مولى رسول الله (فبايعه ثوبان) وقد شهد صادق أن سوطه وقع فلم يأخذه من أحد، وأخذه وحده.

(1)

العطف على الفقراء ومجالستهم وإكرامهم، والإحسان إليهم.

(2)

أتقرب.

(3)

أقل مني في المال والصحة والبنين لأرضى بنعمة ربي وأشكره على إحسانه فأنال أجراً.

(4)

أكثر مني مالاً وجاهاً وصحةً وقوةً.

(5)

أن أود أهلي وأقاربي ذكوراً وإناثاً وأحسن إليهم.

ص: 580

لا حول ولا قوة إلا بالله (1)، وأن أتكلم بِمُرِّ الحق، ولا تأخذني في الله لومةُ لائمٍ (2)، وأن لا أسأل الناس شيئاً" رواه أحمد والطبراني من رواية الشعبي عن أبي ذر، ولم يسمع منه.

اليد العليا خير من اليد السفلى

25 -

وعن حكيم بن حزامٍ رضي الله عنه قال: "سألتُ رسول الله فأعطاني، ثم سألتهُ فأعطاني، ثم سألتهُ فأعطاني، ثم قال: يا حكيم! هذا المالُ خَضِرٌ حُلْوٌ، فمن أخذهُ بسخاوةِ نفسٍ بُوركَ له فيه، ومن أخذهُ بإشرافِ نفسٍ لم يُباركْ له فيه، وكان كالذي يأكلُ ولا يشبعُ، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى. قال حكيمٌ: فقلتُ: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرْزَأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفَارِقَ الدنيا، فكان أبو بكرٍ رضي الله عنه يدعو حكيماً ليعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه شيئاً، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاهُ ليعطيه العطاء، فأبى أن يقبلهُ، فقال يا معشر المسلمين: أشهدكم على حكيمٍ أني أُعْرِضُ عليه حقهُ الذي قسمَ الله له في هذا الفيء، فيأبى أن يأخذهُ، ولم يَرْزَأ حكيمٌ أحداً من الناس بعد النبي حتى تُوُفيَّ رضي الله عنه" رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي باختصار.

[يرزأ] براء، ثم زاي، ثم همزة: معناه لم يأخذ من أحد شيئاً.

[وإشراف النفس] بكسر الهمزة، وبالشين المعجمة وآخره فاء: هو تطلعها وطمعها وشرهها.

[وسخاوة النفس]: ضد ذلك.

26 -

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "من يكفل (3) لي أن لا يسأل الناس شيئاً أتكفل له بالجنة، فقلتُ: أنا، فكان لا يسألُ أحداً شيئاً" رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، وأبو داود بإسناد صحيح. وعن ابن ماجة قال:"لا تسأل الناس شيئاً. قال: فكان ثوبان يقعُ سوطهُ وهو راكبٌ، فلا يقولُ لأحدٍ ناولنيهِ حتى ينزلَ فيأخذهُ".

27 -

وعن عبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه أن رسول الله

(1) أن أجعلها ورداً صباح مساء.

(2)

لا يهمني في الحق أحد كثير العتب والتعنيف.

(3)

يضمن.

ص: 581

قال: "ثلاثٌ: والذي نفسي بيده إن كنتُ لحالفاً (1)

عليهنَّ: لا ينقصُ مالٌ من صدقةٍ فتصدقوا، ولا يعفو (2) عبدٌ عن مظلمةٍ إلا زادهُ الله بها عزاً يوم القيامة، ولا يفتحُ عبدٌ باب مسألةٍ (3) إلا فتح الله عليه باب فقرٍ" رواه أحمد، وفي إسناده رجل لم يُسَمَّ، وأبو يعلى والبزار، وتقدم في الإخلاص من حديث أبي كبشة الأنماري مطولاً، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ورواه الطبراني في الصغير من حديث أم سلمة، وقال في حديثه: ولا عفا رجلٌ عن مظلمةٍ إلا زادهُ الله بها عزاً فاعفوا يُعِزُّكُمُ اللهُ، والباقي بنحوه.

28 -

وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: "قال عمر رضي الله عنه يا رسول الله: لقد سمعتُ فلاناً وفلاناً يُحسنان الثناء يذكران أنك أعطيتهما دينارين. قال: فقال النبي: والله لكنَّ فلاناً ما هو كذلك لقد أعطيتهُ ما بين عشرةٍ إلى مائةٍ فما يقول ذلك، أمَا والله إن أحدكم ليخرج (4) مسألتهُ من عندي يتأبطها، يعني تكون (5) تحت إبطهِ ناراً، فقال: قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله: لِمَ تُعطيها إياهم؟ قال فما أصنعُ؟ يأبون (6) إلا ذلك، ويأبى الله ليَ البخل (7) " رواه أحمد وأبو يعلى، ورجال أحمد رجال الصحيح.

(1) لمقسماً بالله كذا (ع)، و (د)، وفي (ن ط): لحالفها. يريد أن الإنفاق لله يزيد المال، ولا ينقصه. قال المتنبي:

ومن ينفق الساعات في جمع ماله

مخافة فقر فالذي فعل الفقر

ثم أمر بالتصدق والإحسان رجاء الغنى والسعادة.

وما ضاع مال ورث الحمد أهله

ولكن أموال البخيل تضيع

وقال تعالى: "إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم"(19 من سورة الحديد).

يا أخي يخبرك سبحانه بالمضاعفة، وزيادة الخير والنعم والثواب للمتصدقين والمتصدقات.

(2)

كذا (ع ص 280)، وفي (ن د): يعف، والمعنى لا يصفح إنسان لله ولا يسامح لله ولا يتغاضى عن هفوته طلباً لمرضاة الله إلا أحاطه الله بصنوف الحفظ والمعالي والإكرام. قال تعالى:"فمن عفا وأصلح فأجره على الله"(40 من سورة الشورى).

(3)

حاجة وذل، والالتجاء إلى مخلوق في قضاء وطره. وفيه الحث على الصدقة، والغض عن الإساءة والقناعة والمحافظة على عزة النفس. قال الشاعر:

غنى النفس ما يكفيك من سد خلة

فإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقراً

(4)

كذا (ع ود ص 281)، وفي (ن ط): لتخرج مسألته.

(5)

يعني أنها تسبب له النار والعذاب والهلاك.

(6)

يكثرون الإلحاح.

(7)

ولا يحب الله لي الشح.

ص: 582

وفي روايةٍ جيدةٍ لأبي يعلى: "وإن أحدكم ليخرج بصدقتهِ من عندي مُتأبطها، وإنما هي له نارٌ. قلتُ: يا رسول الله كيف تُعطيهِ وقد علمت أنها له نارٌ؟ قال: فما أصنعُ يأبون إلا مسألتي (1)، ويأبى الله عز وجل ليَ البُخلَ (2) ".

29 -

وعن أبي بشرٍ قُبيصةَ بن المخارقِ رضي الله عنه قال: "تحملتُ حمالةً، فأتيتُ رسول الله أسألهُ فيها فقال: أقمْ حتى تأتينا الصدقة فنأمرَ لك بها، ثم قال: يا قُبيصةُ: إن المسألة لا تَحِلُّ إلا لأحد ثلاثةٍ: رجلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ له المسألةُ حتى يُصيبها ثم يُمسِكَ، ورجلٍ أصابتهُ جائحةٌ اجتاحتْ مالهُ فَحَلَّتْ له المسألةُ حتى يُصيبَ قِوَاماً من عَيْشٍ، أو قال: سِدَاداً من عيشٍ، ورجلٍ أصابتهُ فاقةٌ حتى يقولَ ثلاثةٌ من ذوي الحِجَى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقةٌ، فَحَلَّتْ لهُ المسألةُ حتى يُصيبَ قِوَاماً من عيشٍ، أو قال سِدَاداً من عيشٍ، فما سِوَاهُنَّ من المسألةِ. يا قبيصةُ سُحْتٌ يأكلها صاحبها سُحْتاً (3) " رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

[الحمالة] بفتح الحاء المهملة: هو الدية يتحملها قوم من قوم، وقيل: هو ما يتحمله المصلح بين فئتين في ماله ليرتفع بينهم القتال ونحوه.

[والجائحة]: الآفة تصيب الإنسان في ماله.

[والقوام] بفتح القاف، وكسرها أفصح: هو ما يقوم به حال الإنسان من مال وغيره.

[والسداد] بكسر السين المهملة: هو ما يسد حاجة المعون ويكفيه.

[والفاقة]: الفقر والاحتياج.

[والحجى] بكسر الحاء المهملة مقصوراً: هو العقل.

30 -

وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله:

(1) الطلب مني بإلحاف، ولم يتركوها للمحتاجين الفقراء.

(2)

ويريد الله عز وجل أن يشمله بكرمه وأن يقيه شر البخل، ويجعل اسمه جواداً سمحاً يعطي الكثير ولا يخشى الفقر.

(3)

يبين أن الإسلام عمل وعزة نفس وكرامة وشرف، ويحذر من الامتهان والضعة وذل السؤال، وأباح سؤال الناس لثلاثة:

(أ) رجل أصلح بين متحاربين ووقف القتال بين طائفتين وتحمل الدية والغرامة، والإنفاق على ما يجلب المودة والمحبة بينهما وأبطل سفك الدماء وإراقته هدراً، وتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين، فله أن يسأل الناس ليعاونوه على هذه المهام الشاقة.

(ب) من كان غنياً وافتقر، ولا يقدر على الكسب.

(جـ) الفقراء والمساكين الضعفاء الذين يشهد لهم أصحاب العقول الراجحة السليمة. غير أولئك باطل وحرام ونار في بطون الشحاذين.

ص: 583

"استغنوا عن الناس، ولو بِشَوْصِ (1) السواك" رواه البزار والطبراني بإسناد جيد والبيهقي.

إن الله يحب الغني الحليم المتعفف

31 -

ورويَ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: "لا يؤمن عبدٌ (2) حتى يأمن جارُهُ بوائقهُ (3)، ومن كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخر، فلْيُكْرِمْ ضيفهُ (4)، ومن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر: فليقل خيراً، أو ليسكت إن الله يحب الغني الحليم المتعفف (5)، ويبغضُ البذيَّ (6) الفاجر (7) السائل (8) المُلِحَّ (9) " رواه البزار.

32 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "عُرِضَ عليَّ أول ثلاثةٍ يدخلون الجنة، وأول ثلاثةٍ يدخلون النار، فأما أول ثلاثةٍ يدخلون الجنة: فالشهيدُ (10)، وعبدٌ مملوكٌ أحْسَنَ عبادة ربه، ونصحَ لسيدهِ (11)، وعفيفٌ (12) مُتعففٌ ذو عيالٍ (13) " رواه ابن خزيمة في صحيحه، وتقدم بتمامه في منع الزكاة.

33 -

وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوفٍ عن أبيه رضي الله عنه قال: "كانت لي عند رسول الله عدةٌ، فلما فُتحت قُريظة جتُ لِيُنْجِزَ إليَّ ما وعدني فسمعتهُ يقول: من يستغنِ (14) يُغْنِهِ (15) الله، ومن يقنع (16) يُقنِّعْهُ (17) الله

(1) بتنظيفه، شصت شوصاً: غسلت غسلاً: أي ولو بغسالته، وقيل: بما يتفتت منه عند التسوك، وكان يشوص فاه بالسواك: أي يدلك أسنانه وينقيها.

(2)

مسلم.

(3)

مهلكاته وضرره.

(4)

يحسن إليه ويبذل ما عنده ثقة بالله المعطي المخلف.

(5)

الذي لا يسأل الناس.

(6)

قبيح اللسان.

(7)

الفاسق.

(8)

كثير السؤال.

(9)

الشحاذ.

(10)

الذي مات مجاهداً في سبيل نصر دين الله.

(11)

أدى حقوق الله وحقوق سيده، وحفظ ماله، وراعى الأمانة.

(12)

أي يطلب العفاف والتعفف وهو الكف عن الحرام والسؤال من الناس وتكلف الصبر والنزاهة عن الشيء.

(13)

له أسرة ينفق عليها وأهل وأولاد، وجد في عمل وقنع برزق الله ومنه الحديث:"اللهم إني أسألك العفة والغنى".

(14)

يترك سؤال الناس.

(15)

يرزقه الله الغنى والسعادة.

(16)

يرض بالقليل ويملأ قلبه إيماناً بربه وقناعة، والقنوع: الرضى باليسير من العطاء، وقنع يقنع قنوعاً بالفتح: سأل. وقنع يقنع قنوعاً وقناعة بالكسر: رضى، ومنه: القناعة كنز لا ينفذ، لأن الإنفاق منها لا ينقطع كلما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي، ومنه حديث:"عز من قنع وذل من طمع" لأن القانع لا يذله الطالب فلا يزال عزيزاً.

(17)

يرضه الله تعالى بما أعطى، ويفتح له باب رحماته.

ص: 584

فقلتُ في نفسي لا جرم (1) لا أسأله شيئاً" رواه البزار، وأبو سلمة لم يسمع من أبيه، قاله ابن معين وغيره.

34 -

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: "وهو على المنبرِ، وذكر الصدقة، والتعففَ عن المسألةِ: اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، والعليا: هي المنفقةُ، والسفلى: هي السائلة" رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وقال أبو داود: اختلف على أيوب عن نافع في هذا الحديث. قال عبد الوارث: اليد العليا المتعففةُ. وقال أكثرهم عن حماد ابن يزيد عن أيوب المنفقة، وقال واحد عن حماد: المتعففة.

[قال الخطابي]: رواية من قال: المتعففة أشبه وأصح في المعنى، وذلك أن ابن عمر ذكر أن رسول الله ذكر هذا الكلام وهو يذكر الصدقة، والتعفف عنها، فعطف الكلام جزم على سببه الذي خرج عليه وعلى ما يطابقه في معناه أولى، وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا أن يد المعطي مستعلية فوق يد الآخذ، يجعلونه من علو الشيء إلى فوق، وليس ذلك عندي بالوجه، وإنما هو من علا المجد والكرم، يريد التعفف عن المسألة والترفع عنها، انتهى كلامه، وهو حسن.

35 -

وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "الأيدي ثلاثةٌ: فَيَدُ الله العليا، ويدُ المعطي التي تليها، ويدُ السائل السفلى (2) إلى يوم القيامة، فاستعفف (3) عن السؤال، وعن المسألة ما استطعت، فإن أُعطيتَ شيئاً أو قال خيراً فَلْيُرَ عليك (4)، وابدأ بمن تعول (5)، وارضخ من الفضل (6)، ولا تُلَامُ

(1) هذه كلمة ترد بمعنى تحقيق الشيء: أي حقاً، أو لابد. قال تعالى:"لا جرم أن لهم النار" أي ليس الأمر كما قالوا، ثم ابتدأ فقال: وجبت لهم النار: اي قد وجب أن لا أسأله شيئاً، واستفاد الصحابي من حديثه العظة والقناعة والاعتماد على الله والثقة به سبحانه.

(2)

السائلة الممدودة للعطاء.

(3)

اطلب العفاف.

(4)

فلتظهر نعمة الله عليك بحمده وتقنع وتتجمل وتنفق.

(5)

قدم في النفقة المهم من أقاربك وأهلك.

(6)

أي أعط من نعمة الله وجد، والرضخ: العطية القليلة: أي تصدق على قدر طاقتك.

واقنع بما قسم الله الكريم ولا

تبسط يديك لنيل الرزق من أحد

أقوال الشعراء في القناعة:

وأكل كسيرة في جنب بيتي

أحب إليَّ من أكل الرغيف =

ص: 585

على الكفاف" رواه أبو يعلى، والغالب على رواته التوثيق، ورواه الحاكم، وصحح إسناده.

= ولبس عباءة وتقر عيني

أحب إليَّ من لبس الشفوف

هي القناعة فالزمها تعش ملكا

لو لم يكن منك إلا راحة البدن

وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها

هل راح منها بغير القطن والكفن

قنعت بالقوت من زماني

وصنت نفسي عن الهوان

خوفاً من الناس أن يقولوا

فضل فلان على فلان

من كنت عن ماله غنيا

فلا أبالي إذا جفاني

ومن رآني بعين نقص

رأيته بالتي رآني

ومن رآني بعين تم

رأيته كامل المعاني

إذا المرء عوفي في جسمه

وملكه الله قلباً قنوعاً

وألقى المطامع عن نفسه

فذاك الغنيُّ ولو مات جوعا

والنفس تجزع أن تكون فقيرة

والفقر خير من غنى يطغيها

وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت

فجميع ما في الأرض لا يكفيها

إن القنوع نفيس النفس راشدها

وهو الغنى الذي يحيا بلا نصب

وذو المطامع مغرور ومفتقر

ولو حوى ملك سلطان وعلم نبي

أفادتني القناعة كل عز

وهل عز أعز من القناعة

ولقد طلبت رضا البرية جاهداً

فإذا رضاهم غاية لا تدرك

وأرى القناعة للفتى كنزاً له

والبر أفضل ما به يتمسك

إذا أنت طالبت الرجال نوالهم

فعف ولا تطلب بجهد فتنكد

وللإمام علي كرم الله وجهه:

قدم لنفسك في الحياة تزوداً

فلقد تفارقها وأنت مودع

واجعل تزودك المخافة والتقى

فلعل حتفك في مسائك أسرع

واقنع بقوتك فالقناع هو الغنى

والفقر مقرون بمن لا يقنع

وله أيضاً:

صن النفس واحملها على ما يزينها

تعش سالما والقول فيك جميل

ولا ترين الناس إلا تجملا

نبا بك دهر أو جفاك خليل

وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد

عسى نكبات الدهر عنك تزول

يعز غنى النفس إن قل ماله

ويغنى غنى المال وهو ذليل

ولا خير في ود امرئ متلون

إذا الريح مالت مال حيث تميل

جواد إذا استغنيت عن أخذ ماله

وعند احتمال الفقر عنك بخيل

فما أكثر الإخوان حين تعدهم

ولكنهم في النائبات قليل

وللإمام الشافعي رضي الله عنه:

ولا ترج السماحة من بخيل

فما في النار للظمآن ماء =

ص: 586

يد السائل السفلى

36 -

وعن مالك بن نضلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "الأيدي ثلاثةٌ: فَيَدُ الله العليا، ويَدُ المعطي التي تليها، ويدُ السائل السفلى، فأعطِ (1) الفضل، ولا تعجز عن نفسك" رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه، واللفظ له.

37 -

وعن حكيم بن حزامٍ (2) رضي الله عنه قال: قال رسول الله:

= ورزقك ليس ينقصه التأني

وليس يزيد في الرزق العناء

إذا ما كنت ذا قلب قنوع

فأنت ومالك الدنيا سواء

ولقيس بن الخطيم:

وكل شديدة نزلت بقوم

سيأتي بعد شدتها رخاء

ولا يعطى الحريص غني لحرص

وقد ينمي على الجود الثراء

غنى النفس ما عمرت غنى

وفقر النفس ما عمرت شقاء

وليس بنافعٍ ذا البخل مال

ولا مزر بصاحبه السخاء

ولأبي الفتح البستي:

أحسن إذا كان إمكان ومقدرة

فلن يدوم على الإحسان إمكان

فالروض يزدان بالأنوار فاغمة

والحر بالعدل والإحسان يزدان

صن حر وجهك لا تهتك غلالته

فكل حر لحر الوجه صوان

دع التكاسل في الخيرات تطلبها

فليس يسعد بالخيرات كسلان

كفى من العيش ما قد سد من عوز

ففيه للحر فتيان وغنيان

وذو القناعة راض من معيشته

وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان

واقنع إذا حاربت بالسلامة

واحذر فعالا توجب الندامة

واقنع بما أعطاك من فضله

واشكر لموليك على نعمته

ولصلاح الدين الصفدي:

من جاء ساد وأحيا العالمون له

بديع حمد بمدح الفعل متصل

من رام نيل العلا بالمال يجمعه

من غير حل بلى من جهل وبلى

(1)

تصدق بما زاد عن حاجتك، وجد عن سعة. قال تعالى:"ويسألونك ماذا ينفقون؟ قل العفو" أي الباقي عن حاجتك. قال البيضاوي: قيل سائله عمرو بن الجموح، سأل أولاً عن المنفق والمصرف، ثم سأل عن كيفية الإنفاق. والعفو: سقيص الجهد، ومنه يقال للأرض السهلة، وهو أن ينفق ما تيسر له بذله، ولا يبلغ منه الجهد. قال:

خذي العفو مني تستديمي مودتي

ولا تنطقي في سورتي حين أغضب

وروي "أن رجلاً أتى النبي ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم، فقال: خذها مني صدقة فأعرض عليه الصلاة والسلام عنه حتى كرر عليه مراراً، فقال: هاتها مغضباً، فأخذها فحذفها حذفاً لو أصابه لشجه، ثم قال: يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى" انتهى.

(2)

قال الشرقاوي: هو الأسدي المكي ولد بجوف الكعبة فيما حكاه الزبير بن بكار، وهو ابن أخي أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وعاش مائة وعشرين سنة شطرها في الجاهلية، وشطرها في الإسلام =

ص: 587

"اليد العليا (1) خيرٌ من اليد السفلى (2)، وابدأ بمن تعول (3)، وخيرُ الصدقةِ ما كان عن ظهر غنىً (4)، ومن يستعفَّ (5) يُعِفَّهُ (6) الله، ومن يستغنِ (7) يُغنهِ الله (8) " رواه البخاري واللفظ له، ومسلم.

38 -

وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه: "أن أُناساً من الأنصار سألوا رسول الله فأعطاهم، ثم سألوهُ فأعطاهم، ثم سألوهُ فأعطاهم، حتى إذا نفد (9) ما عنده قال: ما يكون عندي من خيرٍ فلن أدخرهُ عنكم (10)، ومن استعفَّ يُعِفَّهُ الله، ومن يستغنِ يُغنهِ الله، ومن يتصبر (11) يُصَبِّرْهُ الله (12)، وما أعطى الله أحداً عطاء هو خيرٌ له، وأوسعُ من الصبر (13) " رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

39 -

وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه قال: "جاء جبريل إلى النبي فقال يا محمد: عش ما شئت فإنك ميتٌ، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به،

= وأعتق مائة رقبة، وحج في الإسلام، ومعه مائة بدنة، ووقف بعرفة بمائة رقبة في أعناقهم أطواق الفضة منقوش عيها عتقاء الله عن حكيم بن حزام، وأهدى ألف شاة، ومات بالمدينة سنة خمسين أو أربع أو ثمان وخمسين، أو سنة ستين. أهـ.

(1)

المنفقة.

(2)

السائلة.

(3)

أي يجب عليك نفقته من القوت والكسوة وغيرهما، زاد النسائي:"أمك وأباك وأختك ثم أدناك أدناك" وعنده أيضاً عن أبي هريرة: "قال رجل: يا رسول الله عندي دينار. قال: تصدق به على نفسك. قال: عندي آخر. قال تصدق به على زوجك. قال عندي آخر. قال: تصدق به على ولدك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على خادمك. قال: عندي آخر. قال: أنت أبصر به" رواه أبو داود والحاكم لكن بتقديم الولد على الزوجة. وعند أصحاب الشافعي تقديم الزوجة. أهـ. شرقاوي صفحة 65 جـ 2

(4)

أي ما كان عن ظهر غنى. قال في النهاية: أي ما كان عفواً قد فضل من غنى، وقيل: أراد ما فضل عن العيال. كأن صدقته مسندة إلى ظهر قوى من المال، والمعنى عن غنى يستظهر به عن النوائب التي تنوبه. أهـ شرقاوي.

(5)

أي يطلب من الله العفة، وهي الكف عن الحرام، وسؤال الناس.

(6)

يعطيه ذلك.

(7)

أي يطلب من الله العفاف والغنى.

(8)

يعطه لك.

(9)

فرغ.

(10)

ولن أحبسه وأخبأه، وأمنعكم إياه، ولن أجعله ذخيرة لغيركم.

(11)

يعالج في الصبر ويتكلفه على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا.

(12)

يرزقه الله الصبر، وقال بعضهم: من يطلب العفة عن السؤال، ولم يظهر الغنى يصيره الله عفيفاً، ومن ترقى وأظهر الاستغناء عن الخلق ملأ الله قلبه غنى.

(13)

قصر النفس على ما يرضي الله وحبسها على المكاره وهو جامع لمكارم الأخلاق وأعطاهم، ثم نبههم على موضع الفضيلة.

ص: 588

وأحبب من شئت فإنك مفارقهُ، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وَعِزَّهُ استغناؤه عن الناس" رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن.

عز المؤمن استغناؤه عن الناس

40 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: "ليس الغنى عن كثرة العَرَضِ، ولكن الغنى غنى النفس" رواه البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي.

[العرض] بفتح العين المهملة والراء: هو كل ما يقتنى من المال وغيره.

41 -

وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يخشعُ، ومن نفسٍ لا تشبعُ، ومن دعوةٍ لا يُستجابُ لها" رواه مسلم وغيره.

42 -

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله: "يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: أفَتَرَى قلةَ المالِ هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: إنما الغنى غنى القلب (1) والفقرُ فقرُ القلبِ (2) " رواه ابن حبان في صحيحه في حديث يأتي إن شاء الله تعالى.

43 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: "ليس المسكينُ الذي تَرُدُّهُ اللقمةُ واللقمتان، والتمرةُ والتمرتان، ولكن المسكينُ الذي لا يجدُ غنىً يُغنيهِ، ولا يُفطنُ له فَيُتَصَدَّقَ عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" رواه البخاري ومسلم.

44 -

وعن عبد الله بن عمروٍ رضي الله عنهما أن رسول الله قال: "قد أفلح من أسلمَ، ورُزِقَ كفافاً، وقَنَّعَهُ الله بما آتاهُ" رواه مسلم والترمذي وغيرهما.

45 -

وعن فُضالة بن عبيدٍ رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول: "طوبى (3) لمن هُديَ للإسلام، وكان عيشهُ كفافاً وَقَنِعَ" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.

[الكفاف] من الرزق: ما كفا عن السؤال مع القناعة لا يزيد على قدر الحاجة.

(1) شعور الإنسان بالعزة، واكتفاؤه بخيرات الله التي عنده.

(2)

شعوره بالذلة والحاجة، ولو كثر ماله.

(3)

شجرة في الجنة يتمتع بظلها الوارف.

ص: 589

إياكم والطمع فإنه هو الفقر

46 -

وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله قال: "يا ابن آدمَ إنك أن (1) تبذل الفضل خيرٌ لك، وأن تُمْسِكَهُ شرٌ لك، ولا تُلامُ على كفافٍ، وابدأ بمن تعولُ، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى" رواه مسلم والترمذي وغيرهما.

47 -

ورويَ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: "إياكم (2) والطمع: فإنه هو الفقر، وإياكم وما يُعْتَذَرُ منه" رواه الطبراني في الأوسط.

48 -

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "أتى النبي رجلٌ، فقال يا رسول الله: أوصني وأوجزْ، فقال النبي: عليك بالإياس (3) مما في أيدي الناس، وإياك والطمع، فإنه فقرٌ حاضرٌ (4)، وإياك وما يُعتذرُ منه" رواه الحاكم والبيهقي في كتاب الزهد واللفظ له، وقال الحاكم: صحيح الإسناد كذا قال.

49 -

ورويَ عن جابرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "القناعةُ كنزٌ لا يفنى" رواه البيهقي في كتاب الزهد، ورفعه غريب.

50 -

وعن عبد الله بن محصنٍ الخطميِّ رضي الله عنه أن رسول الله قال: من أصبح آمناً في سِرْبِهِ مُعافىً (5) في بدنه، عنده قوتُ يومهِ فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها (6) " رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.

[في سربه] بكسر السين المهملة: أي في نفسه.

(1) هو بفتح همزة أن، ومعناه إن بذلت الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك فهو خير لك لبقاء ثوابه، وإن أمسكته فهو شر لك لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه، وإن أمسك عن المندوب فقد نقص ثوابه وفوت مصلحة نفسه في آخرته، وهذا كله شر، ومعنى "لا نلام على كفاف" أن قدر الحاجة لا لوم على صاحبهوهذا إذا لم يتوجه في الكفاف حق شرعي كمن كان له نصاب زكوي، ووجبت الزكاة بشروطها وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه وجب عليه إخراج الزكاة، ويحصل كفايته من جهة مباحة، ومعنى "ابدأ بمن تعول" أن العيال والقرابة أحق من الأجانب. أهـ نووي ص 127 جـ 7.

(2)

احذرو الطمع المضيع للمروءة، ولإكرام الضيف، ولحقوق الله تعالى، واحذروا الوقوع في الدنايا والسفاسف والقبائح والبخل، وكل ما يحوجك إلى عذر.

(3)

القنوط، وعدم رجاء خير من أحد مطلقاً، من أيس مقلوب يئس وآيسه فاستيأس.

(4)

كذا (ع) ص 285، وفي (ن د): خاص: أي فقر عاجل وشره ودناءة، وباب الذل والمسكنة.

(5)

ممتعاً بالصحة.

(6)

بجوانبها، وما فيها من خيرات، والحذافير: الجوانب، وقيل: الأعالي واحدها حذفار، وقيل: حذفور: أي فكأنما أعطى الدنيا بأسرها.

ص: 590

الحث على العمل والنهي عن المسألة

51 -

وعن أنسٍ رضي الله عنه: "أن رجلاً من الأنصار أتى النبي فسأله، فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى. حِلْسٌ نلبسُ بعضهُ، ونبسُطُ بعضهُ، وَقَعْبٌ نشربُ فيه الماء. قال: ائتني بهما، فأتاه بهما فأخذهما رسول الله بيده، وقال من يشتري هذين. قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمٍ. قال رسول الله: من يزيدُ على درهمٍ مرتين، أو ثلاثاً. قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياهُ، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشترِ بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلكَ، واشترِ بالآخر قَدُوماً فائتني (1) به، فأتاه به فَشَدَّ فيه رسول الله عوداً بيده، ثم قال: اذهب فاحتطبْ وَبِعْ، ولا أرَيَنَّكَ خمسةَ عشرَ يوماً، ففعل فجاء وقد أصاب عشرةَ دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً فقال رسول الله: هذا خيرٌ لك من أن تجئ المسألةُ نُكتةً في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلحُ إلا لثلاثٍ: لذي فقرٍ مُدقعٍ، أو لذي غُرمٍ مُفظعٍ، أو لذي دمٍ مُوجعٍ" رواه أبو داود والبيهقي بطوله، واللفظ لأبي داود، وأخرج الترمذي والنسائي منه قصة بيع القدح فقط، وقال الترمذي: حديث حسن.

[الحلس] بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام وبالسين المهملة: هو كساء غليظ يكون على ظهر البعير، وسمي به غيره مما يداس، ويمتهن من الأكسية ونحوها.

[الفقر المدقع] بضم الميم، وسكون الدال المهملة، وكسر القاف: هو الشديد الملصق صاحبه بالدقعة، وهي الأرض التي لا نبات بها.

[والغرم] بضم الغين المعجمة، وسكون الراء: هو ما يلزم أداؤه تكلفاً لا في مقابلة عوض.

[والمفظع] بضم الميم، وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة: هو الشديد الشنيع.

[وذو الدم الموجع]: هو الذي يتحمل دية عن قريبه أو حميمه، أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول، ولو لم يفعل قتل قريبه، أو حميمه الذي يتوجع لقتله.

52 -

وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله:

(1) كذا (ع) ص 286، و (د)، وفي (ط): فائت.

ص: 591

لأن يأخذ أحدكم أحْبُلَهُ فيأتيَ بِحُزْمَةٍ من حطبٍ على ظهره فيبيعها فَيَكُفَّ بها وجههُ خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه (1) " روه البخاري وابن ماجة وغيرهما.

53 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "لأن يحتطبَ أحدكم حُزمةً على ظهره خيرٌ له من أن يسأل أحداً فيعطيه، أو يمنعه" رواه مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

54 -

وعن المقدام بن معد يكربَ رضي الله عنه عن النبي: "ما أكل أحدٌ طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده (2)، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده (3) " رواه البخاري.

(1) فيه الحث على الصدقة والأكل من عمل يده، والاكتساب بالمباحات كالحطب والحشيش النابتين في موات. أهـ نووي ص 131 جـ 7، والمعنى ليذهب السائل، فيحترف بعمل جل أو حقر، ولو يجمع الحط ليحفظ ماء وجهه أن يراق في السؤال خير من أن يمد يده للناس سواء أخذ أم حرم.

(2)

أي خير الطعام وأهنأه ما كان من كسب يد الإنسان بكده وكدحه، ولم يكن استجداء أو تكففاً فيحترف بأي عمل، ويمتهن بأي مهنة لأن الاستجداء يورث المذلة والاستكانة، ويسقط المروءة، ويدعو إلى قلة الأدب.

(3)

يصنع الدروع من الحديد لا عن فاقة أو حاجة بل كان ملكاً مملكاً ذا جاه وثروة وسلطان ونبوة فيدع المال ويكد، وضرب مثلاً أعلى للحداد الصانع الماهر، واختار أن يأكل من عرق جبينه، وصنع يده رجاء قبول الأعمال عند الله تعالى، وليقتدي به أبناء الأمة، ويحث على العمل، وكسب الرزق من الطرق المشروعة، ولو أدت إلى اقتحام المخاطر، وركوب متن الأهوال، ويمقت التواكل والبطالة، وكان نبينا يشتغل بالتجارة قبل بعثته، ويعيش من ربحها، وكذلك الصحابة، وعظماء المسلمين من بعده.

فقه الدين الإسلامي يدعو إلى إعزاز النفس بالعمل، وحفظها من الامتهان:

قد بَيَّنَ أن السائل يوم القيامة يأتي كهيكل عظمي ذهبت نضارته، وضاعت هيبته، وقل حياؤه لأنه كان في حياته وكلاً غير معتمد على ربه كثير الإلحاح ضعيف الإيمان "وليس في وجهه مزعة لحم" قال القاضي: قيل معناه يأتي يوم القيامة ذليلاً ساقطاً لا وجه له عند الله، وقيل: لا لحم عليه عقوبة له وعلامة له بذنبه حين طلب، وسأل بوجهه، وهذا فيمن سأل لغير ضرورة سؤالاً منهياً عنه. أهـ نووي ص 130 جـ 7.

يقول الله تعالى: "وأما السائل فلا تنهر" أي فلا تزجره، والمراد به المحتاج غير القادر على الكسب، وقد حرم العلماء إعطاء القادر على الكسب صدقة.

وإذا قرأت الباب وجدت صفة مشوهة تلزق بالسائل يوم القيامة يعرف بها "كدوح" على أن الله يرزق السائل ضعة ودناءة وطمعاً وشرهاً لعدم تعففه، ثم انظر أعزك الله إلى دستور العمل قوله تعالى:"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" وقد استفاد الصحابة رضي الله عنهم من حكم رسول الله - صلى الله =

ص: 592