المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الترهيب من الرياء وما يقوله من خاف شيئا منه - الترغيب والترهيب للمنذري - ت عمارة - جـ ١

[عبد العظيم المنذري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌نبذة في مصطلح الحديث وفن أصوله

- ‌بيان أقسام طرق تحمل الحديث ومجامعها

- ‌الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه

- ‌الإمام مالك رضي الله عنه

- ‌الإمام الشافعي رضي الله عنه

- ‌الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه

- ‌الإمام البخاري رضي الله عنه

- ‌الإمام مسلم رضي الله عنه

- ‌الإمام أبو داود

- ‌الإمام الترمذي

- ‌الإمام النسائي

- ‌الإمام ابن ماجه

- ‌الإمام الطبراني

- ‌الإمام أبو يعلى

- ‌الإمام البزار

- ‌الإمام النيسابوري

- ‌الإمام ابن خزيمة

- ‌الإمام ابن أبي الدنيا

- ‌الإمام البيهقي

- ‌الإمام الأصبهاني

- ‌الحافظ المنذري

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌تقاريظ الطبعة الثانية

- ‌مصادر الفتح الجديد في الترغيب والترهيب

- ‌الترغيب في الإخلاص والصدق والنية الصالحة

- ‌الترهيب من الرياء وما يقوله من خاف شيئاً منه

- ‌الترغيب في اتباع الكتاب والسنة

- ‌الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء

- ‌الترغيب في البداءة بالخير ليستن بهوالترهيب من البداءة بالشرّ خوف أن يستن به

- ‌كتاب العلم

- ‌الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمهوما جاء في فضل العلماء والمتعلمين

- ‌الترغيب في الرحلة في طلب العلم

- ‌الترغيب في سماع الحديث وتبليغه ونسخهوالترهيب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الترغيب في مجالسة العلماء

- ‌الترغيب في إكرام العلماء وإجلالهم وتوقيرهموالترهيب من إضاعتهم وعدم المبالاة بهم

- ‌الترهيب من تعلم العلم لغير وجه الله تعالى

- ‌الترغيب في نشر العلم والدلالة على الخير

- ‌الترهيب من كتم العلم

- ‌الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه ويقول ولا يفعله

- ‌الترهيب من الدعوى في العلم والقرآن

- ‌الترهيب من المراء والجدال والمخاصمة والمحاججة والقهر والغلبةوالترغيب في تركه للمحق والمبطل

- ‌كتاب الطهارة

- ‌الترهيب من التخلي على طرق الناس أو ظلهم أو مواردهموالترغيب في الانحراف عن استقبال القبلة واستدبارها

- ‌الترهيب من البول في الماء والمغتسل والجحر

- ‌الترهيب من الكلام على الخلاء

- ‌الترهيب من إصابة البول الثوب وغيره، وعدم الاستبراء منه

- ‌الترهيب من دخول الرجال الحمام بغير أزر ومن دخول النساء بأزر وغيرها إلا نفساء أو مريضة، وما جاء في النهى عن ذلك

- ‌الترهيب من تأخير الغسل لغير عذر

- ‌الترغيب في الوضوء وإسباغه

- ‌الترغيب في المحافظة على الوضوء وتجديده

- ‌الترهيب من ترك التسمية على الوضوء عامدا

- ‌الترغيب في السواك وما جاء في فضله

- ‌الترغيب في تخليل الأصابع، والترهيب من تركه وترك الإسباغ إذا أخل بشيء من القدر الواجب

- ‌الترغيب في كلمات يقولهن بعد الوضوء

- ‌الترغيب في ركعتين بعد الوضوء

- ‌كتاب الصلاة

- ‌الترغيب في الأذان وما جاء في فضله

- ‌الترغيب في إجابة المؤذن، وبماذا يجيبه؟ وما يقول بعد الأذان

- ‌الترغيب في الإقامة

- ‌الترهيب من الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر

- ‌الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة

- ‌الترغيب في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها

- ‌الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تجميرها

- ‌الترهيب من البصاق في المسجد، وإلى القبلة، ومن إنشاد الضالةفيه، وغير ذلك

- ‌الترغيب في المشى إلى المساجد سيما في الظلم وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها

- ‌الترهيب من إتيان المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو كراثا أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة

- ‌ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهن ولزومهاوترهيبهن من الخروج منها

- ‌الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها

- ‌الترغيب في الصلاة مطلقاً، وفضل الركوع والسجود والخشوع

- ‌الترغيب في الصلاة في أول وقتها

- ‌الترغيب في صلاة الجماعة وما جاء فيمن خرج يريد الجماعةفوجد الناس قد صلوا

- ‌الترغيب في كثرة الجماعة

- ‌الترغيب في الصلاة في الفلاة

- ‌الترغيب في صلاة العشاء والصبح خاصة في جماعةوالترهيب من التأخر عنهما

- ‌الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر

- ‌الترغيب في صلاة النافلة في البيوت

- ‌الترغيب في انتظار الصلاة بعد الصلاة

- ‌الترغيب في المحافظة على الصبح والعصر

- ‌الترغيب في جلوس المرء في مصلاه بعد صلاة الصبح وصلاة العصر

- ‌الترغيب في أذكار يقولها بعد الصبح والعصر والمغرب

- ‌الترهيب من فوات العصر بغير عذر

- ‌الترغيب في الإمامة مع الإتمام والإحسانوالترهيب منها عند عدمهما

- ‌الترهيب من إمامة الرجل القوم وهم له كارهون

- ‌الترغيب في الصف الأول، وما جاء في تسوية الصفوف والتراص فيها وفضل ميامنها ومن صلى في الصف المؤخر مخافة إيذاء غيره لو تقدم

- ‌الترغيب في وصل الصفوف وسد الفرج

- ‌الترهيب من تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم وتقدم النساء إلى أوائل صفوفهن ومن اعوجاج الصفوف

- ‌الترغيب في التأمين خلف الإمام وفى الدعاءوما يقوله في الاعتدال والاستفتاح

- ‌الترهيب من رفع المأموم رأسه قبل الإمام في الركوع والسجود

- ‌الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجودوإقامة الصلب بينهما وما جاء في الخشوع

- ‌الترهيب من رفع البصر إلى السماء في الصلاة

- ‌الترهيب من الالتفات في الصلاة وغيره مما يذكر

- ‌الترهيب من مسح الحصى وغيره في موضع السجودوالنفخ فيه لغير ضرورة

- ‌الترهيب من وضع اليد على الخاصرة في الصلاة

- ‌الترهيب من المرور بين يدى المصلى

- ‌الترهيب من ترك الصلاة تعمدا وإخراجها عن وقتها تهاونا

- ‌كتاب النوافل

- ‌الترغيب في المحافظة على ثنتى عشرة ركعة من السنة في اليوم والليلة

- ‌الترغيب في المحافظة على ركعتين قبل الصبح

- ‌الترغيب في الصلاة قبل الظهر وبعدها

- ‌الترغيب في الصلاة قبل العصر

- ‌الترغيب في الصلاة بين المغرب والعشاء

- ‌الترغيب في الصلاة بعد العشاء

- ‌الترغيب في صلاة الوتر وما جاء فيمن لم يوتر

- ‌الترغيب في أن ينام الإنسان طاهراً ناوياً للقيام

- ‌الترغيب في كلمات يقولهن حين يأوى إلى فراشهوما جاء فيمن نام ولم يذكر الله تعالى

- ‌الترغيب في كلمات يقولهن إذا استيقظ من الليل

- ‌الترغيب في قيام الليل

- ‌الترهيب من صلاة الإنسان وقراءته حال النعاس

- ‌الترهيب من نوم الإنسان إلى الصباح وترك قيام شئ من الليل

- ‌الترغيب في آيات وأذكار يقولها إذا أصبح وإذا أمسى

- ‌الترغيب في قضاء الإنسان ورده إذا فاته من الليل

- ‌الترغيب في صلاة الضحى

- ‌الترغيب في صلاة التسبيح

- ‌الترغيب في صلاة التوبة

- ‌الترغيب في صلاة الحاجة ودعائها

- ‌الترغيب في صلاة الاستخارة وما جاء في تركها

- ‌كتاب الجمعة

- ‌الترغيب في صلاة الجمعة والسعى إليهاوما جاء في فضل يومها وساعتها

- ‌الترغيب في الغسل يوم الجمعة

- ‌الترغيب في التبكير إلى الجمعة وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير من غير عذر

- ‌الترهيب من تخطى الرقاب يوم الجمعة

- ‌الترهيب من الكلام والإمام يخطب، والترغيب في الإنصات

- ‌الترهيب من ترك الجمعة لغير عذر

- ‌الترغيب في قراءة سورة الكهف وما يذكر معهاليلة الجمعة ويوم الجمعة

- ‌كتاب الصدقات

- ‌الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها

- ‌الترهيب من منع الزكاة، وما جاء في زكاة الحلى

- ‌الترغيب في العمل على الصدقة بالتقوىوالترهيب من التعدي فيها والخيانة، واستحباب ترك العمل لمن لا يثق بنفسهوما جاء في المكاسين والعشارين والعرفاء

- ‌الترهيب من المسألة وتحريمها مع الغنى وما جاء في ذم الطمعوالترغيب في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده

- ‌ترغيب من نزلت به فاقة أو حاجة أن ينزلها بالله تعالى

- ‌الترهيب من أخذ ما دفع من غير طيب نفس المعطي

- ‌ترغيب من جاءه شيء من غير مسألة ولا إشراف نفس في قبولهسيما إن كان محتاجاً، والنهي عن رده وإن كان غنيا عنه

- ‌ترهيب السائل أن يسأل بوجه الله غير الجنةوترهيب المسئول بوجه الله أن يمنع

الفصل: ‌الترهيب من الرياء وما يقوله من خاف شيئا منه

‌الترهيب من الرياء وما يقوله من خاف شيئاً منه

1 -

عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول الناس يُقْضي (1) يوم القيامة عليه رجل استشهد (2) فأُتِيَ به فعرَّفَهُ (3) نعمته فعرفها قال فما عملت فيها (4)؟ قال قاتلت فيك حتى استشهدت. قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال: هو جرئ فقد قيل (5) ثم أُمر به فَسُحب على وجهه حتى أُلقى في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن فأُتى به فعرفه نعمه (6) فعرفها. قال فما عملت فيها؟

= رائدهم، وخشيته تعالى مقصدهم ولا يشركون به أحداً في أي عمل قل أو كثر، ولا تتجه النية لمراعاة أي مخلوق مطلقاً، فالثواب لا يوجد إلا إذا كانت النية في العمل لله، وكتاب الله مملوء بهذا الإرشاد. قال الله تعالى:(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة).

وقد خاطب الله عز وجل السيد الرسول صلى الله عليه وسلم في محكم كتابه: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخاص) فأنت تجد أمراً صريحاً باخلاص العبادة له جل وعلا، وقد صرح بذلك في آية أخرى (قل الله أعبد مخلصاً له ديني). فاجتهد أيها المسلم في نظافة الظاهر والباطن وإخلاص النية لمولاك الذي غمرك بالإحسان ومدك بنعمة الوافرة ليسدد الله خطاك في دنياك وتؤجر علي كل أعمالك، وتكون من الذين يعنيهم الله جل وعلا في قوله:(ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو مسحن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً).

أي لا أحد أكثر حسنا عند الله ممن فوض أمره لربه وأحسن في أعماله، واتبع سنن الأنبياء والمرسلين.

وقد رأيت في حديث: أن النبى صلى الله عليه وسلم يبشر المخلصين لله بالجنة، وأنهم مصابيح الهدى، نور الحق، ونبراس الصواب: وبهم تزول الفتن، وينقشع الضلال، ويظهر العدل. وفي حديث (8) ينهى النبى صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتصدقوا لله، ويعملوا صالحاً لله، يقولوا: هذا لله وللقرابة أو لفلان، فإنما ما كان لغير الله لأثواب له، ويجر إلى جهنم، والعياذ بالله تعالى، وفي حديث 13 أن العمل بالشرع يدعو إلى الصلة بربه والاستضاءة بنورالحكمة، وأن الله يلهمه الرشد فينطق بالحكمة، وفي حديث (26) ذلك المحسن الذي نوى أن يجود بشيء فقابله الزانى وهو لا يعلم بحاله، ولكن قبل الله صدقته وأثابه، وكذلك السارق والغنى، وقد حاسبه ربه على نيته، وهى كانت لله، وفي حديث (27) يبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنك إذ نويت التهجد وغلبك النوم فلم تقم أعطاك الله ثواب قيام الليل وأكرمك بالراحة والهناءة.

(1)

أي يسأله الله عز وجل ويحاسبه ويحكم عليه بالنار بعد السؤال والحساب.

(2)

قتل شهيداً أي طلب الشهادة بالسير في القتال مع المحاربين المجاهدين في سبيل الله، وهذا ظاهره للناس؛ وبطانه حب الرياء والعظمة، ومدح الناس لشجاعته وهممه العالية، وما كان يريد نصر دين الله في جهاده.

(3)

أي أظهر الله عليه فضله وإحسانه إليه في حياته.

(4)

أي أي شئ عملته لوجه الله جزاء هذه النعم الجليلة.

(5)

أثنى الناس علي بسالته، وهذا ما ينتظره، وهكذا الرجل تغذي بلبان المعارف وفقه في دينه، ولكن كان يحب مدح الناس، وما كان يقصد وجه الله في تعليمه وطلب علمه، وكذا ذلك السري الذي أغناه مولاه وغمره بالمال الوفير، فأنفق للصيت الحسن في الدنيا، ولم يتوحب الله في إنفاقه، ولم يطلب ثوابه، وغره ثناء الناس عليه، ونسى الله أثناء جوده،

(6)

في نسخة: نعمته.

ص: 61

قال تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو (1) قارئ فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقِىَ في النار، ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأُتى به فَعَرَّفَهُ نعمهُ فعرفها. قال فما عملت فيها؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار.

رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه كلاهما بلفظ واحد.

لا ثواب للأعمال الصالحة وإن جلت مع الرّياء

2 -

وعن الوليد بن أبي الوليد أبى عثمان المدينيِّ أن عُقْبَةَ بن مسلم حدثه أن شَفِيًّا الأصبحى حدثه أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال من هذا؟ قالوا: أبو هريرة. قال فدنوت (2) منه حتى قعدت بين يديه وهو يُحدث الناس، فلما سكت وخلا، قلت له أسألك بحق وبحق لما (3) حَدَّثْتَنىِ حديثا سمعته من رسول الله ? وعقلته (4) وعلمته، فقال أبو هريرة أفعلُ لأُحدِّثَنَّك حديثا حدَّثَنيِهِ رسول الله ? عقلته وعلمته، ثم نَشَغَ (5) أبو هريرة نشغَةً فمكثنا قليلاً ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله ? أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيرى وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغةً أخرى، ثم أفاق ومسح عن وجهه فقال: أفعل لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ? انا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيرى وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خارًّا (6) على وجهه فأسندته طويلاً، ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله ?: أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضى بينهم، وكل أمةٍ جاثية (7)، فأول من يُدعى (8) به رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله عز وجل للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلتُ على رسولى؟ قال بلى (9) يارب.

قال فما عملت فيما علمت؟ قال كنت أقوم به

(1) في نسخة: قارئ فقط.

(2)

قربت.

(3)

لما: بمعنى إلا قال في النهاية أنشدك الله لما فعلت كذا أي إلا فعلته.

(4)

فهمته وثبت في ذهنك.

(5)

أغمى عليه.

(6)

ساقطاً مغشياً عليه (من خر لله ساجداً): أي سقط.

(7)

جالسة على ركبها.

(8)

في نسخة: يدعو.

(9)

حرف جواب للاستفهام مع النقي بمعنى نعم علمتنى للاثبات.

ص: 62

آناء الليل وأناء النهار فيقول الله عز وجل له كذبت، وتقول له الملائكة كذبت، ويقول الله تبارك وتعالى: بل أردت أن يقال فلان قارئ، وقد قيل ذلك،

لا ثواب في صلة الرحم والجهاد مع الرياء

ويُؤْتَى بصاحب المال فيقول الله عز وجل ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحدٍ؟ قال بلى يارب.

قال فماذا عملت فيما أتيتُك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له كذبت، وتقول الملائكة كذبت، ويقول الله تبارك وتعالى: بل أردت أن يقال فلان جواد، وقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قُتِلَ في سبيل الله، فيقول الله لَهُ: فيماذا قتلت؟ فيقول أي رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له كذبت، وتقول الملائكة كذبت، ويقول الله بل أردت أن يقال فلان جرئ، فقد قيل ذلك، وتقول الملائكة كذبت، ويقول الله بل أردت أن يقال فلان جرئ فقد قيل ذلك، ثم ضرب رسول الله ? على رُكْبَتَيَّ فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أوَّلُ خلق الله تُسْعَرُ بهم (1)

النارُ يوم القيامة. قال الوليد أبو عثمان المدينى: وأخبرني عقبة أن شفيًّا هو الذى دخل على معاوية فأخبره بهذا قال أبو عثمان: وحدثنى العلاء بن أبى حكيم أنه

(1) تتقد وتهيج وتلهب، من سعر النار والحرب: هيجها وألهبها، وبابه قطع، ومنه (وإذا الجحيم سعرت) معنى الحديث: دخل شفى الأصبحى المدينة فيرى محدثاً عظيما يهرع الناس لسماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرب منه وطلب حديثاً فهمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن أغمى عليه ثلاث مرات من شدة الوجل من الله عز وجل، ومن أسفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشوقه إليه أدي أمانة العلم، ويخاف أبو هريرة مع شدة ورعه أن يتسرب إلى علمه هذا شئ من الرياء ثم أدى أمانة العلم، فحدث عن خير الخلق صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة: عالم يطلب حب الظهور والثناء، ولم يخلص في علمه مع كثرة تهجده وعبادته، ولكن فيها قليل من الرياء، والثاني: وسع الله عليه في دنياه فأكثر من مشروعات الخير ومن الصدقات، ولكن في نيته انتظار ثناء الناس وحب الفخفخة والشهرة وانطلاق الألسنة بالثناء عليه، فرد الله عليه أعماله الخيرية، وجزاه عليها في حياته ثناء طيباً فقط (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وكذلك الذي حارب ليفتخر الناس بشجاعته، ويتحدثوا بقوته وعزيمته وحسن بلائه، حين سمع سيدنا معاوية بن أبى سفيان هذا الحديث بكى، وتلا الآية الشريفة التي تطلب من المسلمين أن يريدوا بعملهم الصالح حب الله فقط وجزاءه ويتركوا زخارف الدنيا وبهجتها الحقيرة خشية ضياع ثواب الله في الآخرة، ويرد ما كان لغيره سبحانه. يذكرني هذا رؤيا والدى (رحمه الله تعالى وطيب ثراه وأكرم مثواه) في ضحوة يوم من سنة 1350 هـ جاء إلى فقلت له ياوالدى ألم افعل كذا وكذا وكذا. فقال بلى، ولكن (بنقول) يريد والدي (أغدق الله عليه رضوانه) أن ينصحنى إن فعلت خيراً لا أتحدث به مطلقاً خشية أن يمدحنى الناس به فيضيع ثواب الله جل وعلا في فعله، وخشية غرور النفس وإدخالها الرياء في عملها لله ويكون مقصدها زينة الدنيا من ثقة الناس بي مثلا أو مدحهم فيحبط هذا الصنيع ويبطل هذا العمل، وهذا درس أخذته من والدي رحمه الله في الرؤيا، وأعلم أنه كان على جانب من الله وطاعته عظيم. نسأل الله الإخلاص ونبذ الرياء.

ص: 63

كان سيّافَا لمعاوية. قال: فدخل عليه رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال: معاوية قد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيف بمن بَقِىَ من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديداً حتى ظننا أنه هالكٌ، وقلنا: قد جاء هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه وقال صدق الله ورسوله ?، من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نُوَفِّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يُبْخَسُونَ. أُولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحَبِطَ ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون. ورواه ابن خزيمة في صحيحه نحو هذا لم يختلف إلا في حرف أو حرفين.

(قوله): جرئ هو بفتح الجيم وكسر الراء وبالمد: أي شجاع، نشغ بفتح النون والشين المعجمة وبعدها غين معجمة: أي شهق حتى كاد يغشى عليه أسفاً أو شوقاً.

من قتل صابرا محتسبا بعث كذلك

3 -

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قُلْتُ: يا رسول الله أخبرنى عن الجهاد والغزو؟ فقال: يا عبد الله بن عمرو، وإن قاتلت صابراً (1) مُحتسباً (2) بعثك الله صابراً محتسباً، وإن قاتلت مُرائياً (3) مُكاثراً بعثك الله (4) مرائيا مكاثرا، ياعبد الله بن عمرو، على أي حال قاتلت، أو قُتلت بعثك الله على تلك الحال. رواه أبو داود.

(قال الحافظ) وستأتى أحاديث من هذا النوع في باب مفرد في الجهاد إن شاء الله تعالى.

4 -

وعن أُبَيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم بَشِّرْ هذه الأمة بالسناء (5) والرفعة (6) والدِّين والتِّمْكِينِ في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخر من نصيب. رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، والحاكم والبيهقى وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وفي رواية للبيهقي قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: بَشِّرْ هذه

(1) الصبر: حبس النفس عن الجزع والركون إلى الله.

(2)

طالباً ثواب الله عز وجل.

(3)

مرائيا: أي مظهراً عملك للناس ليثنوا عليك خيراً، أي تطلب الرياء والظهور والفخر يحييك الله يوم القيامة على هذه النية ولا ثواب لك.

(4)

في نسخة: بعثك مرائياً بدون لفظ الجلالة.

(5)

العز والعلو.

(6)

ان الله ينصر دين محمد صلى الله عليه وسلم ويثبت المسلمين ويعطيهم الملك والمال والقوة وتدين لهم الملوك الطاغية، ويبسط حكمهم وينفذ أمرهم، ثم يحاسب كل إنسان على نيته؛ فمن تظاهر بالإصلاح وغش وخدع، واستعمل أعمال الآخرة لجلب الدنيا وكسب خيراتها بمسوح الصلاح يحشر يوم القيامة عارياً ولا حظ له في الآخرة. إن الذى يحبط الحسنات: التظاهر الكاذب؛ وخلو العمل من الإخلاص لله.

ص: 64

الأمة بالتيسير والسناء، والرفعة بالدين والتمكن في البلاد، والنصر، فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب.

من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً

5 -

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل يا رسول الله إنى اقف الموقف أريد وجه الله، وأُريد أن يُرى موطني (1). فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسم حتى نزلت: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يُشرك بعبادة ربه أحدا (2). رواه الحاكم، وقال صحيح على شريطهما، والبيهقى من طريقه، ثم قال رواه عبدان عن ابن المبارك فأرسله لم يذكر فيه ابن عباس.

6 -

وعن أبي هند الداريّ أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول: من قام مقام رياء وسُمعة رايا الله به يوم القيامة وسمَّع، رواه أحمد بإسناد جيد والبيهقى والطبراني ولفظه: أنه سميع رسول الله ? يقول: من رايا بالله لغير الله فقد برئ من الله.

7 -

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سمع (3) الناس بعمله (4) سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره (5). رواه الطبراني في الكبير بأسانيد أحدها صحيح، والبيهقي.

8 -

وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: من سَمَّعَ (6) سَمَّعَ الله به، ومن يُرَاء يُرَاء الله به. رواه البخاري ومسلم.

سمع بتشديد الميم، ومعناه: من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله نيته الفاسدة في عمله يوم القيامة وفضحهُ على رءوس الأشهاد.

9 -

وعن عوف بن مالك الأشجعى رضىَ الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى لله عليه وسلم يقول: من قام مقام رياء رَايَا الله به، ومن قام مقام سُمعةٍ سَمَّعَ اللهُ به. رواه الطبراني بإسناد حسن

(1) أي ينظر الناس إلى بسالتى وهمتى العالية، وتشخص إلى شجاعته الأبصار، وتلهج بذكره الألسنة.

(2)

أي الذي يطلب نعيم الله ورضوانه؛ ويتجلى عليه ربه بإحسانه فليتحر العمل الذى أمر به ولا يجعل له شريكا في ذاته أو في صفاته، أو في أفعاله بأن يقصد الله فقط، ولا يقول هذا لله ولأخى، أو لعمى، أو لرحمى؛ وتكون أنواع طاعة ربه قاصرة عليه فقط، ويستعين بالله فقط، ويرجو الله فقط.

(3)

أظهر عمله للناس رياء.

(4)

أظهر الله نيته الفاسدة في عمله يوم القيامة وفضحه على رءوس الأشهاد.

(5)

في نسخة: بعمله.

(6)

في نسخه: يسمع يسمع.

ص: 65

من تزين بعمل الآخرة وهو لا يريدها ولا يطلبها لعن في السموات والأرض

10 -

وعن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبدٍ يقوم في الدنيا مقام سُمعةٍ ورياء إلا سَمَّعَ به على رءوس الخلائق يوم القيامة. رواه الطبراني بإسناد حسن.

11 -

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من رايا بشئ في الدنيا من عمله وكله (1) الله إليه يوم القيامة، وقال انظر هل يُغْنِي عنك شيئا. رواه البيهقي موقوفاً.

12 -

وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تزين بعمل الآخرة وهو لا يُريدها ولا يطلبها لُعن (2) في السموات والأرض. رواه الطبراني في الأوسط.

13 -

وروى عن الجارود قال: قال رسول الله ? من طلب الدنيا بعمل الآخرة طُمس (3) وجهه ومُحق (4) ذكره، وأُثبت اسمه في النار. رواه الطبراني في الكبير.

14 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج في آخر الزمان رجالٌ يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله عز وجل: أبى يغترون، أم عليَّ يجترئون؟ فَبِى حلفتُ لأبعثن على أُولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران. رواه الترمذي من رواية يحيى بن عبيد، سمعت أبى يقول: سمعت أبا هريرة فذكره، ورواه مختصراً من حديث ابن عمر، وقال حديث حسن.

15 -

وروى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تحبب إلى الناس بما يحبون، وبارز الله بما يكرهون لَقِىَ الله وهو عليه غضبان. رواه الطبراني في الأوسط.

16 -

وروى عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعوَّذُوا بالله من جُبِّ الحُزْنِ. قالوا يا رسول الله وماجُب الحزن (5)؟ قال: وادٍ في جهنم تتعوذ منه جهنم

(1) وكله: سلمه وتركه: أي إذا طلب العبد المعونة من غير ربه وأقدم على أي عمل تفاخراً ورياء واعتماداً على غير الله لم يساعده الله، ولم يعاونه. وتركه يوم القيامة أعمى ذليلا ولا ثواب له ولا يقيه هموم الحساب، ولا يبعد عنه عقاب الله، ولا يمنع عنه الشدائد والأهوال.

(2)

طرد من رحمة الله.

(3)

تغير وامحى.

(4)

زالت سيرته ولم يبارك فيه، وكان مذموماً وسجل عقابه في النار.

(5)

بئر الأتراح.

ص: 66

كل يوم مائة (1) مرة. قيل يا رسول الله ومن يدخله؟ قال القُراء (2) المُراءُون بأعمالهم. رواه الترمذي وقال حديث غريب وابن ماجه، ولفظه: تعوذوا بالله من جُبِّ الحُزْنِ (3). قالوا يا رسول الله، وما جب الحزن؟ قال: وادٍ في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة. قيل يا رسول الله من يدخله؟ قال أُعِدَ للقرَّاء المرائين بأعمالهم، وإن من أبغض القُرَّاء إلى الله عز وجل الذين يزورون الأُمراء، وفيه الغرَّارُونَ. قيل يا رسول الله: وما الغرَّارُونَ؟ قال المُراَءَون بأعمالهم في الدنيا.

في جهنم واد يسمى جب الحزن أعده الله للمرائين بأعمالهم

17 -

ورواه أيضا عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إن في جهنم لواديا تستعيذُ جهنمُ من ذلك الوادى في كل يوم أربعمائه مرة أُعِدَّ ذلك الوادى للمرائين من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم: لحامل كتاب الله، والمتصدق في غير ذات الله، والحاج إلى بيت الله، وللخارج في سبيل الله، قال الحافظ: رفع حديث ابن عباس غريب ولعله موقوف، والله أعلم.

18 -

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحسن الصلاة حيث (4) يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه تبارك وتعالى. رواه عبد الرزاق في كتابه وأبو يعلى، كلاهما من رواية إبراهيم بن مسلم الهجرى عن أبي الأحوص عنه. ورواه من هذه الطريق ابن جرير الطبرى مرفوعاً أيضاً وموقوفاً على ابن مسعود وهو أشبه.

19 -

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول: من صام يُرائى فقد أشرك، ومن صلى يُرائى فقد أشرك، ومن تصدَّق يُرائى فقد أشرك. رواه البيهقى من طريق عبد المجيد ابن بهرام عن شهر بن بو حوشب، وسيأتى أتم من هذا إن الله تعالى

(1) في نسخة أربعمائة.

(2)

حفاظ القرآن والعلماء الذين يظهرون للناس أنهم صالحون ومتقون، ولكن قلوبهم ملأى بالنفاق والشقاق والخداع ويرتكبون الغيبة والنميمة، ويسعون في الأرض فساداً، ويظلمون، ويجالسون الفساق، ولم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر، ولم يعملوا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

(3)

بئر الهم

(4)

وفي نسخة: حين.

ص: 67

اليسير من الرياء شرك

20 -

وعن ربيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى عن أبيه عن جده قال: خرج علينا رسول الله ? ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال: ألا أُخبركم بما هو أخوف عليكم عندى من المسيح الدجال؟ فقلنا بلى يا رسول الله، فقال: الشرك الخفِيُّ، أن يقوم الرجل فيصلى فَيُزَيِّن صلاته لما يرى من نظر رجل. رواه ابن ماجه والبيهقى.

ربيح: بضم الراء وفتح الباء الموحد بعدها ياء آخر الحروف وحاء مهملة، ويأتى الكلام عليه إن شاء الله تعالى.

21 -

وعن محمود بن لبيدٍ قال: خرج النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس: إياكم وشرك السَّرائر. قالوا يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال يقوم الرجل فيصلى فَيُزَيَّنُ صلاته جاهداً لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شركُ السرائر. رواه ابن خزيمة في صحيحه.

22 -

وعن زيد بن أسلم عن أبيه ان عمر رضي الله عنه، خرج إلى المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول الله ? يبكى، فقال مايُبكيك؟ قال حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: اليسير من الرياء شرك، ومن عادى (1) أولياء الله فقد بارز (2) الله بالمحاربة: إن الله يحبُ الأبرار الأتقياء الأخفياء (3) الذين غابُوا لم يُفْتَقَدُوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى (4) يخرجون من كل غبراء مُظلمة (5). رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقى في كتاب الزهد له وغيره، وقال الحاكم صحيح ولا عله له.

23 -

وعن محمود بن لبيدٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أخوف ما أخاف

(1) أي حارب الذين يطيعون الله ويتبعون أوامره وآذاهم وعذبهم، ولم يحترمهم، واتخذهم سخرية، ضيق عليهم في أعمالهم.

(2)

فقد أعلن حربه مع الله جل وعلا، وأظهر عصيانه وخرج من طاعته. لماذا؟ لأن الولى في رعاية الله، ومن اعتدى عليه استهان بحقوق الله. قال تعالى: - إن أولياؤه إلا المتقون - ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون - إذا، لا يعتدى عليهم إلا شرار الذين هجروا تعاليم الله، وامتلأت قلوبهم بغضاً للصالحين.

(3)

الذين يعكفون على عبادة الله سرا ويتركون الرياء وحب التظاهر، وحسبك قول النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:(رجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمنه).

(4)

لكثرة إيمانهم بالله أضاء الله بصائرهم.

(5)

جهالات مفسدة وأرض قاتمة أي يهديهم الله إلى الحق فيبعدون عن كل الفتن. قال تعالى: - واتقوا الله ويعلمكم الله.

ص: 68

عليكم الشرك الأصغر. قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال الرياء (1) يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء. رواه أحمد باسناد جيد، وابن أبى الدنيا والبيهقى في الزهد وغيره.

(قال الحافظ) رحمه الله: ومحمود بن لبيد رأى النبىّ صلى الله عليه وسلم، ولم يصح له منه سماع فيما رأى، وقد خرّج أبو بكر بن خزيمة حديث محمود المتقدم في صحيحه مع أنه لا يخرّج فيه شيئا من المراسيل، وذكر ابن أبى حاتم أن البخاري قال له صحبه. قال وقال أبى لا يعرف له صحبه، ورجح ابن عبد البر أن له صحبه، وقد رواه الطبراني بإسناد جيد عن محمود بن لبيد عن رافعبن خديج، وقيل إن حديث محمود هو الصواب دون ذكر رافع بن خديج فيه، والله أعلم.

من كان أشرك في عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عنده

24 -

وعن أبي سعيد بن أبى فضاله، وكان من الصحابة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة - ليوم لا ريب فيه - نادى مناد: من كان أشرك في عمله (2) لله أحدا فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك (3). رواه الترمذي في التفسير من جامعة، وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقى.

25 -

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لى عملاً أشرك فيه غيرى فأنا منه برئ وهو للذى أشرك. رواه ابن ماجه، واللفظ له وابن خزيمة في صحيحه والبيهقى، ورواه ابن ماجه ثقات.

26 -

وعن شهر بن حَوْشَبٍ عن عبد الرحمن بن غنم قال: لما دخلت مسجد الجابية (4) ألفينا (5) عُبادَةَ ابن الصامت، فأخذ يميني بشماله وشمال أبى الدرداء بيمينه

(1) أي طلب التفاخر في الدنيا والميل إلى الشهوة، وإذاعة الصيت، وتحدث الناس بأعماله؛ وسير الركبان بسيرته؛ وكسب الثقة بجميل أفعاله، وعلو مكارمه، وجذب قلوب الناس بمحبته، ولم يقصد في كل أعمال الخير وجه الله:

ثوب الرياء يشف عما تحته

فإذا اكتسيت به فإنك عار

أما إذا عمل خيرا لله وتحدث الناس بلا قصد منه فلا يضره هذا، وثوابه على الله.

(2)

في نسخة: عمله أحداً

(3)

أي الله سبحانه رحمته واسعة وفضله عميم وهو غني غنى مطلقا، فلا يحتاج لأي مساعد ولا يقبل عملا كان معه غيره - كيف وهذا الشريك هو الذي خلقه وأمده بنعمه - فما هذه الغفلة يامن تتصدق لله ولفلان، أو تطلب قضاء حاجة من الله وفلان - إن فلاناً ضعيف وحادث، وقد قال صلى الله عليه وسلم: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله -.

(4)

مدينة بالشام - جَبَي الخراج يجبى؛ والإجباء: بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، وفي الحديث:(من أجبى فقد أربى)

(5)

ألفنيا: وجدنا.

ص: 69

فخرج يمشى بيننا ونحن نَنْتَجِي (1) والله أعلم بما نتناجى، فقال عبادة بن الصامت: لئن طال بكما عمر أحدكما: أو كلاكما لتوشكان (2) أن تريا الرجل من ثبج المسلمين (يعنى من وسط) قُرَّاء القُرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قد أعاده وأبداه فأحل حلاله وحرم حرامه، ونزل عند منازله لا يحور (3)

منه إلا كما يحور رأس الحمار الميت. قال فبينمانحن كذلك إذا طلع علينا شداد بن أوس، وعوف بن مالك رضي الله عنهما فجلسا إليه، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما (4) سمعت من سول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من الشهوة الخفية والشرك) فقال عبادة ابن الصامت وأبو الدرداء: اللهم (5) غفراً، أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يُعبد في جزيرة العرب، فأما الشهوة الخفية فقد عرفناها هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها - فما هذا الشرك الذى تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتم لو رأيتم رجلا يُصلى لرجل، أو يصوم لرجل، أو يتصدق له لقد أشرك. قال (6) عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد الله إلى ما ابتغى به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له، ويدع ما أشرك به؟ قال شداد عند ذلك: فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل قال: أنا خير قسم لمن أشرك بى - من أشرك بى شيئا فإن جسده وعمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غنى. رواه أحمد، وشهر يأتى ذكره،

الترهيب من الشرك الخفى - حب التظاهر بصالحات الأعمال

ورواه البيهقى، ولفظه عبد الرحمن بن غنم: أنه كان في مسجد دمشق مع نفر من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فيهم معاذ بن جبل، فقال عبد الرحمن: يا أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الخفى، فقال معاذ بن جبل: اللهم غفراً

(1) نتحادث ونتسامر في خلوة. في نسخة: نتناجى.

(2)

لتقربان بتشديد النون لأنه وقع في جواب القسم الموطأ باللام، والواقع في جواب القسم يؤكد.

(3)

لا يحور: لا يرجع، ومنه قول الشاعر؛

وما المرء إلا كالشهاب وضوئه

يحور رماداً بعد إذ هو ساطع

والمعنى والله أعلم: أن ذلك الرجل الذى حفظ القرآن وأعاده وأبداه في حياته، ولكن كان مرائيا ومنافقا ويبتغى به عرض الدنيا فمات ولم ينتفع بقراءته ولا ثواب له في آخرته وترجع له الحياة ورأسه خال من آيات الله كما ترجع رأس الحمار الميت: قال الله تعالى لمن يحمل الكتب ولا ينتفع بعملها ولا يعمل بها (كمثل الحمار يحمل أسفاراً) فهذا كان يقرأ للرياء والشهرة وماكان يقصد وجه الله تعالى فحشره الله محروما من نعيم أهل القرآن. يجوز في نسختين: أي يحور

(4)

لما: من غير تشديد لأنها مركبة من لام الابتداء الداخلة على الخبر ومن ما الموصولة التي هي خبر إن.

(5)

نطلب منك يا الله ستر ذنوبنا وتوفيقنا لرضاك فقط.

(6)

في نسخة: فقال.

ص: 70

أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، حيث ودعنا: إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في جزيرتكم هذه، ولكن يُطاع فيما تحتقرون من أعمالكم فقد رضى بذلك فقال عبد الرحمن أنشدك الله يا معاذ أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صام (1) رياءً فقد أشرك، ومن تصدق رياء فقد أشرك. فذكر الحديث وإسناده ليس بالقائم، ورواه أحمد أيضاً والحاكم من رواية عبد الواحد بن زيد عن عباة بن نسى قال: دخلت على شداد بن أوس في مُصَلَاّهُ وهو يبكى، فقلت يا أبا عبد الرحمن: ما الذى أبكاك؟ قال حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: وما هو؟ قال بينما أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رأيت بوجهه أمرا ساءنى، فقلت: بأبى وأُمى يا رسول الله ما الذى أرى بوجهك (2). قال أمراً أتخوفه على أُمتى: الشرك، وشهوة خفية. قلت وتُشْرِكُ أُمَّتُكَ من بعدك؟ قال يا شداد: إنهم لا يعبدون شمساً، ولا وثناً، ولا حجراً، ولكن يُراءُون الناس (3) بأعمالهم. قلت يا رسول الله: الرياء شرك هو (4)؟ قال نعم. قلت: فما الشهوة الخفية؟ قال: يصبح أحدهم صائما (5)

فتعرض له شهوة من شهوات الدنيا فيفطر. قال الحاكم: واللفظ له صحيح الإسناد.

من صام رياء الخ فقد أشرك

(قال الحافظ عبد العظيم) كيف وعبد الواحد بن زيد الزاهد متروك، ورواه ابن ماجة مختصرا من رواية روّاد بن الجرّاح عن عامر بن عبد الله بن ذكوان عن عبادة بن نسى عن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أخوف على أُمتى الإشراك بالله، أما إنى لست أقول يعبدون شمساً ولا قمراً، ولا وثناء، ولكن أعمالاً لغير الله وشهوة خفية. وعامر بن عبد الله لا يعرف، وروّد يأتى الكلام عليه إن شاء الله تعالى، وروى البيهقى عن يعلى بن شداد عن أبيه قال: كنا نَعُدّ الرِّيَاء في زمن النبى صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر (6).

(1) أي يقصد بصومه مدح الناس له أنه تقى ورع صالح.

(2)

ليست في نسختين.

(3)

يحب المرء أن يتباهى الناس بعمله الخيري ولا ينوي ثواب الله.

(4)

في نسخة: بلا هو.

(5)

ينوي أن يصوم ليلا، فإذا أقبل النهار وعرضت له ملذة ارتكبها، وربما يصوم يوم رمضان، فيغتاب أو يسرق، أو يؤذى أحداً، ولا يمنعه صومه من ارتكاب المعاصى - وما صومه هذا إلا امتناع عن الطعام والشراب فقط .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع) قال تعالى: يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء).

(6)

لأن فيه تعظيما لغير الله ورعاية حق غير الله، وقد عد الله المرائين منافقين. من باب التشبيه والتغليظ:(إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً) والمعنى في الآية لمن ضموا إلى الكفر استهزاء بالإسلام وخداعا للمسلمين.

ص: 71

لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة من خردل من رياء

27 -

وعن القاسم بن مُخيمرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: لا يقبل الله عملا فيه مثال حبة من خردل من رياء. رواه جرير الطبرى مرسلاً.

28 -

وروى عن عدىِّ بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يُؤْمَرُ يوم القيامة بناس من الناس إلى الجنة حتى إذا دنوا (1) منها، واستنشقوا ريحها، ونظروا إلى قصورها، وما أعد الله لأهلها فيها نُودُوا أن اُصْرِفُوهُم (2) عنها لا نصيب (3) لهم فيها، فيرجعون بحسرة (4) ما رجع الأولون بمثلها فيقولون: ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن تُرِيَنَا ما أرَيْتَنَا (5) من ثوابك، وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا، قال: ذاك أردت بكم، كنت إذا خلوتم بارزتمُونى بالعظائم (6)، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين (7)، تُرَاءُونَ الناس بخلاف ما تعطونى من قلوبكم هِبْتمُ (8) الناس ولم تهابونى، وأجللتم (9) الناس ولم تُجِلُّونِي، وتركتم للناس ولم تتركولى - اليوم أُذيقُكُمْ أليم العذاب مع ما حُرِمتم من الثواب. رواه الطبراني في الكبير والبيهقى.

29 -

وروى عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الاتقاء (10) على العمل أشدُّ من العمل، وإن الرجلُ ليعمل العمل فيكتبُ له عمل صالح معمول به في السر علانية ويُمْحى تضيف أجره كله، ثم لا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس الثانية، ويُحِبُّ أن يُذْكَرَ به، ويُحْمَدَ عليه فَيُمْحى من العلانية، ويُكْتَبَ رياء، فاتقى الله امرؤ صان دينه، وإن الرياء شرك. رواه البيهقى، وقال: هذا من أفراد بقية عن شيوخه المجهولين.

(1) قربوا منها وشموا نسيمها.

(2)

أبعدوهم عن الجنة.

(3)

حظ.

(4)

ندامة وألم.

(5)

في نسخة: رأيتنا.

(6)

فعلتم الكبائر سرا إذ لم يركم أحد، وأعلنتم عصيانى وأنا أراكم.

(7)

مظهرين خوف الله جل وعلا، وتأخذكم الرهبة عند ذكر الله أمام الناس لتغشوا أو تخدعوا وتشتروا بالإخلاص لله الظاهر قلوب العامة لتستولوا على أموالهم، وتأكلوا طعامهم، وتأخذوا صدقاتهم - فويل لمن تظاهر بطاعة الله وقلبه مملوء فسقاً وعصيانا وحسداً ونفاقاً، ولا يفعل أوامر الله جل وعلا.

(8)

خفتم.

(9)

عظمتم الناس وغفلتم عن واجب من غمركم باحسانه، ولم تخشوا الله: والله أحق أن تخشوه.

(10)

الاتقاء التقوى والإخلاص والحفظ والكتمان لله وعدم إذاعة فضله: أي الخوف من الإقدام على العمل أهو مقبول عند الله؛ وشدة الحذر والوجل من فعله خشية أن يحبط ثوابه - أكثر ثواباً عند الله من العمل نفسه بمعنى أنك تعزم فتعمل وتملأ قلبك خشية منه جلا وعلا، ورغبة في ثوابه ورهبة من عقابه حتى لا يجد الشيطان عليه سبيلا، وإلا فينقل عمله من السر إلى الجهر، ومازال يتفاخر به حتى يحرم ثوابه ويعد رياء.

ص: 72

(قال الحافظ عبد العظيم) أظنه موقوفاً، والله أعلم.

اختلاف عمل الأمة وحديث معاذ رضى الله عنه

30 -

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان آخر الزمان صارت أُمتى ثلاث فرق: فرقة يعبدون الله خالصا، وفرقة يعبدون الله رياء، وفرقة يعبدون الله ليستأكلوا به (1) الناس، فإذا جمعهم الله يوم القيامة قال للذى يستأكلُ الناس: بعزتي وجلالى ما أردت بعبادتى؟ فيقول وعزتك وجلالك: أستأكل به الناس، قال: لم ينفعك ما جمعت، انطلقوا به إلى النار، ثم يقول للذى كان يعبده رياء بعزتى وجلال ما أردت بعبادتى؟ قال بعزتك وجلالك رياء الناس، قال لم يصعد إلى منه شيء، انطلقوا به إلى النار، ثم يقول: للذى كان يعبده خالصا بعزتى وجلالى ما أردت بعبادتى؟ قال بعزتك وجلالك أنت أعلم بذلك من أردت به أردت به ذكرك ووجهك؟ قال صدق عبدى انطلقوا به إلى الجنة (2). رواه الطبراني في الأوسط من رواية عبيد بن إسحق العطار، وبقية رواته ثقات، والبيهقى عن مولى أنس ولم يسمه قال: قال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره باختصار.

31 -

وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُؤْتَى يوم القيامة بصحف مُخَتَّمةٍ (3) فَتُنْصَبُ (4) بين يدى الله تعالى، فيقول تبارك وتعالى: ألقُوا هذه واقبلوا هذه، فتقول الملائكة وعزتك وجلالك ما رأينا إلا خيراً، فيقول الله عز وجل: إن هذا كان لغير وجهى (5) وإنى لا أقبل ما ابتغى به وجهى. رواه البزار والطبراني بإسنادين، رواة أحدهما رواة الصحيح، والبيهقى.

32 -

وَرُوِىَ عن معاذ رضي الله عنه أن رجلاً قال: حدثنى حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فبكى معاذ حتى ظننت أنه لا يسكت، ثم سكت ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لى يا معاذ: قلت له لبيك بأبى أنت وأمى. قال: إنى مُحدثك حديثا إن انت حفظته نفعك،، وإن أنت ضيعته ولم تحفظه انقطعت

(1) من طريق زي الصلاح والدين ليجمع الأموال من الناس.

(2)

فقه الحديث: أن يحذر العامل المطيع العابد أن يطلب من عمله حطام الدنيا أو الصيت الحسن؛ بل يجتهد أن يخلص لربه فقط ويرعى أوامره ويجتنب نواهيه حبا فيه جل وعلا؛ وفى دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحظى بالجنة.

(3)

ختم الشئ فهو مختوم ومختم: أي صحف مقفلة تشهد لصاحبها بالعمل.

(4)

تقام.

(5)

مرضاتى أي يريد به غير الله.

ص: 73

حجتك عند الله يوم القيامة، يا معاذ: إن الله خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السموات والأرض، ثم خلق السموات فجعل لكل سماء من السبعة ملكا بواباً عليها قد جللها عظما فتصعد الحفظة بعمل العبد من حين أصبح إلى أن أمسى، له نور كنور الشمس حتى إذا صعدت به إلى السماء الدنيا ذكرته فكثرته، فيقول الملك للحفظة: اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا صاحب الغيبة أمرنى ربى أن لا أدع عمل من اغتاب الناس يُجاوزنى إلى غيرى. قال ثم تأتي الحفظة بعمل صالح من أعمال العبد فتمر فتزكيه وتكثره حتى تبلغ به إلى السماء الثانية، فيقول لهم الملك الموكل بالسماء الثانية: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه إنه أراد بعمله هذا عرض الدنيا، أمرنى ربى أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيرى، إنه كان يفتخر على الناس في مجالسهم. قال وتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج نورا من صدقة وصيام وصلاة قد أعجب الحفظة فتجاوز به إلى السماء الثالثة، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا ملك الكبر، أمرنى ربى أن لا أدع عمله يجاوزنى إلى غيرى إنه كان يتكبر على الناس في مجالسهم. قال وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كما يزهر الكوكب الدريُّ، له دوى من تسبيح وصلاة وحج وعمرة حتى يجاوزوا به إلى السماء الرابعة، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، اضربوا ظهرَهُ وبطنه، أنا صاحب العُجب أمرنى ربى أن لا أدع عمله يجاوزنى إلى غيرى إنه كان إذا عمل عملا أدخل العُجب في عمله.

قال وتصعد الحفظة بعمل العبد حتى يجاوزوا به إلى السماء الخامسة كأنه العروس المزفوفة إلى بعلها، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واحملوه على عاتقه، أنا ملك الحسد إنه كان يحسد الناس ممن يتعلم، ويعمل بمثل عمله، وكل من كان يأخذ فضلا من العباد يحسدهم ويقع فيهم، أمرنى ربى أن لا أدع عمله يجاوزنى إلى غيرى. قال وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة، وزكاة؛ وحج وعمرة، وصيام فيجاوزون به إلى السماء السادسة، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه إنه كان لا يرحم إنسانا قط من عباد الله أصابه بلاءٌ أو ضرٌ بل كان يشمت (1) به، أنا ملك الرحمة أمرنى ربى أن لا أدع عمله

(1) الشماتة: الفرح ببلية العدو، وبايه سلم.

ص: 74

يجاوزنى إلى غيري. قال وتصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء السابعة من صوم وصلاة ونفقة، واجتهاد، وورع له دوىٌّ كدوى الرعد، وضوء كضوء الشمس معه ثلاثة آلاف ملك فيجاوزون (1) به الى السماء السابعة، فيقول لهم الموكل بها، قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، واضربوا جوارحه، اقفلوا على قلبه إنى أحجب عن ربى كل عمل لم يرد به وجه ربى إنه أراد بعمله غير الله. إنه أراد به رفعةً عند الفقهاء، وذكراً عند العلماء، وصوتا في المدائن، أمرنى ربى أن لا أدع عمله يجاوزنى إلى غيرى، وكل عمل لم يكن لله خالصا فهو رياء، ولا يقبل الله عمل المُرائى. قال وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة، وزكاة وصيام، وحج وعمرةٍ، وخلق حسن، وصمت، وذكر لله تعالى وتُشَيِّعُهُ ملائكة السموات حتى يقطعوا به الحجب كلها إلى الله عز وجل فيقفون بين يديه ويشهدون له بالعمل الصالح المخلص لله.

قال فيقول الله لهم أنتم الحفظة على عمل عبدى وأنا الرقيب على نفسه إنه لم يُردنى بهذا العمل، وأراد به غيري فعليه لعنتى، فتقول الملائكة كلها: عليه لعنتك ولعنتنا، وتقول السموات كلها: عليه لعنة الله ولعنتنا وتلعنه السموات السبع ومن فيهن. قال معاذ قلت يا رسول الله أنت رسول الله وأنا معاذ. قال اقتد بى (2) وإن كان في عملك تقصير، يا معاذ: حافظ على لسانك من الوقيعة في إخوانك من حملة القرآن، واحمل ذنوبك عليك ولا تحملها عليهم، ولا تزك نفسك بذمهم، ولا ترفع نفسك عليهم، ولا تدخل عمل الدنيا في عمل الآخرة، ولا تتكبر في مجلسك لكى يحذر الناس من سوء خلقك، ولا تُنَاج رجلا وعندك آخر. ولا تتعظم على الناس فينقطع عنك خير الدنيا والآخرة؛ ولا تُمزق الناس فتمزقك كلاب النار يوم القيامة في النار. قال الله تعالى:(والناشِطات (3) نشطا) أتدرى ماهنَّ يا معاذ. قلت ما هن بأبى انت وأمى؟ قال كلاب في النار تنشط اللحم والعظم. قلت بأبى أنت وأمى فمن يطيق هذه الخصال. ومن ينجو منها؟ قال يا معاذ إنه ليسير على من يسره الله عليه. قال فما رأيتُ أكثر تلاوة للقرآن من معاذ للحذر مما في هذا الحديث رواه ابن المبارك في كتاب

(1) في نسخة: فيتجاوزون.

(2)

في نسخة: اقتد أي اعمل صالحا.

(3)

الناشطات: يعنى النجوم تنشط من برج إلى برج، وفسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلاب جهنم تنهش لحمه وتعرق عظمه.

ص: 75

الزهد عن رجل لم يسمه عن معاذ، ورواه ابن حبان في غير الصحيح والحاكم وغيرهما، وروى عن علىّ وغيره، وبالجملة فآثار الوضع ظاهرة عليه في جميع طرقه وبجميع ألفاظه.

فصل

33 -

وعن أبي علىٍّ رجل من بنى كاهل قال: خطبنا أبو موسى الأشعرى فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل. فقام عليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب. فقالا: والله لتخرجن مما قلت أو لنأتينَّ عمر مأْذُوناً لنا أوغير مأْذُونٍ. فقال بل أخرج مما قلت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال ياأيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل. فقال له من شاء الله أن يقول وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أنشرك به شيئاً نعلمه، ونستعفرك لما لا نعلمه. رواه أحمد والطبراني؛ ورواته إلى أبى علىّ محتج بهم في الصحيح. أبو علىّ وثقه ابن حبان؛ ولم أر أحداً جرحه. ورواه أبى يعلى بنحوه من حديث حذيفة إلا أنه قال فيه يقول كل يوم ثلاث مرات (1)

(1) خلاصة فقه باب الترهيب من الرِّياء وطلب العمل لوجه الله

أ - أن المؤمن يجتهد أن تكون أعماله كلها لله، ولا يشرك أحداً في نيته خشية أن يرد الله عليه أعماله ويحرمه من الثواب كما عذب من قاتل ليتحدث الناس بشجاعته فاستشهد، ولم يجد له ثوابا في آخرته وكذا العالم القارئ والغنى الجواد فأخذ كل واحد نصيبه في حياته من المدح والثناء.

ب - فيه بشارة لعلو الأمة المحمدية، وسعة ملكها، وقوة أهلها، وبزوغ كواكب نجاحها، وشروق شموس سعودها ولكن ينصحهم السيد الرسول أن يعملوا لله بإخلاص ليبارك لهم في دنياهم ويثيبهم في أخراهم.

جـ - وأخبر صلى الله عليه وسلم: أن الذى ينافق في عمله ويرائى يرد عليه ما عمل ويفضحه يوم القيامة على رءوس الأشهاد، ويظهر خطاياه، ويبعده عن رحمته، وقد وصف المرائين بالخداع والمكر واللؤم، ولين الملمس، وحلاوة اللسان، وخبث الطوية، وسوء النية، وأنذرهم بالعذاب الأليم، ونار الجحيم، وبين علامة الصالحين: الإخلاص في السر والعلانية، وملازمة التقوى، وخشية الله، وإتقان العمل لله، والأمانة، وصدق الحديث، والتوكل على الله، والعمل لله خفية، وبغض الجهر، وعدم التظاهر، يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر (قلوبهم مصابيح الهدى).

د - بين صلى الله عليه وسلم معجزة في القرن العشرين لقراء القرآن والعلماء غير العاملين أنهم يقرءون، ويعلمون ولكن عقلهم غائب ومخهم خاو إذ لا يتعظون ولا يهتدون، وضرب صلى الله عليه وسلم لهم أسوأ مثل برأس الحمار الميت فكما لا ينتفع بالحمار الميت صاحبه كذلك القارئ أو العالم لا ينتفع بما يعيه ويعيده، وفاتقوا الله أيها القراء والعلماء، واعملوا بأوامر الله ونواهيه، واما حكم الكتاب والسنة.

وهنا حصلت مناقشة: أينال صاحب الراديو ذنبا من قراء القرآن؟ وكذا الحاكى، وهل قارئ القرآن في الردايو يأثم؟. =

ص: 76