الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترغيب في الرحلة في طلب العلم
1 -
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله به طريقا إلى الجنة. رواه مسلم وغيره، وتقدم بتمامه في الباب قبله.
2 -
وعن ذر بن حُبَيْشٍ قال أتيت صفوان بن عسال المرادىَّ رضى الله عنه قال: ما جاء بك؟ قلت أنبط العلم. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع. رواه الترمذي وصححه، وابن ماجه واللفظ له، وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد (قوله: أنبط العلم) أي أطلبه واستخرجه.
3 -
وعن قبيصة بن المارق رضى الله عنه قال: أتيت النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا قبيصةٌ ماجاء بك (1)؟ قلت كبرت سنى ورق عظمى، فأتيتك لتُعَلِّمَني ما ينفعنى الله تعالى به، فقال: يا قبيصة ما مررت بحجر، ولا شجر، ولا مدرٍ إلا استغفر لك، يا قبيصة: إذا صليت الصبح فقل ثلاثا: سبحان الله العظيم وبحمده تعاف (2) من العمى (3)، والجذام (4) والفلج (5) ياقبيصة: قل اللهم إنى أسألك مما عندك وأفض (6) عليَّ من فضلك، وأنشر على من رحمتك، وأنزل علىَّ من بركاتك (7). رواه أحمد، وفي إسناده راوٍ لم يسمَّ.
4 -
وعن أبي أمامةَ عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: من غدا (8) إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيراً أو يعلمه (9) كان له كأجر حاجٍّ تامًّا حَجَّتُهُ (10). رواه الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به.
(1) ما الذى أحضرك.
(2)
تشف وتبرأ.
(3)
فقد البصر.
(4)
مرض معد تذهب الأعضاء من تأثير تقطيعه فيها ويغير صفة الوجه ويهشم الأنف ويلوي الأصابع. أعاذنا الله منه، ووفقنا لنعمل بورد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(5)
لعله يريد صلى الله علي وسلم مرض الفالج، قال في النهاية - داء معروف يرخى البدن. أما كلمة الفلج فهى فرجة ما بين الثنايا والرباعيات، وفي صفته عليه الصلاة والسلام أنه كان مفلج الأسنان، وفي رواية أفلج الأسنان، وفلج: فاز، ومن الفالج أي الغالب في قماره، وقد فلج أصحابه وعلي أصحابه: أي غلب وقهر، وفي حديث أنه صلى الله عليه وسلم لعن المتفلجات للحسن: أي النساء اللاتي يفعلن ذلك بأسنانهن رغبة في التحسين.
(6)
واغمرني.
(7)
خيراتك.
(8)
ذهب.
(9)
يرشد الناس إلى طريق الخير.
(10)
أي تمت حجته.
من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع
5 -
وروى عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من جاء مسجدى هذا لم يأْته إلا لخيرٍ يتعلمه، أو يُعَلَّمُهُ، فهو بمنزلة المجاهدين (1) فى سبيل الله، ومن جاء بغير ذلك فهو بمنزل الرجل ينظر إلى متاع غيره (2) رواه ابن ماجه والبيهقى، وليس في إسناده من ترك ولا أجمع على ضعفه.
6 -
وروى عن عليٍّ رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما انتعل (3) عبد قط، ولا تخفف، ولا لبس ثوبا في طلب علم إلا غفر الله له ذنوبه حيث يخطو عتبة دارهِ. رواه الطبراني في الأوسط.
(قوله تخفف) أي لبس خفه.
7 -
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع. رواه الترمذي وقال حديث حسن.
8 -
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من غدا يريد العلم يتعلمه لله، فتح الله بابا إلى الجنة، وفرشت له الملائكة (4) أكنافها، وصلت عليه (5) ملائكة السموات، وحيتان البحر، وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء، والعلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثوا ديناراً ولا درهما، ولكنهم ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظه، وموت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة (6)
لا تُسَدُّ، وهو نجم طُمسَ، موت قبيلةٍ أيسر من موت عالم
(1) العاملين المضاعف ثوابهم.
(2)
شئ لا يملكه فيتحسر، ولا ثواب له.
(3)
لبس النعل.
(4)
أي أحاطت به، أكنافها: أجنحتها.
(5)
دعت له.
(6)
الخلل في الحائط والشق وغيره.
خلاصة معنى باب العلم وطلبه والاستدلال بفضله بالآيات القرآنية
قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث المسلمين على التفقه في الدين، وهذا الخير نفسه - والفقه تفهم مسائل الدين، من صلاة وصوم ومعاملة ونكاح، وعلوم الشريعة، وثمرته الزهد في الدنيا، والورع، واجتناب الشبه والإكثار من العمل الصالح والعبادة، والفقيه قدوة حسنة، ومثل كامل، وعنوان المكارم، وفى ذلك يقول الله تعالى في سورة الأنبياء:(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وفي سورة فاطر: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) لأن العلم أرشدهم إلى كمال قدرته وبديع صفاته فزادوه هيبة وإجلالا، وقد شبه الله جل وعلا العالم بالبصير والسميع والجاهل بالأعمى والأصم، ونفى المساواة بينهما، فقال جل شأنه في سورة هود:(مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون) وفي سورة فاطر: (وما يستوي =
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، وليس عندهم: موت العالم إلى آخره.
= الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوى الأحياء ولا الأموات) فهناك فرق شاسع، وقد شبه الله تعالى العلم بالنور والجهل بالظلمات ونفى الفرق بينهما كل لا يستوي الظل الذي ينتفع به بالحرور الذي يتضرر به، وكذلك لا يستوى الأحياء بنور العلم ولا الأموات الذين غفلت قلوبهم عن الله ونسوا الله فنسيهم وعصوا الله فأمات قلوبهم فلا يتأثرون بالمواعظ ولا يعملون بتعاليم الله ورسوله. وانظر رعاك الله إلى بيان درجة العلماء وزيادة شرفهم عند الله جل وعلا، إذ ذكرهم بعد ملائكته الأبرار قال تعالى في سورة آل عمران (شهد الله إنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) اعترف العلماء مع الملائكة أن الله واحد فعبدوه بحق ودعوا الناس إلى طاعته. والإخلاص إليه في العمل، والالتجاء إليه في الأمور، ونبذ ما سواه، والتوكل عليه وحده فهو الفعال. على أن العلماء شهداء مع الله على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى في سورة الرعد (قل كفى بالله شهيداً بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب) أقروا بالرسالة وتركوا الجهالة، وسفهوا العاصين: ووبخوا الكافرين.
والعلماء في كل زمان ومكان قادة وسادة يردون الناس إلى الله ويدعون إليه ويبعدونهم عن الفسوق ويقولون الحق وقد حكي الله عن قارون وماله وكبريائه، وافتتان الناس به، ومنع العلماء التمنى مثله - فقال جل شأنه في صورة القصص (وقال الذين أتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً) هذه وظيفة العلماء يرشدون الجاهل ويردون الضال، قال تعالى في سورة النساء (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) إشارة إلى أن العلماء ورثة الأنبياء في توضيح المبهم، وإضاءة الحكم في كشف حكم الله جل وعلا، ودعوة الناس إلى الاسظلال بظلهم الوارف رجاء الفوز دنيا وأخري كما قال جل شأنه (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) من سورة العنكبوت، قال الله تعالى يعنى بكلمة العلماء الذين كمل دينهم، وتم عقلهم فتحلوا بالمكارم جمعاء، واتصفوا بالمحامد عامتها، وفيهم يقول جل شأنه في سورة الرعد (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساء، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم، وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار. جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار).
يأ أخى المسلم: تفكر قليلا في آيات العلماء العاملين الذي أنار الله بصائرهم فأرشدوا إلى ما فيه منفعتهم والعالم بالشيء كالبصير، والجاهل به كالأعمى الذي ختم الله على قلبه فلم يستضئ بنور العلم ولم يتذكر ما يضره وما ينفعه، ولا يتذكر إلا أصحاب العقول الراجحة والبصائر المستنيرة، وقد وصف الله العلماء أصحاب العقول الكاملة التى استخدموها في مرضاة ربهم بصفات هي عنوان الإخلاص وشمس القبول ودليل التوفيق. ولن تجد أحسن منها:
1 -
الوفاء بالعهد وعدم نقض الميثاق بإطاعة أوامر الله واجتناب نواهيه وإرشاد الخلق إلى ذلك لأنهم قدوة حسنة.
2 -
صلة جميع الأقارب وموالاة المؤمنين ومودة الصالحين ومحبة العاملين وعدم هجرانهم.
3 -
خوف الله تعالى وخشيته فلا شر يقع منهم، ولا أذى لمخلوق، ولا ترك واجب، ولا فعل معصية ولذا قيل:(رأس الحكمة مخافة الله). =
ورواه البيهقي واللفظ له من رواية الوليد بن مسلم حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن عثمان ابن أيمن عنه، وسيأتى في الباب بعده حديث أبى الردين إن شاء الله تعالى.
= 4 -
…
الخوف من الحساب يوم القيامة فيجتهد العالم في العمل الصالح وتطهير صحائفه لينقى وينجو من الشدائد.
5 -
الصبر وهو حبس النفس على المكروه وإيجاد العزيمة على احتمال المشاق في أعمال الخير.
6 -
إقامة الصلاة في أوقاتها تامة الأركان والشروط ويأمر أهله بها ويصطبر عليها.
7 -
التصدق بالمال في السر والجهر ليدل على سماحة النفس وطهارتها من البخل وثقتها بالله المعطى.
8 -
مقابلة السيئة بالحسنة لوقف الشرور وخجل المسيء والبرهان على سعة الصبر وطهارة القلب لله في الله.
هؤلاء العلماء والمؤمنون الذي آمنوا بالله وعملوا بكتابه وسنة حبيبه سيدخلهم ربهم جنته ويتكرم عليهم برضوانه ويجمعهم هناك بالصالحين من آبائهم وأزواجهم وأمهاتهم وأولادهم ليتم أنسهم ويزيد سرورهم. ياأخى اعرض هذه الصفحات على نفسك أولا، وعلى غيرك ثانيا فمن اتصف بها، فصاحبه وجالسه وزره وتودد إليه، ومن لم يفعل فاقطع صحبته وتجنبه - وهذا لعمري مصداق قوله تعالى: والذي جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون، لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون - أليس الله بكاف عبده) يقول البيضاوي هنا اللام للجنس ليتناول الرسل والمؤمنين (والعلماء ورثة الأنبياء) وقيل هو النبى صلى الله عليه وسلم، والمراد هو ومن تبعه أهـ أي من الذين أقبلوا على العلم فهذبوا نفوسهم فوصلوا إلى ربهم بالتقوى والعمل الصالح، ويرشد إلى ذلك قول الله تبارك وتعالى (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد) من سورة سبأ.
خلاصة باب فضل العلم
فأنت ترى أن تعليم العلم هو الخير كله، وذلك بالذهاب إلى العلماء والبحث عن دقائقه وهو سبب الخشية والقرب منه جل وعلا وتمام الثقة به، وفيه الهداية والإلهام إلى الرشد وتنوير القلب ويدعو إلى الورع ويبعد عن الفتن والكبرياء والخيلاء والاعجاب وطالبه يسلك طريق الجنة وكذا من ساعده وأمده وأعانه، واجتماع قوم لدراسة القرآن سبب رحمة الله وفيضه، وغوثه، هذا إلى أن كل شيء يطلب المغفرة للعالم العامل بعلمه. والعلم عنوان العز ومعين البر، وباب العلا، ونور الحق، والخل الوفي، والصاحب الصديق الموصل في الجنة إلى جوار الأنبياء والشهداء الجاري ثوابه مدى الحياة وبعد الممات، وهو خير مكتسب، وأعظم مطلب، يهدى إلى الحق، ويزيل الأذى، وطلبه أفض من صلاة النافلة وطالبه كأرض مخصبة وشجرة مثمرة، والجاهل كالصحراء لا فائدة منه. والعالم يشفع فيمن يحب له الخير يوم القيامة، والله وعد ألا يعذبه، وهو عدو ألد للشيطان يهدم بنيانه ويسفه رأيه ويحارب أنصاره ويحذر الناس من غوايته ويطلب من الناس أن ينتفعوا بميراث محمد صلى الله عليه وسلم وهو اتباع الكتاب والسنة، وخير العلم ما قربك إلى ربك، وشره السفسطة والجدل والالحاد والزندقة، وإن موت العالم خسارة على الأمة، وخلل في بنيانها، وكوكب غاب في سمائها. أسأل الله أن يعلمنا فنعمل ويوفقنا فنسعد إنه قدير.