المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الترغيب في الرحلة في طلب العلم - الترغيب والترهيب للمنذري - ت عمارة - جـ ١

[عبد العظيم المنذري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌نبذة في مصطلح الحديث وفن أصوله

- ‌بيان أقسام طرق تحمل الحديث ومجامعها

- ‌الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه

- ‌الإمام مالك رضي الله عنه

- ‌الإمام الشافعي رضي الله عنه

- ‌الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه

- ‌الإمام البخاري رضي الله عنه

- ‌الإمام مسلم رضي الله عنه

- ‌الإمام أبو داود

- ‌الإمام الترمذي

- ‌الإمام النسائي

- ‌الإمام ابن ماجه

- ‌الإمام الطبراني

- ‌الإمام أبو يعلى

- ‌الإمام البزار

- ‌الإمام النيسابوري

- ‌الإمام ابن خزيمة

- ‌الإمام ابن أبي الدنيا

- ‌الإمام البيهقي

- ‌الإمام الأصبهاني

- ‌الحافظ المنذري

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌تقاريظ الطبعة الثانية

- ‌مصادر الفتح الجديد في الترغيب والترهيب

- ‌الترغيب في الإخلاص والصدق والنية الصالحة

- ‌الترهيب من الرياء وما يقوله من خاف شيئاً منه

- ‌الترغيب في اتباع الكتاب والسنة

- ‌الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء

- ‌الترغيب في البداءة بالخير ليستن بهوالترهيب من البداءة بالشرّ خوف أن يستن به

- ‌كتاب العلم

- ‌الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمهوما جاء في فضل العلماء والمتعلمين

- ‌الترغيب في الرحلة في طلب العلم

- ‌الترغيب في سماع الحديث وتبليغه ونسخهوالترهيب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الترغيب في مجالسة العلماء

- ‌الترغيب في إكرام العلماء وإجلالهم وتوقيرهموالترهيب من إضاعتهم وعدم المبالاة بهم

- ‌الترهيب من تعلم العلم لغير وجه الله تعالى

- ‌الترغيب في نشر العلم والدلالة على الخير

- ‌الترهيب من كتم العلم

- ‌الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه ويقول ولا يفعله

- ‌الترهيب من الدعوى في العلم والقرآن

- ‌الترهيب من المراء والجدال والمخاصمة والمحاججة والقهر والغلبةوالترغيب في تركه للمحق والمبطل

- ‌كتاب الطهارة

- ‌الترهيب من التخلي على طرق الناس أو ظلهم أو مواردهموالترغيب في الانحراف عن استقبال القبلة واستدبارها

- ‌الترهيب من البول في الماء والمغتسل والجحر

- ‌الترهيب من الكلام على الخلاء

- ‌الترهيب من إصابة البول الثوب وغيره، وعدم الاستبراء منه

- ‌الترهيب من دخول الرجال الحمام بغير أزر ومن دخول النساء بأزر وغيرها إلا نفساء أو مريضة، وما جاء في النهى عن ذلك

- ‌الترهيب من تأخير الغسل لغير عذر

- ‌الترغيب في الوضوء وإسباغه

- ‌الترغيب في المحافظة على الوضوء وتجديده

- ‌الترهيب من ترك التسمية على الوضوء عامدا

- ‌الترغيب في السواك وما جاء في فضله

- ‌الترغيب في تخليل الأصابع، والترهيب من تركه وترك الإسباغ إذا أخل بشيء من القدر الواجب

- ‌الترغيب في كلمات يقولهن بعد الوضوء

- ‌الترغيب في ركعتين بعد الوضوء

- ‌كتاب الصلاة

- ‌الترغيب في الأذان وما جاء في فضله

- ‌الترغيب في إجابة المؤذن، وبماذا يجيبه؟ وما يقول بعد الأذان

- ‌الترغيب في الإقامة

- ‌الترهيب من الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر

- ‌الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة

- ‌الترغيب في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها

- ‌الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تجميرها

- ‌الترهيب من البصاق في المسجد، وإلى القبلة، ومن إنشاد الضالةفيه، وغير ذلك

- ‌الترغيب في المشى إلى المساجد سيما في الظلم وما جاء في فضلها

- ‌الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها

- ‌الترهيب من إتيان المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو كراثا أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة

- ‌ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهن ولزومهاوترهيبهن من الخروج منها

- ‌الترغيب في الصلوات الخمس والمحافظة عليها والإيمان بوجوبها

- ‌الترغيب في الصلاة مطلقاً، وفضل الركوع والسجود والخشوع

- ‌الترغيب في الصلاة في أول وقتها

- ‌الترغيب في صلاة الجماعة وما جاء فيمن خرج يريد الجماعةفوجد الناس قد صلوا

- ‌الترغيب في كثرة الجماعة

- ‌الترغيب في الصلاة في الفلاة

- ‌الترغيب في صلاة العشاء والصبح خاصة في جماعةوالترهيب من التأخر عنهما

- ‌الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر

- ‌الترغيب في صلاة النافلة في البيوت

- ‌الترغيب في انتظار الصلاة بعد الصلاة

- ‌الترغيب في المحافظة على الصبح والعصر

- ‌الترغيب في جلوس المرء في مصلاه بعد صلاة الصبح وصلاة العصر

- ‌الترغيب في أذكار يقولها بعد الصبح والعصر والمغرب

- ‌الترهيب من فوات العصر بغير عذر

- ‌الترغيب في الإمامة مع الإتمام والإحسانوالترهيب منها عند عدمهما

- ‌الترهيب من إمامة الرجل القوم وهم له كارهون

- ‌الترغيب في الصف الأول، وما جاء في تسوية الصفوف والتراص فيها وفضل ميامنها ومن صلى في الصف المؤخر مخافة إيذاء غيره لو تقدم

- ‌الترغيب في وصل الصفوف وسد الفرج

- ‌الترهيب من تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم وتقدم النساء إلى أوائل صفوفهن ومن اعوجاج الصفوف

- ‌الترغيب في التأمين خلف الإمام وفى الدعاءوما يقوله في الاعتدال والاستفتاح

- ‌الترهيب من رفع المأموم رأسه قبل الإمام في الركوع والسجود

- ‌الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجودوإقامة الصلب بينهما وما جاء في الخشوع

- ‌الترهيب من رفع البصر إلى السماء في الصلاة

- ‌الترهيب من الالتفات في الصلاة وغيره مما يذكر

- ‌الترهيب من مسح الحصى وغيره في موضع السجودوالنفخ فيه لغير ضرورة

- ‌الترهيب من وضع اليد على الخاصرة في الصلاة

- ‌الترهيب من المرور بين يدى المصلى

- ‌الترهيب من ترك الصلاة تعمدا وإخراجها عن وقتها تهاونا

- ‌كتاب النوافل

- ‌الترغيب في المحافظة على ثنتى عشرة ركعة من السنة في اليوم والليلة

- ‌الترغيب في المحافظة على ركعتين قبل الصبح

- ‌الترغيب في الصلاة قبل الظهر وبعدها

- ‌الترغيب في الصلاة قبل العصر

- ‌الترغيب في الصلاة بين المغرب والعشاء

- ‌الترغيب في الصلاة بعد العشاء

- ‌الترغيب في صلاة الوتر وما جاء فيمن لم يوتر

- ‌الترغيب في أن ينام الإنسان طاهراً ناوياً للقيام

- ‌الترغيب في كلمات يقولهن حين يأوى إلى فراشهوما جاء فيمن نام ولم يذكر الله تعالى

- ‌الترغيب في كلمات يقولهن إذا استيقظ من الليل

- ‌الترغيب في قيام الليل

- ‌الترهيب من صلاة الإنسان وقراءته حال النعاس

- ‌الترهيب من نوم الإنسان إلى الصباح وترك قيام شئ من الليل

- ‌الترغيب في آيات وأذكار يقولها إذا أصبح وإذا أمسى

- ‌الترغيب في قضاء الإنسان ورده إذا فاته من الليل

- ‌الترغيب في صلاة الضحى

- ‌الترغيب في صلاة التسبيح

- ‌الترغيب في صلاة التوبة

- ‌الترغيب في صلاة الحاجة ودعائها

- ‌الترغيب في صلاة الاستخارة وما جاء في تركها

- ‌كتاب الجمعة

- ‌الترغيب في صلاة الجمعة والسعى إليهاوما جاء في فضل يومها وساعتها

- ‌الترغيب في الغسل يوم الجمعة

- ‌الترغيب في التبكير إلى الجمعة وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير من غير عذر

- ‌الترهيب من تخطى الرقاب يوم الجمعة

- ‌الترهيب من الكلام والإمام يخطب، والترغيب في الإنصات

- ‌الترهيب من ترك الجمعة لغير عذر

- ‌الترغيب في قراءة سورة الكهف وما يذكر معهاليلة الجمعة ويوم الجمعة

- ‌كتاب الصدقات

- ‌الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها

- ‌الترهيب من منع الزكاة، وما جاء في زكاة الحلى

- ‌الترغيب في العمل على الصدقة بالتقوىوالترهيب من التعدي فيها والخيانة، واستحباب ترك العمل لمن لا يثق بنفسهوما جاء في المكاسين والعشارين والعرفاء

- ‌الترهيب من المسألة وتحريمها مع الغنى وما جاء في ذم الطمعوالترغيب في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده

- ‌ترغيب من نزلت به فاقة أو حاجة أن ينزلها بالله تعالى

- ‌الترهيب من أخذ ما دفع من غير طيب نفس المعطي

- ‌ترغيب من جاءه شيء من غير مسألة ولا إشراف نفس في قبولهسيما إن كان محتاجاً، والنهي عن رده وإن كان غنيا عنه

- ‌ترهيب السائل أن يسأل بوجه الله غير الجنةوترهيب المسئول بوجه الله أن يمنع

الفصل: ‌الترغيب في الرحلة في طلب العلم

‌الترغيب في الرحلة في طلب العلم

1 -

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله به طريقا إلى الجنة. رواه مسلم وغيره، وتقدم بتمامه في الباب قبله.

2 -

وعن ذر بن حُبَيْشٍ قال أتيت صفوان بن عسال المرادىَّ رضى الله عنه قال: ما جاء بك؟ قلت أنبط العلم. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع. رواه الترمذي وصححه، وابن ماجه واللفظ له، وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد (قوله: أنبط العلم) أي أطلبه واستخرجه.

3 -

وعن قبيصة بن المارق رضى الله عنه قال: أتيت النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا قبيصةٌ ماجاء بك (1)؟ قلت كبرت سنى ورق عظمى، فأتيتك لتُعَلِّمَني ما ينفعنى الله تعالى به، فقال: يا قبيصة ما مررت بحجر، ولا شجر، ولا مدرٍ إلا استغفر لك، يا قبيصة: إذا صليت الصبح فقل ثلاثا: سبحان الله العظيم وبحمده تعاف (2) من العمى (3)، والجذام (4) والفلج (5) ياقبيصة: قل اللهم إنى أسألك مما عندك وأفض (6) عليَّ من فضلك، وأنشر على من رحمتك، وأنزل علىَّ من بركاتك (7). رواه أحمد، وفي إسناده راوٍ لم يسمَّ.

4 -

وعن أبي أمامةَ عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: من غدا (8) إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيراً أو يعلمه (9) كان له كأجر حاجٍّ تامًّا حَجَّتُهُ (10). رواه الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به.

(1) ما الذى أحضرك.

(2)

تشف وتبرأ.

(3)

فقد البصر.

(4)

مرض معد تذهب الأعضاء من تأثير تقطيعه فيها ويغير صفة الوجه ويهشم الأنف ويلوي الأصابع. أعاذنا الله منه، ووفقنا لنعمل بورد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(5)

لعله يريد صلى الله علي وسلم مرض الفالج، قال في النهاية - داء معروف يرخى البدن. أما كلمة الفلج فهى فرجة ما بين الثنايا والرباعيات، وفي صفته عليه الصلاة والسلام أنه كان مفلج الأسنان، وفي رواية أفلج الأسنان، وفلج: فاز، ومن الفالج أي الغالب في قماره، وقد فلج أصحابه وعلي أصحابه: أي غلب وقهر، وفي حديث أنه صلى الله عليه وسلم لعن المتفلجات للحسن: أي النساء اللاتي يفعلن ذلك بأسنانهن رغبة في التحسين.

(6)

واغمرني.

(7)

خيراتك.

(8)

ذهب.

(9)

يرشد الناس إلى طريق الخير.

(10)

أي تمت حجته.

ص: 104

من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع

5 -

وروى عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من جاء مسجدى هذا لم يأْته إلا لخيرٍ يتعلمه، أو يُعَلَّمُهُ، فهو بمنزلة المجاهدين (1) فى سبيل الله، ومن جاء بغير ذلك فهو بمنزل الرجل ينظر إلى متاع غيره (2) رواه ابن ماجه والبيهقى، وليس في إسناده من ترك ولا أجمع على ضعفه.

6 -

وروى عن عليٍّ رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما انتعل (3) عبد قط، ولا تخفف، ولا لبس ثوبا في طلب علم إلا غفر الله له ذنوبه حيث يخطو عتبة دارهِ. رواه الطبراني في الأوسط.

(قوله تخفف) أي لبس خفه.

7 -

وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع. رواه الترمذي وقال حديث حسن.

8 -

وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من غدا يريد العلم يتعلمه لله، فتح الله بابا إلى الجنة، وفرشت له الملائكة (4) أكنافها، وصلت عليه (5) ملائكة السموات، وحيتان البحر، وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء، والعلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثوا ديناراً ولا درهما، ولكنهم ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظه، وموت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة (6)

لا تُسَدُّ، وهو نجم طُمسَ، موت قبيلةٍ أيسر من موت عالم

(1) العاملين المضاعف ثوابهم.

(2)

شئ لا يملكه فيتحسر، ولا ثواب له.

(3)

لبس النعل.

(4)

أي أحاطت به، أكنافها: أجنحتها.

(5)

دعت له.

(6)

الخلل في الحائط والشق وغيره.

خلاصة معنى باب العلم وطلبه والاستدلال بفضله بالآيات القرآنية

قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث المسلمين على التفقه في الدين، وهذا الخير نفسه - والفقه تفهم مسائل الدين، من صلاة وصوم ومعاملة ونكاح، وعلوم الشريعة، وثمرته الزهد في الدنيا، والورع، واجتناب الشبه والإكثار من العمل الصالح والعبادة، والفقيه قدوة حسنة، ومثل كامل، وعنوان المكارم، وفى ذلك يقول الله تعالى في سورة الأنبياء:(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وفي سورة فاطر: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) لأن العلم أرشدهم إلى كمال قدرته وبديع صفاته فزادوه هيبة وإجلالا، وقد شبه الله جل وعلا العالم بالبصير والسميع والجاهل بالأعمى والأصم، ونفى المساواة بينهما، فقال جل شأنه في سورة هود:(مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون) وفي سورة فاطر: (وما يستوي =

ص: 105

رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، وليس عندهم: موت العالم إلى آخره.

= الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوى الأحياء ولا الأموات) فهناك فرق شاسع، وقد شبه الله تعالى العلم بالنور والجهل بالظلمات ونفى الفرق بينهما كل لا يستوي الظل الذي ينتفع به بالحرور الذي يتضرر به، وكذلك لا يستوى الأحياء بنور العلم ولا الأموات الذين غفلت قلوبهم عن الله ونسوا الله فنسيهم وعصوا الله فأمات قلوبهم فلا يتأثرون بالمواعظ ولا يعملون بتعاليم الله ورسوله. وانظر رعاك الله إلى بيان درجة العلماء وزيادة شرفهم عند الله جل وعلا، إذ ذكرهم بعد ملائكته الأبرار قال تعالى في سورة آل عمران (شهد الله إنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) اعترف العلماء مع الملائكة أن الله واحد فعبدوه بحق ودعوا الناس إلى طاعته. والإخلاص إليه في العمل، والالتجاء إليه في الأمور، ونبذ ما سواه، والتوكل عليه وحده فهو الفعال. على أن العلماء شهداء مع الله على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى في سورة الرعد (قل كفى بالله شهيداً بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب) أقروا بالرسالة وتركوا الجهالة، وسفهوا العاصين: ووبخوا الكافرين.

والعلماء في كل زمان ومكان قادة وسادة يردون الناس إلى الله ويدعون إليه ويبعدونهم عن الفسوق ويقولون الحق وقد حكي الله عن قارون وماله وكبريائه، وافتتان الناس به، ومنع العلماء التمنى مثله - فقال جل شأنه في صورة القصص (وقال الذين أتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً) هذه وظيفة العلماء يرشدون الجاهل ويردون الضال، قال تعالى في سورة النساء (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) إشارة إلى أن العلماء ورثة الأنبياء في توضيح المبهم، وإضاءة الحكم في كشف حكم الله جل وعلا، ودعوة الناس إلى الاسظلال بظلهم الوارف رجاء الفوز دنيا وأخري كما قال جل شأنه (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) من سورة العنكبوت، قال الله تعالى يعنى بكلمة العلماء الذين كمل دينهم، وتم عقلهم فتحلوا بالمكارم جمعاء، واتصفوا بالمحامد عامتها، وفيهم يقول جل شأنه في سورة الرعد (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساء، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم، وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار. جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار).

يأ أخى المسلم: تفكر قليلا في آيات العلماء العاملين الذي أنار الله بصائرهم فأرشدوا إلى ما فيه منفعتهم والعالم بالشيء كالبصير، والجاهل به كالأعمى الذي ختم الله على قلبه فلم يستضئ بنور العلم ولم يتذكر ما يضره وما ينفعه، ولا يتذكر إلا أصحاب العقول الراجحة والبصائر المستنيرة، وقد وصف الله العلماء أصحاب العقول الكاملة التى استخدموها في مرضاة ربهم بصفات هي عنوان الإخلاص وشمس القبول ودليل التوفيق. ولن تجد أحسن منها:

1 -

الوفاء بالعهد وعدم نقض الميثاق بإطاعة أوامر الله واجتناب نواهيه وإرشاد الخلق إلى ذلك لأنهم قدوة حسنة.

2 -

صلة جميع الأقارب وموالاة المؤمنين ومودة الصالحين ومحبة العاملين وعدم هجرانهم.

3 -

خوف الله تعالى وخشيته فلا شر يقع منهم، ولا أذى لمخلوق، ولا ترك واجب، ولا فعل معصية ولذا قيل:(رأس الحكمة مخافة الله). =

ص: 106

ورواه البيهقي واللفظ له من رواية الوليد بن مسلم حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن عثمان ابن أيمن عنه، وسيأتى في الباب بعده حديث أبى الردين إن شاء الله تعالى.

= 4 -

الخوف من الحساب يوم القيامة فيجتهد العالم في العمل الصالح وتطهير صحائفه لينقى وينجو من الشدائد.

5 -

الصبر وهو حبس النفس على المكروه وإيجاد العزيمة على احتمال المشاق في أعمال الخير.

6 -

إقامة الصلاة في أوقاتها تامة الأركان والشروط ويأمر أهله بها ويصطبر عليها.

7 -

التصدق بالمال في السر والجهر ليدل على سماحة النفس وطهارتها من البخل وثقتها بالله المعطى.

8 -

مقابلة السيئة بالحسنة لوقف الشرور وخجل المسيء والبرهان على سعة الصبر وطهارة القلب لله في الله.

هؤلاء العلماء والمؤمنون الذي آمنوا بالله وعملوا بكتابه وسنة حبيبه سيدخلهم ربهم جنته ويتكرم عليهم برضوانه ويجمعهم هناك بالصالحين من آبائهم وأزواجهم وأمهاتهم وأولادهم ليتم أنسهم ويزيد سرورهم. ياأخى اعرض هذه الصفحات على نفسك أولا، وعلى غيرك ثانيا فمن اتصف بها، فصاحبه وجالسه وزره وتودد إليه، ومن لم يفعل فاقطع صحبته وتجنبه - وهذا لعمري مصداق قوله تعالى: والذي جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون، لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون - أليس الله بكاف عبده) يقول البيضاوي هنا اللام للجنس ليتناول الرسل والمؤمنين (والعلماء ورثة الأنبياء) وقيل هو النبى صلى الله عليه وسلم، والمراد هو ومن تبعه أهـ أي من الذين أقبلوا على العلم فهذبوا نفوسهم فوصلوا إلى ربهم بالتقوى والعمل الصالح، ويرشد إلى ذلك قول الله تبارك وتعالى (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد) من سورة سبأ.

خلاصة باب فضل العلم

فأنت ترى أن تعليم العلم هو الخير كله، وذلك بالذهاب إلى العلماء والبحث عن دقائقه وهو سبب الخشية والقرب منه جل وعلا وتمام الثقة به، وفيه الهداية والإلهام إلى الرشد وتنوير القلب ويدعو إلى الورع ويبعد عن الفتن والكبرياء والخيلاء والاعجاب وطالبه يسلك طريق الجنة وكذا من ساعده وأمده وأعانه، واجتماع قوم لدراسة القرآن سبب رحمة الله وفيضه، وغوثه، هذا إلى أن كل شيء يطلب المغفرة للعالم العامل بعلمه. والعلم عنوان العز ومعين البر، وباب العلا، ونور الحق، والخل الوفي، والصاحب الصديق الموصل في الجنة إلى جوار الأنبياء والشهداء الجاري ثوابه مدى الحياة وبعد الممات، وهو خير مكتسب، وأعظم مطلب، يهدى إلى الحق، ويزيل الأذى، وطلبه أفض من صلاة النافلة وطالبه كأرض مخصبة وشجرة مثمرة، والجاهل كالصحراء لا فائدة منه. والعالم يشفع فيمن يحب له الخير يوم القيامة، والله وعد ألا يعذبه، وهو عدو ألد للشيطان يهدم بنيانه ويسفه رأيه ويحارب أنصاره ويحذر الناس من غوايته ويطلب من الناس أن ينتفعوا بميراث محمد صلى الله عليه وسلم وهو اتباع الكتاب والسنة، وخير العلم ما قربك إلى ربك، وشره السفسطة والجدل والالحاد والزندقة، وإن موت العالم خسارة على الأمة، وخلل في بنيانها، وكوكب غاب في سمائها. أسأل الله أن يعلمنا فنعمل ويوفقنا فنسعد إنه قدير.

ص: 107