الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الثَّانِي:
558 -
[2] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فتوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: 286، ن: 215].
559 -
[3] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. . . . .
ــ
الفصل الثاني
558 -
[2](عروة بن الزبير) قوله: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود) لا شك أنه باعتبار الأغلب، فإنه قد يكون دم الحيض غير أسود فيعسر اعتباره.
وقوله: (يعرف) أي: تعرفه النساء باعتبار لونه وثخانته كما تعرفه باعتبار عادته، قيل: تعرف بالفوقانية على الخطاب، والصواب أنه بالتحتانية إذ لو كان كذلك لقال: تعرفين على خطاب المؤنث، وقيل: هو من العرف بالفتح والسكون وهو الرائحة، وفيه أن العرف هو الرائحة الطيبة لا المنتنة، بل الصواب أنه من المعرفة، كذا في بعض الشروح.
559 -
[3](أم سلمة) قوله: (إن امرأة كانت تهراق الدم) بضم التاء الفوقانية وفتح الهاء (1) على صيغة المجهول، أي: تَصُبُّ، والدم إما مرفوع لكونه مسندًا إليه، والألف واللام بدل من الإضافة، والتقدير يهراق دمها، أو لكونه بدلًا من الضمير في تهراق، وإما منصوب على أنه مفعول به لمقدر كأنه قيل: ما تهراق؟ فقيل: تهريق الدم،
(1) وقد تسكن، قاله القاري (2/ 500).
فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ". رَوَاهُ مَالكٌ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ. [ط: 136، د: 274، دي: 1/ 199 - 200، ن: 208].
ــ
وقال زين العرب: منصوب على التشبيه بالمفعول كما في الصفة المشبهة، أو على التمييز وإن كانت معرفةً؛ لأن له نظائر فيكون اللام زائدة، وقيل: ذلك جائز على مذهب الكوفيين.
وقال صاحب (الأزهار): على أنه مفعول به بأن يكون تهراق في الأصل تهريق على المعلوم، أبدلت كسرة الراء فتحة وانقلب الياء ألفًا على لغة من قال في ناصية: ناصاة، قال بعض الشارحين: هذا التوجيه عار عن التكلف المذكور في تصحيح النصب، قال الرافعي وغيره: ولكن العرب تعدل بالكلمة إلى ما هو في معناها، وهي في معنى تستحاض وهو على وزن ما لم يسم فاعله، ولم يجئ بالبناء للفاعل، هذا ما ذكره الشارحون في تصحيح هذه الكلمة، وقد سبق بيانه في آخر الفصل الثالث من (كتاب الإيمان) [رقم: 46]، فلينظر ثمة.
وقوله: (فاستفتت لها أم سلمة) هذا قول الراوي عن أم سلمة أو التفات منها.
وقوله: (قبل أن يصيبها الذي أصابها) أي: الاستحاضة بدوام خروج الدم.
وقوله: (فإذا خلفت ذلك) أي: تركت خلفها قدر زمن الحيض، أي: مضى ذلك الزمان.
وقوله: (ثم لتستثفر) أي: تشدّ ثوبًا بين فخذيها، تحتجز به على موضع الدم ليمنع سيلانه، والاستثفار أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويًّا، وإدخال الكلب ذنبه بين
560 -
[4] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: جَدُّ عَدِيٍّ اسْمُهُ دِينَارٌ- عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ:
ــ
فخذيه حتى يلزقه ببطنه، والثفر بالتحريك: السير في مؤخر السرج، وقد يسكن، كذا في (القاموس)(1).
560 -
[4](عدي بن ثابت) قوله: (قال يحيى بن معين) في بيان اسم جده (2): (جد عدي اسمه دينار) وبهذا يظهر أن ضمير جده راجع إلى عدي لا إلى ثابت، وهكذا يكون في أسانيد آخر بعبارة عن أبيه عن جده، وهو الظاهر من اللفظ الموافق لعود ضمير عن أبيه إليه، يقول الشراح في إسناد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إن الضمير في جده، إما أن يرجع إلى عمرو بن شعيب أو إلى أبيه، ويكون الحديث على الأول مرسلًا، وعلى الثاني منقطعًا (3) مجرد احتمال ذكروه لبيان هذه الفائدة
(1)"القاموس المحيط"(ص: 337).
(2)
أي: جد عدي، صحابي، واختلف في اسمه على أقوال، فقيل: اسمه دينار، وقيل: عمرو ابن أخطب، وقيل: عبيد بن عازب، وقيل: قيس بن الخطيم، وقيل: إنه يعني جده أبا أمه، وهو عبد اللَّه بن يزيد الخطمي، كذا زعم يحيى بن معين فيما حكى الدارقطني. وكذا قال أبو حاتم الرازي، واللالكائي، وغير واحد. وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": ولم يترجح لي في اسم جده إلى الآن شيء من هذه الأقوال كلها، إلا أن أقربها إلى الصواب أن جده هو جده لأمه عبد اللَّه بن يزيد الخطمي. واللَّه أعلم، انتهى. وعبد اللَّه بن يزيد هو أبو موسى الأوسي الأنصاري الخطمي، صحابي صغير، شهد الحديبية وهو ابن سبع عشر سنة، وشهد الجمل والصفين مع علي، وكان أميرًا على الكوفة زمن ابن الزبير، له سبعة وعشرون حديثًا، روى له البخاري حديثين. "مرعاة المفاتيح"(2/ 261).
(3)
قال الزيلعي (1/ 59): فَعَمْرٌو لَهُ ثَلَاثَةُ أَجْدَادٍ: مُحَمَّدٌ وروايته مرسلة لأنه تابعي، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ صحابي وروايته منقطعة؛ لأنه لم يدرك عمرًا قطعًا، فَمُحَمَّدٌ تَابِعِيٌّ، وَعَبْدُ اللَّهِ وهو أيضًا صحابي إلا أن روايته تَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ السّمَاعِ، وصرح الترمذي بسماعه عنه، بسطه =
"تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتَصُومُ، وَتُصَلِّي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: 126، 127، د: 297].
561 -
[5] وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حِيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا؟ قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ. قَالَ: "أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ. . . . .
ــ
النفيسة، ولعلي قد بينته سابقًا أو سأبينه في موضعه، فتدبر.
وقوله: (أيام أقرائها) جمع الأقراء باعتبار الأيام أو الأشهر.
وقوله: (ثم تغتسل) وتصلي به (وتتوضأ) بعد ذلك (عند كل صلاة)، وفي رواية:(لكل صلاة)، وقال في (الهداية) (1): وقد جاء (لوقت كل صلاة)، كما ذكرنا، أي: تتوضأ وتصلي وإن انصب الدم كما هو حكم صاحب العذر كسلس البول ونحوه.
561 -
[5](حمنة بنت جحش) قوله: (عن حمنة) بفتح الحاء وسكون الميم أخت زينب بن جحش أم المؤمنين.
وقوله: (أستفتيه وأخبره) يدل على أن الواو لمطلق الجمع.
وقوله: (أنعت لك الكرسف) أي: أصف لك القطن لتحشي به فرجك، والكرسف بضم الكاف والسين: القطن.
= صاحب "الغاية"، ورجح الاستدلال به، فحاصله أن والد عمرو وهو شعيب يروي عن جده، فالمراد بالجد عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فالحديث يكون متصلًا، انظر:"بذل المجهود"(1/ 595 - 596).
(1)
"الهداية"(1/ 34).
فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ". قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَتَلَجَّمِي"، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَاتَّخِذِي ثَوْبًا" قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ، أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجَزَأَ عَنْكِ مِنَ الآخَرِ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ" فَقَالَ لَهَا: "إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ،
ــ
وقوله: (فإنه يذهب الدم) من الإذهاب، أي: يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج.
وقوله: (فتلجمي) أي: شدي اللجام، في (القاموس) (1): اللجام ككتاب للدابة، فارسي معرب، وما تشده الحائض، والمراد مع وجود الكرسف أو بدونه، والظاهر الأول، واللَّه أعلم.
وقوله: (فاتخذي ثوبًا) أي: تحت اللجام، و (الثج) سيلان الماء كقوله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} [النبأ: 14]، وسيلان دم الهدي، ومنه: أفضل الحج العج والثج، ومطر ثجاج إذا انصب، ويقال: ثججت الماء إذا سكبته، وعلى هذا المفعول محذوف، أي: أثجّ الدم ثجًّا، وعلى الأول فيه مبالغة لا تخفى، كأنها جعلت نفسها دمًا فسالت مثل قولهم: فاضت عيني.
وقوله: (أيهما) صحح بالنصب والرفع.
وقوله: (وإن قويت عليهما) أي: على الأمرين بأن تقدر على أن تفعل أيهما شاءت.
وقوله: (فأنت أعلم) أي: بما تختارينه منهما فاختاري أيهما شئت.
وقوله: (هذه ركضة) أي: هذه العلة التي وقعت فيها إفساد وإضرار من الشيطان
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1066).
فتحَيِّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أو سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلم اللَّهِ،
ــ
بالتلبيس عليك في أمر دينك وطهرك وصلاتك كما وقع في الحديث: (الرعاف من الشيطان)(1)، أو المراد أن الحالة التي ابتليت بها من الخبط والتحير ركضة من ركضات الشيطان، وأصل الركض الدفع والحركة وتحريك الرِّجل والضرب بها واستحثاث الفرس للعَدْوِ.
وقوله: (فتحيضي) أي: التزمي أحكام الحيض وعدّي نفسك حائضًا، يقال: تحيضت المرأة إذا قعدت أيام حيضها عن صلاة، و (أو) في قوله:(أو سبعة أيام) ليس للشك ولا للتخيير، بل المراد اعتبري ما وافقك من عادات النساء المماثلة لك المشاركة لك في السن والقرابة والمسكن فكأنها كانت مبتدأة، فأمرها باعتبار غالب عادات النساء، كذا اختار الطيبي (2) في توجيهه، ومنهم من ذهب إلى أن (أو) للشك من بعض الرواة، وإنما يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر أحد العددين اعتبارًا بالغالب من حال نساء قومها.
وقال التُّورِبِشْتِي (3): ويحتمل أنها أخبرته بعادتها قبل أن يصيبها ما أصابها، ومنهم من قال: إن ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خيرها بين كل واحد من العددين؛ لأنه العرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النساء، وقيل: أمرها ببناء الأمر على ما تبين لها من أحد العددين على سبيل التحري والاجتهاد.
وقوله: (في علم اللَّه) أي: رجوعك إلى تلك العادة مندرج فيما أعلمك اللَّه على لساني أو في جملة ما علم اللَّه وشرعه للناس، ومن قال: إن (أو) للشك فله أن يقول: معناه: اللَّه أعلم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) أخرجه الترمذي في "السنن"(2748).
(2)
انظر: "شرح الطيبي"(2/ 144).
(3)
"كتاب الميسر"(1/ 175).
ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَيتِ فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِك يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، وَإنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِينَ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ: الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِي،
ــ
وقوله: (حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت) أي: بالغت في التنقية، أي: مضت الأيام المذكورة وصرت طاهرة في حكم الشرع، ووقع في النسخ: استنقأت بالهمزة وهو خطأ، والصواب استنقيت لأنه ناقص لا مهموز، هكذا يعلم من كتب اللغة، واللَّه أعلم.
وقوله: (فصلي) أي: بالوضوء عند كل صلاة.
وقوله: (فإنه يجزئك) أي: يكفيك، أجزأني الشيء، أي: كفاني، ويروى بالياء، كذا في (النهاية)(1)، وقد جاء جزى أيضًا بمعنى كفى، وفي (القاموس) (2): جزى الشيء يجزي: كفى، وعنه: قضى، وقال في (باب الهمزة): جَزَأَ وجَزّأ: اكتفى كاجتزأ.
فهذا أول الأمرين المأمور بهما، وهو أن تتوضأ وتصلي في ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين ليلة وأيامها، وثاني الأمرين أن تغتسل فيها إما عند كل صلاة فرادى، وإما بالجمع بين صلاتي الظهر والعصر وصلاتي المغرب والعشاء، ولما كان الأول من هذين الصورتين -أعني الاغتسال عند كل صلاة- أشق وأصعب نزل صلى الله عليه وسلم إلى الثاني أعني الجمع
(1)"النهاية"(1/ 266).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 1168، 47).
وَصُومِي إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: . . . . .
ــ
بين الصلاتين، فقال:(وإن قويت على أن تؤخرين الظهر وتعجلين العصر فتغتسلين) يعني غسلًا واحدًا، وتجمعين بين هذين الصلاتين، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بينهما فافعلي، وتغتسلين مع الفجر غسلًا على حدة، فيحصل لك ثلاث اغتسالات في اليوم والليلة، فافعلي وصلي وصومي.
وقوله: (إن قدرت على ذلك) تكرير وإشارة إلى أن فيه مشقة وإن كان الغسل لكل صلاة أشق، ثم تأخير الظهر والمغرب عن وقتهما يحتمل أن يكون المراد به أداءهما في وقت العصر والعشاء كما يكون للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند الشافعية كما نقله الطيبي (1) من الخطابي وهو جمع حقيقي، ويحتمل أن يكون المراد أداء كل منهما في آخر وقته متصلًا بوقت العصر والعشاء، ثم أداء العصر والعشاء في وقتيهما وهو الجمع الظاهري الذي يؤول به أصحابنا جمع المسافر، فتغتسل للظهر وتصليها وتصلي العصر بعدها متصلًا، وكذا المغرب والعشاء، كما صرح به في شرح الشيخ.
فإن قلت: لا يسع للحنفية هذا التأويل إذ عندهم ينقض خروج الوقت وضوء المعذور فينقض غسله أيضًا فلا تبقى طاهرة، فإنها تخالف سائر المعذورين، فقد أوجب عليها الغسل لكل صلاة بعض الصحابة كما سيذكر للعصر والعشاء، فلا يجدي هذا التأويل فيما نحن فيه نفعًا. قلنا: لعله لا ينقض الغسل في حق هذه المستحاضة بحكم هذا الحديث، وأصحابنا يخصون النقض بالوضوء بغير هذه القضية، على أنه يلزم مثل هذا الشيء على الشافعية أيضًا فإنهم يوجبون الوضوء على المعذور لكل صلاة، وفي هذه القضية لا يكون الغسل لكل صلاة، فلا بد من التخصيص، فافهم.
(1) انظر: "شرح الطيبي"(2/ 145).