الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومؤمن أهل الكتاب الذي يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم له أجره مرتين، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم، فآمن به واتبعه وصدقه، فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله تعالى وحق سيده، فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران (1)» .
وعندما ينزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان بين يدي الساعة، ينزل حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فما عذر أهل الكتاب في عدم إيمانهم به واتباعهم له صلى الله عليه وسلم؟ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (3)» .
(1) أخرجه البخاري 1/ 190 في العلم، ومسلم 1/ 134 - 135 في الإيمان والترمذي 2/ 392 في النكاح والنسائي 6/ 115 في النكاح
(2)
البخاري 4/ 414 في البيوع، ومسلم 1/ 135 - 136 في الإيمان، والترمذي 3/ 344 في الفتن، وابن ماجه 2/ 1363 في الفتن أيضا، وأحمد في المسند 2/ 240 وفي مواضع أخرى، والبغوي في التفسير 1/ 300.
(3)
(2) ويفيض المال حتى لا يقبله أحد
مواقف إيجابية حكاها القرآن الكريم:
ولكن فريقا من أهل الكتاب، من الذين فتح الله قلوبهم للحق والإيمان، وأبصارهم للهدى والنور، فأدركوا حقيقة الدعوة التي
انتظروها والنبي الذي كانوا يستفتحون به، هذا الفريق قد آمن فعلا بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعه، ولم لا يؤمنون وقد قامت الأدلة كلها على صدق هذا النبي، بعد أن بشرت به كتبهم ورأوا أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وقد حكى الله تعالى ذلك وسجله فقال:{إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} (1){وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} (2){وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (3)، وقال تعالى:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} (4){وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} (5){أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (6){وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} (7)، {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (8). . . إلخ آيات كثيرة في هذا المعنى، وسيأتي بعضها أيضا في مناسبات أخرى.
وحفظها الواقع التاريخي:
ويحفظ لنا الواقع التاريخي تصديق ذلك، بإسلام أكثر أهل العقول والأحلام والعلوم ممن لا يحصيهم إلا الله، من أولئك الذين عرفوا الحق
(1) سورة الإسراء الآية 107
(2)
سورة الإسراء الآية 108
(3)
سورة الإسراء الآية 109
(4)
سورة القصص الآية 52
(5)
سورة القصص الآية 53
(6)
سورة القصص الآية 54
(7)
سورة القصص الآية 55
(8)
سورة آل عمران الآية 199
من أهل الكتاب، فرقعة الإسلام إنما انتشرت في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف، فدخلوا في دين الله أفواجا، حتى صار الكفار معهم تحت المذلة والصغار، والذين أسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أكثر من الذين لم يسلموا وإنما بقي منهم أقل القليل، وقد دخل في دين الله من ملوك الطوائف ورؤسائهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق كثير (1).
ونحن نجتزئ هنا بأمثلة من أولئك الرؤساء والمقدمين في دين النصرانية واليهودية، نشير إليها إشارات سريعة لتكون عنوانا ودليلا على ما سواها:
أ- فهذا النجاشي ملك النصارى على إقليم الحبشة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لما تبين له أنه رسول الله آمن به، ودخل في دينه، وآوى أصحابه ومنعهم من أعدائهم، ولما مات أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالساعة التي توفي فيها، ثم خرج بهم إلى المصلى وصلى عليه، وقصته مشهورة ومعروفة.
ب- وعدي بن حاتم، كان من رؤساء النصارى الذين دخلوا في الإسلام لما تبين أنه الحق، وقد كان عدي رئيسا مطاعا في قومه يأخذ المرباع من غنائمهم، وقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل في الإسلام.
(1) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم: 498 ضمن مجموعة الجامع الفريد
ج- وسلمان الفارسي: رضي الله عنه، كان قبل إسلامه من أعلم النصارى بدينهم؛ لأنه فر من دين المجوسية ولحق بنصارى الشام، وخالط كبار رجال النصرانية عن كثب، وعرف الصالح منهم ورجل السوء، حتى انتهى إلى آخر واحد في عمورية من رجال الدين النصراني، ولما حضر أمر الله أوصى سلمان فقال: يا بني ما أعلمه أصبح على مثل ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. وقد كان ذلك، وأدرك سلمان رضي الله عنه نبوة محمد عليه السلام وأسلم (1).
د- وكذلك: ابنا الجلندى: جيفر وعبد، ملكا عمان وما حولها من ملوك النصارى يومئذ، لما دعاهما النبي عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام، أسلما وصدقا النبي صلى الله عليه وسلم (2).
هـ - وكان هرقل، ملك الشام، أحد أكابر علمائهم بالنصرانية، قد عرف أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله حقا، وعزم على الإسلام، فأبى عليه عباد الصليب، فخافهم على نفسه وضن بملكه مع علمه بأنه سينقل عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته، وقصته معروفة مشهورة.
(1) مسند أحمد: 5/ 438 و441، سيرة ابن هشام: 1/ 142 - 144
(2)
طبقات ابن سعد 1/ 262 - 263
ووكذلك كان ملك دين النصرانية بمصر - المقوقس - عرف أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي صادق ولكن منعه من اتباعه أيضا ملكه، وأن عباد الصليب لا يتركون عبادة الصليب، وهو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم:«ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه (1)» .
ز - وقصة إسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه معروفة مشهورة، وقد كان حبرا من أحبار يهود، وكان سيدهم وابن سيدهم، وعالمهم وابن عالمهم باعترافهم له بذلك وشهادتهم له.
ح - وتذكر كتب السيرة مقالة حيي بن أخطب، وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقدمه من مكة إلى المدينة، وفيها أنه هو صلى الله عليه وسلم النبي المنتظر وأنه يعرفه ويثبته، ولكن الحسد والحقد أمليا عليه موقف العداوة أبدا (2).
ولما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسد بن سعية وأسيد بن عبيد ومن أسلم من اليهود، فآمنوا وصدقوا، ورغبوا في الإسلام، قال من كفر من اليهود: ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره. فأنزل الله عز وجل في ذلك (3):
(1) طبقات ابن سعد 1/ 260، تاريخ الطبري 2/ 645 - 246، نصب الراية للزيلعي 4/ 421 - 422، والوثائق السياسية للدكتور محمد حميد الله: 135 - 139
(2)
سيرة ابن هشام مع الروض الأنف 2/ 26
(3)
تفسير الطبري 7/ 120 - 121 تحقيق محمود شاكر، روح المعاني للآلوسي 4/ 33