الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله عنه في قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} (1) وقد امتن الله على قريش بتوفير هاتين النعمتين وأمرهم أن يفردوه بالعبادة شكرا له على ذلك فقال: بسم الله الرحمن الرحيم {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} (2){إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} (3){فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} (4){الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (5).
(1) سورة البقرة الآية 126
(2)
سورة قريش الآية 1
(3)
سورة قريش الآية 2
(4)
سورة قريش الآية 3
(5)
سورة قريش الآية 4
وسائل حفظ الأمن في الإسلام:
ولما كان توفر الأمن ضرورة من ضروريات المجتمع التي تفوق ضرورة الغذاء اهتم الإسلام بتوفير الأسباب الجالبة للأمن وذلك ببناء الإنسان عقيدة وأخلاقا وسلوكا، لأن الأمن لا يتوفر بمجرد البطش والإرهاب وقوة الحديد والنار، وإنما يتوفر بتهذيب النفوس وتطهير الأخلاق وتصحيح المفاهيم حتى تترك النفوس الشر رغبة عنه وكراهية له.
كما يقول الشاعر:
ولا تنته الأنفس عن غيها
…
ما لم يكن لها من نفسها زاجر
فإذا فقد المجتمع هذه المقومات التي جاء الإسلام بها فإنه يفقد أمنه واستقراره قال الشاعر:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
…
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ولهذا نجد الأمم التي تفقد هذه المقومات من أفلس الناس من الناحية الأمنية، وإن كانت تملك الأسلحة الفتاكة والأجهزة الدقيقة؛ لأن الإنسان لا يحكم بالآلة فقط، وإنما يحكم بالشرع العادل والسلطان القوي، كما قال تعالى
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (1) ويفهم الأمن من مفهوم الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله بالخضوع له وامتثال أوامره واجتناب منهياته، وقد نهى الله عن التعدي على الناس في أعراضهم وأموالهم وأبدانهم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (2)» . ومن دخل في الإسلام دخل في نطاق الأمن لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم دمه وماله وحسابه على الله (3)» . وقال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (4)» .
فإذا تحقق الإسلام والإيمان توفرت أسباب الأمن، لكن قد يكون هناك شذوذ لم يتمكن الإسلام والإيمان من قلوبهم فتحصل منهم نزوات تخل بالأمن، وهنا وضع الله سبحانه زواجر وروادع لهؤلاء تكف عدوانهم وتصون الأمن من عبثهم، فشرع سبحانه الحدود الكفيلة لردعهم وتحذير غيرهم من أن يفعلوا مثل فعلهم، فشرع حد المرتد لحفظ الدين، وشرع القصاص لحفظ الدين، وشرع القصاص لحفظ النفوس، وشرع حد الزنا وحد القذف لحفظ العرض والنسب، وشرع حد المسكر لحفظ العقل، وشرع حد السرقة لحفظ الأموال، وشرع حد قطاع الطريق لحفظ السبل وتأمين المواصلات، وشرع قتال البغاة لحفظ السلطة الإسلامية ومنعا لتفريق الكلمة واختلاف الأئمة.
1 -
فالمرتد يقتل لحفظ الدين والعقيدة من عبث العابثين؛ لأن المرتد ترك الحق بعد معرفته واعتدى على العقيدة التي هي أقوى أسباب الأمن، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من بدل دينه فاقتلوه (5)» وقال عليه الصلاة
(1) سورة الحديد الآية 25
(2)
صحيح البخاري الإيمان (10)، صحيح مسلم الإيمان (40)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (4996)، سنن أبو داود الجهاد (2481)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 160)، سنن الدارمي الرقاق (2716).
(3)
صحيح مسلم الإيمان (23)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 394).
(4)
صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2564)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 277).
(5)
صحيح البخاري الجهاد والسير (3017)، سنن الترمذي الحدود (1458)، سنن النسائي تحريم الدم (4060)، سنن أبو داود الحدود (4351)، سنن ابن ماجه الحدود (2535)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 282).
والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة (1)» فالمرتد يقتل لتبديله الدين وتركه له ومفارقة جماعة المسلمين حتى لا يكون الدين ألعوبة للملاحدة والزنادقة فيغتر بهم غيرهم من ضعاف الإيمان، ولسد الطريق على العابث الذي يدخل في الدين خداعا ثم يخرج منه للتنفير منه، كما حاول بعض اليهود هذه الخدعة زمن النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيهم قوله تعالى:{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (2). أي لعل المسلمين إذا رأوا ذلك يرجعون عن دينهم.
2 -
والقصاص من القاتل فيه حماية للنفوس البريئة وضمانا للأمن بين الناس، قال تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (3) فإذا عرف من يريد قتل إنسان أنه سيقتل به امتنع عن القتل. فكان في هذا حفظ لحياته وحياة غيره، وإذا أقدم على القتل فاقتص منه كان في هذا ردع للآخرين فلا يقدمون على مثل جريمته لئلا يكون مصيرهم كمصيره. فقتل نفس واحدة بالقصاص حصل به نجاة أنفس كثيرة، كالعضو الفاسد يقطع لحفظ بقية الجسم وبذلك يأمن الناس على حياتهم.
3 -
وحد الزنا بجلد البكر مائة جلدة وبمحضر عام من المؤمنين وتغريبه عن وطنه عاما كاملا، وبرجم الزاني المحصن وهو الذي سبق أن جامع زوجته بنكاح صحيح، فيرجم بالحجارة حتى يموت، كما قال تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ} (4)
(1) صحيح البخاري الديات (6878)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1676)، سنن الترمذي الديات (1402)، سنن النسائي تحريم الدم (4016)، سنن أبو داود الحدود (4352)، سنن ابن ماجه الحدود (2534)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 181)، سنن الدارمي الحدود (2298).
(2)
سورة آل عمران الآية 72
(3)
سورة البقرة الآية 179
(4)
سورة النور الآية 2
{عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (1)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (2)» . وذلك ليأمن الناس على أعراضهم من الاعتداء عليها وليأمنوا على أنسابهم من الاختلاط. ولردع المضيعين لأعراضهم التي أمرهم الله بحفظها في قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} (3)، وقوله تعالى:{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} (4)، وبذلك يقضى على جريمة الزنا التي تدمر المجتمعات البشرية والتي قال الله تعالى محذرا منها:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} (5).
وبتطبيق هذا الحد يأمن الناس من هذا الخطر المدمر الذي يلوث المجتمع ويهدد الإنسانية، وينشر الأمراض الخطيرة.
4 -
ولشناعة جريمة الزنا وحرمة عرض المسلم، صان الله أعراض الأبرياء أن تدنس بنسبة هذه الجريمة إليها، وكف الألسنة البذيئة أن تتطاول على عرض المسلم فتقذفه بارتكاب فاحشة الزنا زورا وبهتانا، فأمر بجلد القاذف الذي لا يستطيع إقامة البينة على ما يقول بأن يجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة أبدا وأنه يعتبر فاسقا ساقط العدالة ما لم يتب من هذه الجريمة. قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (6){إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} (7)، وبهذا الحد
(1) سورة النور الآية 2
(2)
صحيح مسلم الحدود (1690)، سنن الترمذي الحدود (1434)، سنن أبو داود الحدود (4415)، سنن ابن ماجه الحدود (2550)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 327)، سنن الدارمي الحدود (2327).
(3)
سورة النور الآية 30
(4)
سورة النور الآية 31
(5)
سورة الإسراء الآية 32
(6)
سورة النور الآية 4
(7)
سورة النور الآية 5
الرادع وسحب الثقة من القاذف تصان الأعراض البريئة، وتسكت الأفواه البذيئة، وتتوارى آثار هذه الجريمة، ويصبح الناس في مأمن منها ومن ذكرها حتى تتوارى من المجتمع نهائيا.
5 -
ولما كان العقل أعظم ما يمتاز به الإنسان عن غيره من الحيوانات لأنه يميز به بين الضار والنافع والحسن والقبيح ويدفع صاحبه إلى فعل الفضائل واجتناب الرذائل، ولذا سمي عقلا، لأنه يعقل صاحبه عن فعل القبائح، وسمي حجرا لأنه يحجره كذلك عما لا يليق، وسمي نهى ولبا، وكلها أسماء تدل على شرف العقل وقيمته، لأن فيه أمانا للإنسان في خاصة نفسه من أن يناله أذى من غيره، وأمانا لغيره أن يناله أذى منه، فمن تعاطى شيئا من الأشربة والمأكولات أو المشمومات المسكرة التي تغطي هذا العقل وتعطله عن أداء مهمته والقيام بوظيفته فإنه في هذه الحالة لا يؤمن أن يفعل ما يضر بنفسه أو بغيره؛ لأنه فقد صمام الأمان، فأصبح خطرا يهدد المجتمع.
لذلك شرع الله ردعه بإقامة الحد عليه بالجلد المؤلم حتى يذوق وبال أمره، وليتعظ به غيره، وقد حذر الله عباده عن شرب المسكرات وبين خطرها وضررها، فقال سبحانه وتعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1){إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (2) وكذا تعاطي المخدرات؛ لأنها أشد ضررا من الخمر لأنها تضر بالعقل والجسم وتفقد الرجولة وتغري بفعل الفاحشة والدياثة، وتغري متعاطيها بالإدمان بحيث لا يصبر عنها، ويتحول من الإنسانية إلى
(1) سورة المائدة الآية 90
(2)
سورة المائدة الآية 91
البهيمية، فهي أشد فتكا في المجتمعات من الأمراض الوبائية، لذا يجب على ولاة الأمور التنكيل بمن يتعاطى المخدرات أو يروجها؛ لأنه من أعظم المخربين والساعين في الأرض بالفساد، فيجب أخذهم بالقوة حفاظا على أمن المجتمعات، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر حفاظا على العقول وصيانة لأمن المجتمع المسلم من أن تعبث به المسكرات والمخدرات.
6 -
ولما كان المال قوام الحياة والحفاظ عليه من الضروريات كما قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} (1) وقد حرم الله أخذ أموال الناس بغير حق والاستيلاء عليها بغير مبرر، فالاعتداء على مال الغير كالاعتداء على دمه وعرضه في الحرمة كما تدل عليه الآيات والأحاديث، ومن أشد أنواع الاعتداء على أموال الناس أخذها بالسرقة، وهي أخذ المال خفية من حرز مثله، وجزاء من فعل ذلك قطع يده، هذه اليد الخائنة التي امتدت إلى ما لا يحل لها وعبثت بالأمن وروعت المجتمع جزاؤها البتر، قال الله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (2) والسرقة أشد خطورة من اغتصاب المال مجاهرة؛ لأن المجاهرة تمكن مدافعتها وعمل الاحتياطات المانعة من شرها، أما السرقة فإنها مكر خفي، وغدر سيئ، يؤخذ بها الإنسان من مأمنه وتدل على جرأة المجرم حيث لم تمنع منه الحروز والحصون فكان جزاؤه بتر يده وتعطيلها عليه ردعا له وعظة لغيره، وبهذا يتوفر الأمن للمجتمع ويطمئن الناس على أموالهم في بيوتهم ومستودعاتهم، ويقضى على الجريمة.
(1) سورة النساء الآية 5
(2)
سورة المائدة الآية 38
7 -
ولما كان ربط البلدان والأقاليم بعضها ببعض عن طريق المواصلات البرية والبحرية والجوية لنقل البضائع وتنقلات المسافرين للتجارة وغيرها من الأغراض التي تتم بها مصالحهم، لذلك احتاج المجتمع إلى تأمين السبل بردع المجرمين الذين يحاولون قطعها ويروعون المارة، ولأجل ذلك شرع سبحانه حد قطاع الطريق، وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح فيغصبونهم المال مجاهرة. وهذا الحد هو ما ذكره الله تعالى بقوله:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (1){إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2).
وبتطبيق هذه العقوبة على قطاع الطريق تأمن السبل وتنتظم المصالح ويتوفر الأمن في البر والبحر والحاضرة والبادية وتنتظم المواصلات بين البلدان والأقاليم، ويسهل نقل البضائع والتبادل التجاري مما فيه صلاح العمران البشري وتوفر الإنتاج، ولهذا وصف الله من يحاول تعطيل هذه المصالح بأنه محارب لله ورسوله وساع في الأرض بالفساد.
8 -
ولما كان لا بد للمسلمين من قيادة تجتمع كلمتهم بها وتحل مشاكلهم وتكف الظالم منهم عن ظلمه وتدفع العدو الخارجي عنهم وترعى شئونهم وتنفذ أحكام الله فيهم - لما كان الأمر كذلك وأكثر - شرع الله تنصيب الإمام وطاعته بالمعروف وإعانته على الخير قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (3) وحرم الله ورسوله معصية ولي الأمر إذا لم يأمر بمعصية؛ لما
(1) سورة المائدة الآية 33
(2)
سورة المائدة الآية 34
(3)
سورة النساء الآية 59
في ذلك من المفاسد، وحرم الله ورسوله الخروج على إمام المسلمين وتفريق الكلمة وأمر بردع من فعل ذلك حتى يكف ويلتزم بالطاعة، فإن كان من يحاول شق عصا الطاعة وتفريق الجماعة شخصا واحدا وجب قتله لقوله صلى الله عليه وسلم:«من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر (1)» رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه (2)» رواه مسلم، وإن كان من يحاول ذلك جماعة لهم شوكة ومنعة تهدد المسلمين وتريد تفريق كلمتهم فهم بغاة ظلمة ويجب أولا: مناصحتهم وإزالة الشبهة التي يتعلقون بها، فإن لم ينكفوا عن بغيهم وجب قتالهم إلى أن يرجعوا للطاعة ولزوم الجماعة؛ لقوله تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} (3).
وبهذا يتبين وجوب احترام السلطة الإسلامية ووجوب مناصرتها ومناصحتها لما يترتب على وجودها من المصالح وانتفاء المفاسد واستتباب الأمن، وما يترتب على انعدام السلطة من المفاسد العظيمة التي من أعظمها انعدام الأمن.
وأخيرا: نتبين من هذا العرض الموجز ما حققه الإسلام من أمن المجتمع حين عجزت كل نظم البشر وأسلحتهم الفتاكة وأجهزتهم الدقيقة أن تحقق أقل القليل من هذا الأمن الذي حققه الإسلام، وصدق الله العظيم حيث يقول:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (4) ثم إن هذا الأمن الذي حققه الإسلام لا يعتمد
(1) صحيح مسلم الإمارة (1844)، سنن النسائي البيعة (4191)، سنن أبو داود الفتن والملاحم (4248)، سنن ابن ماجه الفتن (3956)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 191).
(2)
صحيح مسلم الإمارة (1852)، سنن النسائي تحريم الدم (4020)، سنن أبو داود السنة (4762)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 341).
(3)
سورة الحجرات الآية 9
(4)
سورة المائدة الآية 50
على العقوبة وشدة البطش بأصحاب الجرائم، وإنما يعتمد على غرس الإيمان في القلوب وزرع الخشية الإلهية في النفوس حتى تترك الإجرام رغبة عنه وكراهية له، بل تقوم بمقاومته والنهي عنه، ثم يتبع ذلك الوعظ والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأجل تعليم الجاهل وتذكير الغافل والأخذ على يد السفيه عن الوقوع في الجرائم، ثم يتبع ذلك تطبيق العقوبات الشرعية على من لم تجد فيه الموعظة ولم تؤثر فيه النصيحة ولم يأتمر بالمعروف وينته عن المنكر فالعقوبة آخر مرحلة كما يقال:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
…
مضر كوضع السيف في موضع الندى
فالذين يظنون أن الأمن في الإسلام يقوم على مجرد العقوبة بقطع الأيدي والرقاب والجلد قد أساءوا الظن ولم يفهموا واقع الإسلام، وهم إما جهلة أو مغرضون يريدون تشويه الإسلام؛ لأن الإسلام لا يلجأ إلى العقوبة إلا كحل أخير وبشروط دقيقة إذا توفرت تحتم إيقاع العقوبة، وتكون حينئذ واقعة موقعها اللائق ولا يقوم غيرها مقامها، وحينئذ لا تجوز الحيلولة دون إقامتها بشفاعة أو رأفة بالمجرم قال الله تعالى:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (1).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله عز وجل (2)» رواه أبو داود، كما لا تجوز المعاوضة عن الحد بالغرامة المالية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولا يحل تعطيله (أي الحد) لا بشفاعة ولا هدية ولا غيرها ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطله لذلك وهو قادر على إقامته فعليه لعنة الله.
(1) سورة النور الآية 2
(2)
سنن أبو داود الأقضية (3597)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 70).
وقال أيضا: ولا يجوز أن يؤخذ من السارق والزاني والشارب وقاطع الطريق ونحوه مال يعطل به الحد لا لبيت المال ولا لغيره، وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك جمع بين فسادين عظيمين: تعطيل الحد وأكل السحت، وترك الواجب وفعل المحرم. اهـ كلامه.
وذلك أن الغرامة المالية مهما بلغت لا تنكأ المجرم ولا تقطع دابر الجريمة كما يحصل ذلك بإقامة الحد الشرعي، ومثل الغرامة المالية الاعتياض عن إقامة الحد بسجن المجرم، كل هذا لا يروي غليلا ولا يشفي عليلا، فإقامة الحدود الشرعية فيها من المصالح العظيمة لمن تقام عليه وللمجتمع الذي تقام فيه ما هو مشاهد ومحسوس، وبها صلاح العباد والبلاد وتوفر الأمن واستقراره، قال صلى الله عليه وسلم:«لحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا (1)» رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه.
وفي رواية ابن ماجه وابن حبان: «خير من أن يمطروا أربعين صباحا (2)» فكما أن المطر فيه صلاح الأرض ومصالح العباد، فإقامة الحد أكثر نفعا من المطر؛ لأن به تطهيرهم من الرذيلة وتوفير أمنهم واستقرارهم.
ولهذا نرى أن المجتمع الذي يحكم بشريعة الله وتقام فيه الحدود يكون مضرب المثل في الأمن والاستقرار وانخفاض معدل الجرائم، ونجد أن المجتمع الذي يحكم بغير شريعة الله وتعطل فيه الحدود يصبح مضرب المثل في الفوضى والخوف والقلق، ولو كان من أرقى دول العالم صناعيا وماديا، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:«وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم (3)» رواه ابن ماجه.
ذلك هو الإسلام الذي شهد الله له بالكمال وأتم علينا به النعمة كما
(1) سنن النسائي قطع السارق (4904)، سنن ابن ماجه الحدود (2538)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 402).
(2)
سنن النسائي قطع السارق (4904)، سنن ابن ماجه الحدود (2538).
(3)
سنن ابن ماجه الفتن (4019).
قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (1)، وقال الله تعالى:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (2) والحمد لله رب العالمين. . . والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
(1) سورة المائدة الآية 3
(2)
سورة آل عمران الآية 85