الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الانسجام بين خلايا المجتمع.
ولا تكثر الذنوب والآثام والموبقات إلا يوم يختل تصور الأمة وينحرف منهجها، إن أخطاء الطائعين مقبولة، وهي تدور في المستوى البشري المعهود والناس على امتداد تاريخهم ليسوا ملائكة، فتاريخهم تاريخ بشر، وفعلهم فعل بشري قابل للصواب والخطأ، ولم توجد جماعة بشرية دون أخطاء والمعادلة التي نحب تأكيدها من خلال التصور القرآني أن كثرة الفواحش والآثام تأتي (نتيجة) - أو مرحلة ثانية وسطى - في مراحل السقوط الحضاري، وهي ليست السبب الأول أو المرحلة المتقدمة، أما الأخطاء العادية البسيطة فهي حتمية وليست من باب التراكم الذي يؤدي للسقوط.
المرحلة الأولى: فساد الفكر:
ففي البداية يكون فساد الفكر واختلال العلاقة بين الإنسان والناموس الكوني سواء كان الاختلال في علاقته بخالق الكون أم في منهج علاقته بالكون والإنسان وانحرافه عن الحق والكمال والخير.
إن كل التجارب الحضارية تؤكد لنا عبر تطورها أن ثمة درجتين للانحطاط: الأولى درجة الانقلاب النفسي والذهني إلى الأدنى، الثانية هي درجة الانقلاب العملي والخلقي بناء على الانقلاب الذهني والنفسي المتدني فالتغيير الداخلي (فكريا ونفسيا) هو المرحلة الأولى في أي سقوط، كما أن تغييره إلى الأعلى والأدنى هو المرحلة الأولى في أي
تقدم إن فساد الفكر والنفس هو البيئة التي تنمو فيها جراثيم الانحطاط الأخلاقي.
قال الله تعالى عن مرحلة (الانهيار الفكري) و (الظلام العقدي): {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (1){خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (2).
فهي مرحلة (انغلاق فكري) و (فساد منهج)، ولعل الآية الأخرى توضح هذه الحقيقة الحضارية على نمو أكثر مباشرة::
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (3){وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} (4).
وقال تعالى في آية أخرى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (5).
وفي آية أخرى يوضح الله تعالى مرحلة (الفكرة) كمنطلق للحياة على الأرض، وقيام الحضارة (على أساس المنهج القويم) وسقوط أخرى (على أساس الانحراف الفكري):{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} (6){وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (7).
(1) سورة البقرة الآية 6
(2)
سورة البقرة الآية 7
(3)
سورة النحل الآية 112
(4)
سورة النحل الآية 113
(5)
سورة الأعراف الآية 96
(6)
سورة طه الآية 123
(7)
سورة طه الآية 124
وقد يأتي الضلال الفكري عن طريق اتباع الطواغيت من الأصنام البشرية أو المذاهب الفكرية المنحرفة أو المترفين:
{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} (1){رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} (2).
وتقدم لنا السنة النبوية عددا من الآثار التي تتصل بهذه المرحلة الأساسية في سقوط الحضارات، حيث ينغلق الفكر، ويختلط الحق بالباطل، وينتشر الكفر العقلي والانحراف العاطفي، ويسود الهوى، وتروج النظريات الفاسدة ويتحزب الناس أحزابا بين أدعياء دجالين، ويحسب كل منهم أنه على الحق، وتزين لهم أعمالهم، وتختلط الأوراق، وتضيع المعالم الكبرى في المسيرة الحضارية.
ففي حديث أبي هريرة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل (4)» . وفي حديث جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (5)» .
والكفر هنا كفر فكري أي ضلال وانحراف، وقد يظن صاحبه معه أنه مسلم، أو أنه على الحق، مع أنه يرتكب الكبائر، وينتهك أساسيات الإسلام ولربما يفعل ذلك باسم الإسلام!!
(1) سورة الأحزاب الآية 67
(2)
سورة الأحزاب الآية 68
(3)
سورة سبأ الآية 34
(4)
رواه مسلم.
(5)
رواه مسلم وابن ماجه.
قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه (1)» .
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد (2)» وهكذا فعندما يضيع معنى (الإيمان)، ويتبدد توهجه، وتخبو أنواره، ويقع الغبن في العقل والقلب، هنا - فقط - تتسلل الذنوب في غيبة حاجز الإيمان، فيزني الزاني، ويسرق السارق!!
وقد روى ابن ماجه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط خطا، وخط عن يمينه خطين، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: (4)» .
وفي مرحلة التيه الفكري هذه تظهر طبقة من المثقفين المضلين (المتشدقين) الذين يخدعون الناس بنوع من الكلمات المبهمة ويقودونهم - بهذه الكلمات الرمزية والشعارات المدوية - إلى الهاوية، فعن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون
(1) صحيح مسلم باب 65
(2)
صحيح مسلم كتاب 1 / باب 24
(3)
سنن ابن ماجه 1 / باب اتباع سنة رسول الله.
(4)
سورة الأنعام الآية 153 (3){وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}
الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء من قاتلهم كان أولى بالله منهم. قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التحليق (1)».
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل البقرة بلسانها (2)» .
وفي الحديث الذي رواه أبو داود يأتي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن ربي زوى لي الأرض؛ فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنز الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم - جماعتهم - وإن ربي قال لي: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها - أو قال: بأقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضا، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي
(1) سنن أبي داود كتاب السنة ص123 الطبعة الأولى عام 1394هـ دار الحديث، حمص، سورية.
(2)
سنن أبي داود 5/ 274، من كتاب الأدب، باب ما جاء في التشدق في الكلام، والمتشدقون هؤلاء من عناصر الإضلال الفكري يحسبهم الجاهل مثقفين من التشدق، وهم جهلاء لا خلاق لهم.!!
كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله (1)».
روى ابن ماجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا. إلا من أحياه الله بالعلم (2)» .
وروى ابن ماجه أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كيف بكم بزمان يوشك أن يأتي، يغربل الناس فيه غربلة، وتبقى حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وأماناتهم فاختلفوا وكانوا هكذا؟ (وشبك بين أصابعه) قالوا: كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون بما تعرفون. وتدعون ما تنكرون. وتقبلون على خاصتكم وتذرون أمر عوامكم (3)» .
ويغربل الناس غربلة (أي يذهب خيارهم وعقلاؤهم ويبقى أشباه مثقفيهم وحملة الشهادات بلا معلومات، الذين يستعملون المعميات والرموز تعمية على الناس).
وروى ابن ماجه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء (4)» (حيث يسود الفسقة في معظم الأنحاء، ويحس الأتقياء بأنهم شواذ في مجتمعهم، ولا يصل إلى المناصب إلا من يبيعون ضمائرهم ويكونون مع رئيسهم أشبه بالتلاميذ في حضرة أستاذهم).
(1) سنن أبي داود، كتاب الفتن والملاحم 4/ 451 وقد أورد الترمذي حديثا مختصرا عن ظهور دجالين كذابين قريب من ثلاثين ومعروف أن القيد بالثلاثين لمجرد الكثرة لا الحصر
(2)
ابن ماجه - السنن - ج2 كتاب الفتن - باب ما يكون من الفتن ص1305 وقد أورده البخاري بلفظ آخر
(3)
ابن ماجه - السنن - ج2 كتاب الفتن - باب التثبت من الفتنة ص1307
(4)
السنن ج2 كتاب الفتن - باب بدأ الإسلام غريبا ص1319
وروى ابن ماجه أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة (1)» إنه التخبط الفكري والجدل العقيم وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وكأن التفرق هو الأصل، والتوحد هو الشاذ؛ لغياب القاعدة الفكرية الواحدة.
روى ابن ماجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا (2)» .
وروى ابن ماجه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «سيأتي على الناس سنوات خداعات. يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة (3)» .
وهكذا يقف أئمة الضلال ومحترفو الجدل قادة لمرحلة الضياع الفكري، ويؤازرهم المنافقون المتشدقون الذين يستخدمون علمهم في تبرير الأوضاع والتماس الأعذار للسقوط والساقطين، وفي تحريم الحلال وإباحة الحرام، وخلط الحقائق حتى لا تكاد جمهرة الأمة تعرف المعروف من المنكر ويتصدر هؤلاء الساحات المختلفة، وميادين العمل المتقدمة، فيحجبون الحق، ويظهرون الباطل، وتزوى النماذج الصالحة، وتتألق النماذج الهابطة جاها وسلطانا ومالا وتغدق عليها الأموال والألقاب والمناصب، فلا يكاد ينفذ أصحاب الحق إلى الحق ولا
(1) السنن ج2 - كتاب الفتن - باب بدء افتراق الأمم ص1322.
(2)
ابن ماجه - السنن ج1 باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ص3
(3)
سنن ابن ماجه - كتاب الفتن - باب شدة الزمان ط2 / ص1339 وما أكثر التافهين الذين ينطقون في عصور التخلف والسقوط.