الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهذه شهادتهم القولية، وتلك شهادتهم الواقعية، اتفقتا معا على تأكيد ما نجد من إشارات إلى بعثته عليه الصلاة والسلام في كتبهم التي بين أيديهم اليوم رغم كل ما أصابها من تحريف وتزوير، ورغم الكتمان لكثير منها.
ملاحظات بين يدي البشارات:
ونحن نجتزئ من هذه البشارات ببعضها - ليكون ذلك عنوانا على غيرها - ونقدم بين يدي هذه البشارات بعض الملاحظات المتعلقة بهذه البشارات وطبيعتها وتفسيرها:
1 -
مع إيماننا بأن ما بين أيدي أهل الكتاب من اليهود والنصارى من الكتب ليس هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى وحيا على موسى وعيسى عليهما السلام، ورغم ما وقع فيهما على أيدي الأتباع من كتمان وتحريف، فهم يلبسون الحق بالباطل ويخلطونه به بحيث لا يتميز الحق من الباطل، ويكتمون الحق ويخفونه ويحرفون الكلم عن مواضعه لفظا ومعنى، ويلوون ألسنتهم بالكتاب ليلبسوا على السامعين اللفظ المنزل بغيره، رغم هذا كله فإن إشارات كثيرة لا تزال بين طيات هذه الكتب، تحمل النبوءات والبشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن الله تعالى أبقاها ليخزيهم ويظهر ما هم عليه من باطل ولتقوم عليهم الحجة من كتبهم التي يقدسونها، ولما كثرت هذه البشارات وما استطاعوا كتمانها كلها
أخذوا يحرفون فيها ويؤولون تأويلات باردة ليصرفوها عن معناها الحقيقي الدال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وليجعلوا بعضها خاصا بعيسى عليه السلام!
2 -
هذه البشارات على نوعين:
منها ما يكون إشارات مجملة -غالبا- ولا تنطق باسمه صلى الله عليه وسلم واسم بلده مثلا، بل تذكر صفته ونعته ونعت أمته ومخرجه، وشيئا من صفات دعوته ورسالته وثمراتها، ويكون في هذا أبلغ دلالة على المطلوب من ذكره باسمه الصريح، فإن الاشتراك قد يقع في الاسم فلا يحصل به التعريف والتمييز، ولا يشاء أحد، يسمى بهذا الاسم، أن يدعي أنه هو إلا فعل، إذ الحوالة إنما وقعت على مجرد الاسم، وإن كان هذا الإخبار مجملا غير واضح عند العوام من الناس فإنه يصير عند الخواص جليا بواسطة القرائن التي تحف به وقد يبقى خفيا عليهم أيضا لا يعرفون مصداقة إلا بعد ادعاء النبي اللاحق أن النبي المتقدم أخبر عنه صدق ادعائه بظهور علامات النبوة والمعجزات على يديه.
ومن هذه البشارات ما يكون تفصيلا تاما بالاسم الصريح للنبي وبلده. . . إلخ، وهذا يتفق مع ما حكاه الله تعالى على لسان بعض أنبيائه في القرآن الكريم من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، وسيأتي أمثلة على كلا النوعين إن شاء الله تعالى.
3 -
قد يدعي بعض أهل الكتاب أنهم ما كانوا ينتظرون نبيا آخر غير عيسى وإيلياء، ولذلك - بزعمهم - لا تنطبق البشارات على محمد عليه الصلاة والسلام، إذ عيسى عندهم خاتم الأنبياء، وهذا زعم باطل وادعاء لا أصل له، بل كانوا ينتظرون نبيا جديدا غيرهما، يدل على ذلك ما جاء في إنجيل يوحنا: " وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل
اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه: من أنت؟ فاعترف ولم ينكر، واعترف: إني لست أنا المسيح، فسألوه: إذن ماذا، أإيليا أنت؟ فقال: لست إياه. فسألوه: أنت النبي؟ فأجاب: كلا. فقالوا له: من أنت؟ لنعطي جوابا للذين أرسلونا، ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية، قوموا طريق الرب كما قال أشعياء النبي " (1).
فعلماء اليهود المعاصرين لعيسى عليه السلام سألوا يحيى عليه السلام: أولا هل أنت المسيح؟ ولما أنكر سألوه: أنت إيلياء؟ ولما أنكر سألوه: أنت النبي؟ أي النبي المعهود الذي أخبر به موسى، فعلم أن هذا النبي كان منتظرا قبل المسيح وإيلياء، وكان مشهورا بحيث لم يكن محتاجا إلى ذكر الاسم، بل الإشارة إليه كافية.
وإذا كانوا ينتظرون نبيا آخر غير عيسى وإيلياء، فيعلم من هذا قطعا أن عيسى عليه السلام ليس خاتم الأنبياء، ثم إنهم يعترفون بنبوة الحورايين وبولس، بل بنبوة غيرهم أيضا، فكيف يكون عيسى خاتم الأنبياء بزعمهم (2).
4 -
الأخبار والبشارات التي نقلها المسيحيون في حق عيسى عليه السلام، لا تصدق عليه بناء على تفاسير اليهود وتأويلاتهم لها، ولذلك فهم ينكرونه أشد الإنكار، وعلماء المسيحية لا يلتفتون إلى تفسيرات اليهود في هذا الشأن وتأويلاتهم، ويفسرونها بحيث تصدق على عيسى عليه السلام، ولئن كانت هذه التأويلات بنظر المسيحيين غير صحيحة
(1) إنجيل يوحنا، الفصل الأول، رقم 19 - 23 طبع الكاثوليكية بيروت، ص155
(2)
راجع: إظهار الحق للشيخ رحمة الله 505 - 507
وغير لائقة، كذلك تأويلات المسيحيين في الإخبارات التي هي في حق محمد صلى الله عليه وسلم مردودة غير مقبولة، وسيظهر أن الإخبارات أو البشارات التي ستأتي في حق محمد صلى الله عليه وسلم أظهر صدقا من تلك التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى عليه السلام (1).
ومن هنا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فالمسلمون يؤمنون بالمسيح الصادق الذي جاء من عند الله بالهدى ودين الحق، الذي هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. والنصارى إنما تؤمن بمسيح دعا إلى عبادة نفسه وأمه، وأنه ثالث ثلاثة، وأنه الله وابن الله، وهذا هو أخو المسيح الكذاب لو كان له وجود، فإن المسيح الكذاب يزعم أنه الله. والنصارى - في الحقيقة - أتباع هذا المسيح، كما أن اليهود ربما ينتظرون خروجه، وهم يزعمون أنهم ينتظرون النبي الذي بشروا به (2)، فالنصارى آمنوا بمسيح لا وجود له، واليهود ينتظرون المسيح الدجال!
5 -
من عادة أهل الكتاب، سلفا وخلفا، أنهم يترجمون - غالبا - الأسماء في تراجمهم ويوردون بدلها معانيها، وتارة يزيدون شيئا بطريق التفسير في الكلام، دون إشارة إلى هذه الزيادة، وهذا يجعل الأسماء المترجمة محرفة وغامضة، وفي كتبهم شواهد كثيرة على ذلك، فلا عجب إذن أن يحرفوا ويبدلوا اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم بلفظ آخر، بحيث يخل ذلك بالاستدلال، جريا على عادتهم السالفة وعنادا وجحودا.
ولذلك لم تكن النسخ المتداولة لكتبهم متفقة، إذ قد يوجد في
(1) إظهار الحق للشيخ رحمة الله 507 - 508
(2)
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم 540