الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دراسة لقول الله تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}
لفضيلة الدكتور: محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني
(1)
مقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
أما بعد:
فإن الله قد أعلن في كتابه الصلة بينه وبين الثقلين من خلقه في قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} وجاء هذا الإعلان في تركيب جمع أصول البلاغة المقتضية لموافقة المقال لمقتضى الحال أتم الموافقة، فدلت ألفاظه وتركيبه على المراد منه أحسن الدلالة
(1) الأستاذ المشارك بقسم العقيدة في الجامعة الإسلامية.
وأفصحها وأوضحها وأدلها، حتى لم يبق لقائل بعدها مقالاً، ولا لمتأول لها مخرجًا، ولا لعيي الفهم عذرًا، ولا لمعرض حجة، ولا لمستكبرٍ وجهًا، وحتى لم يبق لمتلقي هذا الإعلان من الثقلين إلا الإذعان والخضوع وإسلام الوجه لله بلا ريب ولا تردد ولا إباء.
وهذا الإعلان يأتي في مرتبة تلي مرتبتي الفطرة والميثاق، فإن الله فطر الخلق أول الأمر على إسلام الوجه له سبحانه كما قال سبحانه:«إني خلقت عبادي حنفاء كلهم» (1) ثم أخذ عليهم الميثاق على مقتضى الفطرة التي فطرهم عليها كما قال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} ثم ها هو سبحانه يعلن الصلة بينهم وبينه سبحانه معلنًا لهم أنها هي الغاية من وجودهم.
وهذا الإعلان هو موضوع جميع رسالات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، هو موضوع الهدى الذي تكفل الله أن يؤتيه خلقه منذ أهبطهم إلى الأرض قال الله سبحانه:
(1) حديث قدسي أخرجه مسلم، 4/ 2197، رقم الحديث 2865.
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، وقال سبحانه:{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} .
فموضوع هذا الإعلان هو الهدى الذي يكون في كل أمة من خلقه لا تخلو منه أمة، يُرسِل به أنبياءه ورسله، ويُضَمِّنه كتبه، هو سبب إرسال الرسل، وهو سبب نزول آيات كتب الله، فإن الآيات المقررة للصلة بين الله وخلقه هي المقصود الأساس من إنزال الكتب، وليست هي من جنس أسباب نزول آيات الأحكام التي تنزل حسب الوقائع والأحداث بل هي الهدى الذي تنزل الأحكام لتقيم الخلق عليه فيستقيموا فيه، كما قال صلى الله عليه وسلم:«قل آمنت بالله ثم استقم» (1)
وفي الجملة فإن هذا الإعلان تذكيرٌ بالعهد الذي عهد به سبحانه إلى خلقه، {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} .
وقد كتبت هذه الدراسة في تدبر هذه الآية الكريمة وسبر فقه معانيها،
(1) أخرجه مسلم 1/ 65 رقم 38.