الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان صادرًا من إمام محقق، ومن ثم فلا يلزم ابن رجب رحمه الله برأي غيره، كما أنه لا يفرح أحد بما تضمنه ثناء ابن رجب على هذا النوع من المتصوفة وأحوالهم، فيجعله ثناء على التصوف بمختلف بدعه، ومن هنا جاءت أهمية هذه الدراسة في تتبع ما سطره ابن رجب من نقد وتصحيح لأخطاء المتصوفة في توازن تام بين المدح والثناء، وفي المباحث القادمة تقييد لجملة من معالم التقويم عند ابن رجب للمتصوفة.
المبحث الأول: الانحراف في منهج التلقي
يعد الانحراف في هذا الأصل الكبير هو الباب الذي انفتح على المتصوفة والعباد حتى تلاعب بهم الشيطان، وغرر بهم.
فإن القوم قد أحدثوا الكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب وتوابع ذلك بمجرد الرأي، والذوق، والكشف، والإلهام، والخواطر (1)
وزعموا أن العلم الباطن لا يتلقى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسنة، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات،
(1) ينظر: جامع العلوم والحكم 2/ 133، وشرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 20، 3/ 25، ويراجع في نقض ما عليه المتصوفة في هذه المسائل كتاب: المصادر العامة للتلقي عند الصوفية عرضا ونقدا.
وزعموا أن الحقيقة تنافي الشريعة (1)
وادعوا مع هذا أن العلم الباطن هو إرث النبوة، وأنهم هم ورثة حال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما العلماء فهم وارثون علمه الظاهر (2)(3)
وفي مقابل ذلك طعنوا في العلم الظاهر، الذي هو الشرائع والأحكام، والحلال والحرام، وطعنوا في أهله، وقالوا إنهم محجوبون، وأصحاب قشور (4)
وحيث لم يمكنهم الطعن في ألفاظ الكتاب طعنوا في ألفاظ السنن، وذموا من تمسك بالنصوص، وأجراها على ما يفهم منها، وسموه جاهلا، أو حشويا (5)
وربما انحل بعضهم عن التكاليف، وقال لا حاجة للأعمال، وادعى أنها للعامة، وأما من وصل، فلا حاجة له إليها، بل هي حجاب له (6)
(1) ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 20، وجامع العلوم والحكم 2/ 133، والحقيقة عند الصوفية هي السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه. يراجع: مجموع الفتاوى 10/ 169، والاستقامة 2/ 78 - 79.
(2)
ينظر: الحكم الجديرة بالإذاعة ضمن مجموع الرسائل 1/ 248.
(3)
ينظر: الحكم الجديرة بالإذاعة ضمن مجموع الرسائل 1/ 248. ') ">
(4)
ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 20. ') ">
(5)
ينظر: فضل علم السلف ضمن مجموع الرسائل 3/ 38. ') ">
(6)
ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل1/ 20. ') ">
وقد نبه الحافظ ابن رجب رحمه الله على خطورة هذا الأمر، وأنه من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء، وأنه لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم من الإسلام (1)
فإن مقالتهم هذه توجب القدح في الشريعة، وإساءة الظن بها، حيث ظنوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع الذي يوجب صلاح القلوب، وقربها من علام الغيوب، وأوجب لهم الإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب بالكلية، والتكلم فيه بمجرد الآراء والخواطر، فضلوا وأضلوا (2)
وكل من سلك طريقا يظنه طريق الجنة بغير علم، فقد سلك أعسر الطرق وأشقها، ولا يوصل إلى المقصود مع عسرة شديدة، وطرق شاقة، ومخاوف وقفار وعرة، ومآله إلى الهلاك والانقطاع في الطريق (3)
وقد أنكر أعيان الأئمة والعباد هذا عليهم، فأنكره الإمام
(1) ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 20، وفضل علم السلف ضمن مجموع الرسائل 3/ 25. ') ">
(2)
ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 20، وجامع العلوم والحكم 2/ 133. ') ">
(3)
ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 13، 46. ') ">
أحمد (1)
وقال الجنيد (2) وغيره من العارفين لمن زعم منهم الوصول إنهم وصلوا ولكن إلى سقر (3)
وقد قال أبو سليمان الداراني (4) إنه لتمر بي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة (5)
وقال الجنيد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في علمنا هذا (6)
وقال سهل التستري (7) من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء،
(1) ينظر: فضل علم السلف ضمن مجموع الرسائل 3/ 25، وجامع العلوم والحكم 2/ 104، ويراجع: طبقات الحنابلة 1/ 302، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة 2/ 279.
(2)
تقدمت ترجمته. ') ">
(3)
ينظر: فضل علم السلف ضمن مجموع الرسائل 3/ 25، ويراجع: طبقات الصوفية 356، وحلية الأولياء 10/ 356. ') ">
(4)
تقدمت ترجمته. ') ">
(5)
ينظر: فضل علم السلف ضمن مجموع الرسائل 3/ 25، ويراجع: طبقات الصوفية 78. ') ">
(6)
ينظر: فضل علم السلف ضمن مجموع الرسائل 3/ 25. ') ">
(7)
أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التستري، المتوفى سنة 283 هـ. أخباره في: حلية الأولياء 10/ 189 - 212، وصفة الصفوة 4/ 318 - 320، وسير أعلام النبلاء 13/ 330 - 333.
فلينظر إلى مجالس العلماء (1)
قال ابن رجب رحمه الله: "وقد اتسع الخرق في هذا الباب، ودخل فيه قوم إلى أنواع الزندقة والنفاق، ودعوى أن أولياء الله أفضل من الأنبياء، أو أنهم مستغنون عنهم، وإلى التنقص بما جاءت به الرسل من الشرائع، وإلى دعوى الحلول والاتحاد، أو القول بوحدة الوجود، وغير ذلك من أصول الكفر والفسوق والعصيان، ودعوى الإباحة، وحل محظورات الشرائع"(2)
ورحمة الله على الإمام المبجل أحمد بن حنبل، فقد كان يكره التوسع في الكلام في المعاملات وأعمال القلوب التي لم تنقل عن الصحابة والتابعين (3)
والقاعدة الكلية الجامعة" أن كل من أحدث شيئا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين منه بريء، وسواء في ذلك مسائل لاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة"(4)
(1) يراجع: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 47. ') ">
(2)
فضل علم السلف ضمن مجموع الرسائل 3/ 25، وينظر: رسالة ذم الخمر ضمن مجموع الرسائل 1/ 283. ') ">
(3)
ينظر: جامع العلوم والحكم 2/ 104، 131. ') ">
(4)
جامع العلوم والحكم 2/ 128. ') ">
وإذا كان المتصوفة والمتعبدة يذمون من يصفونهم بعلماء الظاهر الذين لا يعملون بعلمهم، فإنهم أيضا محل للذم؛ لكونهم يعملون بلا علم.
ومن هنا كان لابن رجب رحمه الله تقريرات مهمة في المنهج الحق في هذه المسألة، وتحقيق الوسطية في هذا الباب (1) وأن الواجب الجمع بين الأمرين العلم والعمل، وأن المقصود هو تحصيل العلم النافع وهو ما باشر القلب، فأوقع فيه معرفة الله تعالى، وعظمته، وخشيته، وإجلاله، وتعظيمه، ومحبته، ومتى سكنت هذه الأشياء في القلب خشع، فخشعت الجوارح كلها تبعا لخشوعه (2)
فالعلم علمان: علم الباطن، وهو ما باشر القلوب فأثمر لها الخشية والخشوع، والتعظيم والإجلال، والمحبة والأنس والشوق.
والعلم الظاهر، وهو ما كان على اللسان، وبه تقوم حجة الله على عباده (3)
(1) ورسالته شرح حديث أبي الدرداء (من سلك طريقا يلتمس فيه علما) من أهم مقاصدها تصحيح الانحراف في هذا الباب.
(2)
ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 16. ') ">
(3)
ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 16، 17، والذل والانكسار ضمن مجموع الرسائل 1/ 296.
وقد ظن بعض من لا علم له تفضيل العباد على العلماء؛ لأنهم تخيلوا أن العلماء هم العلماء بأمر الله فقط، وأن العباد هم العلماء بالله وحده، فرجحوا العالم بالله على العالم بأمره، وهذا حق لو كانت القسمة ثنائية (1) لكنهم غفلوا عن القسم الأشرف والأجل، وهم العلماء بالله العلماء بأمره، فإن العلماء ثلاثة أقسام (2)
الأول: عالم بالله، وعالم بأمر الله، وهو الذي جمع بين العلمين الباطن والظاهر.
وهؤلاء أشرف العلماء، وهم الممدوحون في قوله تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ، وفي قوله:{إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} ، وقال كثير
(1) ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 41. ') ">
(2)
يراجع في أقسام العلماء: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 17 - 19، 56، والكلام على قوله تعالى:(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) ضمن مجموع الرسائل 2/ 808، وفضل علم السلف ضمن مجموع الرسائل 3/ 28 - 29.
من السلف: ليس العلم كثرة الرواية، ولكن العلم الخشية. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا (1)
والثاني: عالم بالله، ليس بعالم بأمر الله، وهم أصحاب العلم الباطن الذين يخشون الله، وليس لهم اتساع في العلم الظاهر.
ويدخل في هذا الصنف من زعم أنه وارث حال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن العلماء وارثو علمه، وهو في الحقيقة متكبر على الحق والانقياد له، منقاد لهواه وجهله، ضال مضل، وإنما يرث حال الرسول صلى الله عليه وسلم من علم حاله ثم اتبعه، فأما من لا علم له بحاله، فمن أين يكون وارثه؟ (2)
والثالث: عالم بأمر الله، ليس عالما بالله، وهم أصحاب العلم الظاهر الذين لا نفاذ لهم في العلم الباطن، وليس لهم خشية ولا خشوع، وهؤلاء مذمومون عند السلف، وكان بعضهم يقول: هذا هو العالم الفاجر، وهؤلاء هم الذين وقفوا مع ظاهر العلم، ولم يصل العلم النافع إلى قلوبهم، ولا شموا له رائحة، غلبت عليهم الغفلة والقسوة، والإعراض عن الآخرة، والتنافس في الدنيا، ومحبة العلو
(1) رواه ابن أبي شيبة في المصنف 19/ 163 رقم 35674. ') ">
(2)
ينظر: الحكم الجديرة بالإذاعة ضمن مجموع الرسائل 1/ 248. ') ">
فيها، والتقدم فيها.
وحاصل الأمر أن العالم بالله أرجح من العالم بأمره (1) لكن الأكمل والأفضل من هذين الصنفين هم العلماء بالله وبأمره، الذين جمعوا بين العلم الباطن والظاهر، وهم أفضل من العباد، ولو كان العباد من العلماء بالله؛ لأن العلماء الربانيين شاركوا العباد في فضيلة العلم بالله، بل ربما زادوا عليهم فيه، وانفردوا بفضيلة العلم بأمر الله، وبفضيلة دعوة الخلق إلى الله، وهدايتهم إليه، وهو مقام الرسل عليهم السلام، وهذا القدر الذي انفردوا به عن العباد أفضل من القدر الذي انفرد به العباد من نوافل العبادة، فإن زيادة المعرفة بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم توجب زيادة المعرفة بالله والإيمان به، وجنس المعرفة بالله والإيمان به أفضل من جنس العمل بالجوارح والأركان، ولكن من لا علم له تعظم في نفسه العبادات على العلم؛ لأنه لا يتصور حقيقة العلم ولا شرفه، ولا قدرة له على ذلك، وهو يتصور حقيقة العبادات، وله قدرة على جنسها في الجملة، ولهذا تجد كثيرا ممن لا علم لديه يفضل الزهد في الدنيا على العلوم والمعارف، وسببه ما ذكرناه؛ وهو أنه لا يتصور معنى العلم
(1) ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 41. ') ">