الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحقيقي لفهم السنة، فإنه لا يجد فيهم من ترك الأسباب بدعوى صدق التوكل.
والحافظ ابن رجب نفسه قد ساق جملة مما جاء عنهم في ذلك، وتقدم إيراد بعضه، وتقدم أيضا في أول المبحث ما جاء عن الإمام أحمد، والفضيل بن عياض في كلام متين جليل حول هذه المسألة.
وأخيرا فإن العلامة ابن رجب رحمه الله قد علق ترك الأسباب الظاهرة بمن قوي يقينه حتى يباشر العمل دون بذل للسبب، وهذا في حقيقته تطلب للخوارق والكرامات، والذي قرره ابن رجب رحمه الله في ذلك أن هذا المقصد مخالف لما أجرى الله به العادة، والصالحون لا يتطلبون هذه الكرامات، ولا يغترون بها وعلى هذا فإن من عمل عملا دون الإتيان بأسبابه المشروعة، فإنه متطلب للكرامة، مخالف لهدي الصالحين، والله أعلم.
المبحث السابع: مفهوم الزهد في الدنيا
يبرز في سير المتصوفة مظاهر سلوكية يظن أهلها أنها دليل صادق على الزهد في الدنيا، والإعراض عنها، ومن هذه المظاهر
التميز باللباس الدنيء؛ بدعوى كسر النفوس، وطلبا للتواضع (1)(2) ومنها ترك الزواج (3) ومنها ترك الأهل والأولاد، بدعوى الأنس بالله، وعدم الأنس بغيره، كما في قصة العابد الشهير إبراهيم بن أدهم الذي خرج من ملكه، وماله، وأهله، وعشيرته، وولده، وحشمه، وبلاده، وأقام في بلاد الغربة (4) فحج مرة فرأى ولده
(1) ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 25.
(2)
ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 25. ') ">
(3)
ينظر: شرح حديث (إن أغبط أوليائي) ضمن مجموع الرسائل 2/ 750. ') ">
(4)
حكى ابن رجب رحمه الله هذه القصة في مواضع متفرقة من كتبه، مستحسنا لها، مستدلا بها على صدق دعوى الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وصدق المحبة، والرضا بالقضاء، فقد ساقها في كتابه (لطائف المعارف 125) مثالا للحج المبرور، وقال:"الحج المبرور مثل حج إبراهيم بن أدهم مع رفيقه الرجل الصالح الذي صحبه من بلخ، فرجع من حجه زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة، وخرج عن ملكه وماله وأهله وعشيرته وبلاده، واختار بلاد الغربة، وقنع بالأكل من عمل يده، إما من الحصاد، أو من نظارة البساتين"، وفي شرح حديث (إن أغبط أوليائي) ذكرها رحمه الله علامة على الأنس بالله ومحبته (ينظر: مجموع الرسائل 2/ 750)، وفي شرحه حديث ابن عباس (احفظ الله يحفظك) أوردها تحت أسباب الرضا بالقضاء (ينظر: مجموع الرسائل 3/ 149)، وساقها في كتابه استنشاق نسيم الأنس ضمن باب في رضا المحبين بمر الأقدار، وتنعمهم ببلاء من يخلق ما يشاء ويختار (ينظر: استنشاق نسيم الأنس ضمن مجموع الرسائل 3/ 364)، وما أثبته من خبر القصة هي بحسب ما نقله ابن رجب رحمه الله فيما وقفت عليه من كلامه، والقصة تروى في كتب القوم وفيها زيادات لها دلالات، من أهمها أن ترك ابن أدهم لماله؛ بناء على هاتف هتف به أكثر من مرة، وأنه التقى بنبي الله سليمان أو داود، وأنه التقى بالخضر، وأن داود علمه اسم الله الأعظم، ولم أقف على ذكر لذلك عند ابن رجب، فلعلها لم تصح عنده، وهي في طبقات الصوفية للسلمي (27 - 30)، وفي كتاب مظاهر الانحرافات العقدية (1/ 84 - 89) كشف لما تضمنته القصة من ضلالات، وفي التصوف المنشأ والمصادر (53 - 56) مقارنة بينها وبين قصة بوذا.
وحشمه في الطواف، فجعل يسارقهم النظر ويبكي، فأخبر ولده به، فجاء إليه فاعتنقه وبكى، ثم صرفه وودعه، وأنشد:
هجرت الخلق طرا في هواكا
…
وأيتمت العيال لكي أراكا
ولو قطعتني في الحب إربا
…
لما حن الفؤاد إلى سواكا
فإن هذه المظاهر كلها وأمثالها إن أحسنا الظن بأصحابها، وأنهم لا يريدون بها طلب الدنيا، فهي مخالفة لهدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وهدي أتباعه من أصحابه رضوان الله عليهم، ومن سار على نهجهم.
وينجلي هذا الحكم من خلال التأصيل الصحيح للزهد الصادق كما حققه العلامة ابن رجب رحمه الله في كلامه المتناثر عن هذه المسألة، ومن بيانه في ذلك أنه مما يدخل في جملة
الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وبسنته زهده في الدنيا، وتقلله منها، واجتزاؤه منها باليسير (1)
فالزهد في الدنيا شعار أنبياء الله، وأوليائه، وأحبائه (2) وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه: أنتم أكثر صوما وصلاة وجهادا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: وكيف ذلك؟
قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة (3)
ويقول عمرو بن العاص رضي الله عنه: ما أبعد هديكم من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم، إنه كان أزهد الناس في الدنيا، وأنتم أرغب الناس فيها (4)
وهكذا كان حال العلماء الربانيين اجتزؤوا من الدنيا باليسير إلى أن خرجوا منها، ولم يخلفوا سوى العلم، مع أن بعضهم كان
(1) ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 53. ') ">
(2)
ينظر: جامع العلوم والحكم 2/ 203. ') ">
(3)
ينظر: جامع العلوم والحكم 2/ 206، والأثر رواه ابن أبي شيبة في المصنف 19/ 167 رقم 35962، وأبو نعيم في حلية الأولياء 1/ 136.
(4)
ينظر: جامع العلوم والحكم 2/ 203، والأثر رواه بمعناه الحاكم في المستدرك 4/ 457 رقم 7962. ') ">
يلبس لباسا حسنا، ويأكل أكلا متوسطا بعيدا من التقشف، وهو مع هذا أزهد الناس في الدنيا، وما زاحم على شيء منها قط (1)
ولكن الحذر كله من أن يكون الزهد مجرد مظهر يطلب به الشرف في الدنيا، يقول الحسن البصري رحمه الله: إن قوما جعلوا التواضع في لباسهم، والكبر في قلوبهم، ولبسوا مدارع الصوف، والله لأحدهم أشد كبرا بمدرعته من صاحب السرير بسريره، وصاحب المطرف بمطرفه (2)
وقد أفاد ابن رجب رحمه الله في معرض شرحه حديث «ما ذئبان جائعان» (3) أن الحرص على الشرف قسمان (4)
الأول: طلب الشرف بالولاية والسلطان، والثاني: طلب الشرف والعلو بالأمور الدينية، كالعلم والعمل والزهد.
والثاني أقبح من الأول، وأشد فسادا وخطرا، فإن العلم والعمل والزهد إنما يطلب بها ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم، ويطلب بها ما عند الله من القرب منه والزلفى
(1) ينظر: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 53. ') ">
(2)
ينظر: كشف الكربة ضمن مجموع الرسائل 1/ 310. ') ">
(3)
رواه الإمام أحمد في مسنده 25/ 62 رقم 15784، وفيه تمام تخريجه.
(4)
ينظر: شرح حديث (ما ذئبان جائعان) ضمن مجموع الرسائل 1/ 71. ') ">
لديه (1)
وحال من طلب الدنيا بإظهار الزهد فيها خداع قبيح جدا، وكان أبو سليمان الداراني (2) يعيب على من لبس عباءة، وفي قلبه شهوة من شهوات الدنيا تساوي أكثر من قيمة العباءة.
وهو يشير إلى أن إظهار الزهد في الدنيا باللباس الدنيء إنما يصلح لمن فرغ قلبه من التعلق بها، بحيث لا يتعلق قلبه بأكثر من قيمة ما لبسه، حتى يستوي ظاهره وباطنه في الفراغ من الدنيا (3)
وقد كان من الزهاد والعارفين، كالفضيل، وداود الطائي (4) من يكرهون الشهرة غاية الكراهة، ويذمون أنفسهم غاية الذم، ويسترون أعمالهم غاية الستر (5)
ومن خلال العرض المتقدم ينجلي المنهج الحق في الزهد في الدنيا، وأنه من هدي المرسلين، ومواطن الاقتداء بهم، وشرطه
(1) ينظر: شرح حديث (ما ذئبان جائعان) ضمن مجموع الرسائل 1/ 78. ') ">
(2)
تقدمت ترجمته. ') ">
(3)
ينظر: شرح حديث (ما ذئبان جائعان) ضمن مجموع الرسائل 1/ 79 - 80. ') ">
(4)
تقدمت ترجمتهما. ') ">
(5)
ينظر: شرح حديث (ما ذئبان جائعان) ضمن مجموع الرسائل 1/ 87، ويراجع: حلية الأولياء 7/ 342، 8/ 88. ') ">
أن يستوي الظاهر والباطن في الفراغ من الدنيا، وعدم التعلق بها، ومزاحمة أهلها، وطلب الترفع فيها، فمتى وجدت هذا الشرط في العبد، فهو الزاهد الحقيقي.
وهذا تفسير للزهد بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب، لا من أعمال الجوارح، ولهذا قيل: لا تشهد لأحد بالزهد، فإن الزهد في القلب
(1) جاء مرفوعا عند الترمذي في الجامع: كتاب الزهد، باب ما جاء في الزهادة في الدنيا 535 رقم 2340، وابن ماجه في السنن: كتاب الزهد، باب الزهد في الدنيا 598 رقم 4100 من حديث أبي ذر (دون قوله: وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء)، وجاء موقوفا عند الإمام أحمد في الزهد (18) من كلام أبي مسلم الخولاني، وعند ابن أبي الدنيا من كلام يونس بن ميسرة (مع الزيادة)، والصحيح عند ابن رجب وقفه. ينظر: جامع العلوم والحكم 2/ 179 - 180، مع الحاشية.