الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستغراق فيه حتى لا يشعر بالألم (1)
(1) ينظر: استنشاق نسيم الأنس ضمن مجموع الرسائل 3/ 148 - 149، وقد اعتقد ابن رجب في كتابه هذا بابا ترجمه بقوله: في رضا المحبين بمر الأقدار، وتنعمهم ببلاء من يخلق ما يشاء ويختار، وساق بعض ما ذكر في المبحث. (ينظر: استنشاق نسيم الأنس ضمن مجموع الرسائل 3/ 326)، وذكر أيضا جملة من فوائد وحكم البلايا إذا صبر عليها العبد. (ينظر: نور الاقتباس ضمن مجموع الرسائل 3/ 155، 170 - 172).
المبحث الخامس: مسألة السماع والغناء
من فاسد معتقدات المتصوفة استماع الغناء بآلات اللهو، أو بدونها؛ على وجه التقرب إلى الله تعالى؛ زعما منهم أن هذا وسيلة لترقيق القلوب، وتحريكها إلى محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه (1)
وهذه مسألة جليلة لازالت آثارها باقية في صور متنوعة، وقد كانت معالجة الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى لها منطلقة من ثلاث مقامات:
المقام الأول: في بيان نشأة الانحراف.
(1) ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 461، وجامع العلوم والحكم 1/ 178، وفضل علم السلف ضمن مجموع الرسائل 3/ 25، ويراجع: الاستقامة 1/ 236، 260 وفيها أن من الصوفية من يقول إن السماع من توابع المحبة.
المقام الثاني: في إبطال دعوى التقرب إلى الله تعالى بالسماع.
المقام الثالث: في نقض الشبهات التي يتعلق بها المتصوفة على صحة السماع.
أما المقام الأول، فقد ذكر ابن رجب رحمه الله أن بداية الانحراف في هذا الباب حدثت بعد انقراض القرون الفاضلة (1)(2)
وفي لفتة نفيسة مهمة تبين تدرج الشيطان بإغواء بني آدم أفاد رحمه الله أن هذا المنكر، وهو التقرب إلى الله عن طريق السماع قد تقدمه حدثان كانا بابا لانتشاره، وهما (3)
الأول: قراءة القرآن بالألحان، بأصوات الغناء، وأوزانه، وإيقاعاته على طريقة أصحاب الموسيقى (4)
(1) ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 463.
(2)
ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 463. ') ">
(3)
ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 463، ويراجع: الاستقامة 1/ 304. ') ">
(4)
ذكر ابن رجب رحمه الله أن بعض المتقدمين رخص فيه؛ إذا قصد منه الاستعانة على إيصال معاني القرآن إلى القلوب؛ للتحزين والتشويق، والتخويف والترقيق، لكن أكثر العلماء أنكر ذلك، ومنهم من حكى الإنكار إجماعا، ولم يُثبت فيه نزاعا. قال ابن رجب مبينا رأيه:"وفي الحقيقة هذه الألحان المبتدعة المطربة تهيج الطباع، وتلهي عن تدبر ما يحصل له من الاستماع، حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة، والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن، وإنما وردت السنة بتحسين الصوت بالقرآن، لا بقراءة الألحان، وبينهما بون بعيد". نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 463، ويراجع: الاستقامة 1/ 271 - 302.
والحديث الثاني: سماع القصائد الرقيقة، المتضمنة للزهد، والتخويف، والتشويق.
فكان كثير من أهل السلوك والعبادة يستمعون ذلك، وربما أنشدوها بنوع من الألحان؛ استجلابا لترقيق القلوب بها.
ثم صار منهم من يضرب مع إنشادها على جلد ونحوه، بقضيب ونحوه، وكانوا يسمون ذلك التغبير (1)
فكما ترى أن هذه كانت مقدمات هذا الانحراف الصوفي في السماع، وهو عائد إلى أصلهم البدعي تجريد المحبة واللهج بها،
(1) ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 463. وذكر ابن رجب أن أكثر العلماء كرهوا التغبير، وهو سماع هذه القصائد مع الضرب، ونقل قول الإمام الشافعي إنه من وضع الزنادقة؛ يصدون به الناس عن القرآن، وقال الإمام أحمد: إنه بدعة، وقال يزيد بن هارون: ما يغبر إلا فاسق، ومتى كان التغبير؟ وأما القصائد المجردة، فحكى ابن رجب فيها الخلاف على قولين: المنع، والرخصة. يراجع: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 463 - 464.
والإعراض عن الخشية والخوف (1)
المقام الثاني: في إبطال دعوى التقرب إلى الله تعالى بالسماع.
وهذا الإبطال متحقق من وجوه:
الوجه الأول: أن صنيعهم هذا مضاد لأمر الله، فإن الله تعالى يقول:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ، فإنه إنما يتقرب إلى الله عز وجل بما يشرع التقرب به إليه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فأما ما نهى عنه، فالتقرب به إليه مضادة لله عز وجل في أمره (2)
الوجه الثاني: أن التقرب إلى الله تعالى بسماع الغناء الملحن، لا سيما مع آلات اللهو مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، بل ومن سائر شرائع المرسلين أنه ليس مما يتقرب به إلى الله، ولا مما تزكى به النفوس وتطهر، فإن الله تعالى شرع على ألسنة الرسل كل ما تزكو به النفوس، وتطهر من أدناسها وأوضارها، ولم يشرع على
(1) ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 473، وقد تقدم نقض هذا الأصل بحمد الله تعالى في المبحث الثاني.
(2)
ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 462. ') ">
لسان أحد من الرسل في ملة من الملل شيئا من ذلك (1)
الوجه الثالث: أن هذا المنهج موافق لمن يأمر بتزكية النفوس بهذه الوسائل ممن لا يتقيد بمتابعة الرسل من أتباع الفلاسفة، كما يأمرون بعشق الصور المحرمة ونظرها، وذلك كله مما تحيا به النفوس الأمارة بالسوء؛ لما لها فيه من الحظ، ويقوى به الهوى، وتموت به القلوب المتصلة بعلام الغيوب، وتبعد به عنه (2)
الوجه الرابع: أن الله تعالى أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا، فما ترك لنا شيئا يقرب منه، ومن دار كرامته إلا وأرشدنا إليه، ولا شيئا يباعد عنه، وعن دار كرامته إلا وزجرنا عنه، ولما كان الآدمي مركبًا من جسد وروح، ولكل منهما غذاء يتغذى به، ولو فقدنا لأضر بها، فإنه لا غذاء للقلب والروح سوى معرفة الله تعالى، ومعرفة عظمته، وجلاله، وكبريائه، وما يترتب على ذلك من خشيته، وتعظيمه، وإجلاله، والأنس به، والمحبة له، والشوق إلى لقائه، والرضا بقضائه، حتى يصير قلبا سليما، وقد أمر الله تعالى بما يصلح هذا القلب، ويوصله إلى هذه المنزلة، ونهاهم
(1) ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 462. ') ">
(2)
ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 462، وفضل علم السلف 3/ 25، ويراجع: الاستقامة 1/ 448 - 449، 2/ 177.
عما ينافي ذلك ويضاده، وإن مما تقوى به الروح ما تسمعه من الحكمة والموعظة الحسنة، من سماع القرآن، والذكر، والموعظة، ومجالس الذكر، فهذا السماع حاد يحدو قلب المؤمن إلى الوصول إلى ربه، وسائق يسوقه إلى قربه، وقد مدح الله المؤمنين بهذا السماع، وذم من لا يجد منه ما يجدون، فقال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} ، وقال تعالى:{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} ، وقال تعالى:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} ، فهذه الآية تتضمن توبيخا وعتابا لمن سمع هذا السماع ولم يحدث في قلبه صلاحا، ورقة، وخشوعا، فإن هذا الكتاب المسموع يشتمل على نهاية المطلوب، وغاية ما تصلح به القلوب، وتنجذب به الأرواح، المعلقة بالمحل الأعلى إلى حضرة المحبوب، فيحيا بذلك القلب بعد مماته، ويجتمع بعد شتاته، وتزول قسوته؛ بتدبر خطابه، وسماع
آياته، فإن القلوب إذا أيقنت بعظمة ما سمعت، واستشعرت شرف نسبة هذا القول إلى قائله أذعنت وخضعت، فإذا تدبرت ما احتوى عليه من المراد ووعت؛ اندكت من مهابة الله وإجلاله وخشعت، فإذا هطل عليه وابل الإيمان من سحب القرآن أخذت ما وسعت، فإذا بذر فيها القرآن حقائق العرفان، وسقاه ماء الإيمان أنبتت ما زرعت، ومتى فقدت القلوب غذاءها، وكانت جاهلة به طلبت العوض من غيره فتغذت به، فازداد سقمها بفقدها ما ينفعها، والتعوض بما يضرها، فإذا سقمت مالت إلى ما فيه ضررها، ولم تجد طعم غذائها الذي فيه نفعها، فتعوضت عن سماع الآيات بسماع الأبيات، وعن تدبر معاني التنزيل بسماع الأصوات، كما قال عثمان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم (1)
وقد قال سهل التستري (2) علامة حب الله حب القرآن (3)
(1) ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 467 - 469، ويراجع: الاستقامة 1/ 302 - 304، وقول عثمان رضي الله عنه رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة 1/ 479 رقم 775.
(2)
تقدمت ترجمته. ') ">
(3)
ونقله ابن رجب في نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 417. ') ">
وقال أبو سعيد الخراز (1) من أحب الله أحب كلامه، ولم يشبع من تلاوته (2)
وقال أبو محمد الحريري (3) من استولت عليه النفس صار أسيرا في حكم الشهوات، محصورا في سجن الهوى، فحرم الله على قلبه الفوائد، فلا يستلذ بكلامه، ولا يستحليه، وإن كثر ترداده على لسانه (4)
وذكر عند بعض العارفين أصحاب القصائد، فقال: هؤلاء الفرارون من الله عز وجل، لو ناصحوا الله عز وجل وصدقوه؛ لأفادهم في سرائرهم ما يشغلهم عن كثرة التلاقي (5)
(1) أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز البغدادي، المتوفى سنة 286 هـ. أخباره في: حلية الأولياء 10/ 246 - 249، وصفة الصفوة 2/ 663 - 665، وسير أعلام النبلاء 13/ 419 - 422.
(2)
نقله ابن رجب في نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 471. ') ">
(3)
أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الحريري، (وفي سير النبلاء: الجريري - بالمعجمة -)، المتوفى سنة 311 هـ. أخباره في: حلية الأولياء 10/ 347 - 348، وصفة الصفوة 2/ 671 - 672، وسير أعلام النبلاء 14/ 467، وانظر عنه: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 471.
(4)
نقله ابن رجب في نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 471. ') ">
(5)
نقله ابن رجب في نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 471. ') ">
وكان داود الطائي (1) يترنم بالآية في الليل، فيرى من سمعه أن جميع الدنيا جمع في ترنمه (2)
وقال أحمد بن الحواري (3) إني لأقرأ القرآن، فأنظر في آية منه، فيحار فيها عقلي، وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا، وهم يتلون كلام الله، أما لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واستحلوا المناجاة به؛ لذهب عنهم النوم؛ فرحا بما قد رزقوا (4)
الوجه الخامس: أن هذا السماع مخالف لإجماع المسلمين، فإنه ليس فيهم من جعل السماع دينا وطاعة (5)
الوجه السادس: أن الصادق من هؤلاء في دعواه أن مراده التقرب، وقليل ما هم (6) ملبوس عليه؛ حيث تقربوا إلى الله عز
(1) تقدمت ترجمته. ') ">
(2)
نقله ابن رجب في نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 470. ') ">
(3)
تقدمت ترجمته. ') ">
(4)
نقله ابن رجب في نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 470، وينظر: جامع العلوم والحكم 2/ 342 - 343. ') ">
(5)
ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 458، 462. ') ">
(6)
فإن ممن يدعي ذلك؛ متسترا به، ومرامه الوصول إلى بلوغ غرض نفسه، من نيل لذته، وهذا مخادع ملبس. يراجع: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 461.
وجل بما لم يشرعه الله تعالى، واتخذوا دينا لم يأذن به الله، فلهم نصيب ممن قال الله تعالى فيه {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} ، والمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق باليد.
كذلك قاله غير واحد من السلف (1) وشابهوا بذلك الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا (2)
الوجه السابع: أن وقوع طائفة من أهل الصلاح والصدق في هذا السماع هو من باب الشذوذ الذي لا يتابعون عليه، ولا يقتدى بهم فيه (3)
الوجه الثامن: أن حقيقة الأمر أن القوم اشتبه عليهم حظوظ النفس وشهواتها بأقوات القلوب الطاهرة، والأرواح الزكية المعلقة بالمحل الأعلى، فإن الصادق من السامعين قد يكون في قلبه محبة الله، مع ما ركز في الطباع من الهوى، فيكون الهوى كامنا؛ لظهور سلطان الإيمان، فتحركه الأغاني مع المحبة الصحيحة، فيقوى
(1) يراجع: جامع البيان 9/ 282 - 285، وتفسير القرآن العظيم 7/ 71 - 72. ') ">
(2)
ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 461، وفضل علم السلف 3/ 25، وجامع العلوم والحكم 1/ 178. ') ">
(3)
ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 464 - 465. ') ">
الوجد، ويظن السامع أن ذلك كله محبة الله، وليس كذلك، بل هي محبة ممزوجة، ممتزج حقها بباطل، وليس كل ما حرك الكامن في النفوس يكون مباحا في حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (1)
الوجه التاسع: أن هذا السماع البدعي يوجب النفرة عن سماع القرآن، يصرفها عن التعلق به، والاستمتاع بتلاوته، وحصول الرقة والحلاوة أثناء قراءته، واستجلاب ثمراته ومنافعه، وتعظيم حرماته (2)
الوجه العاشر: أن هذا السماع يسكر النفوس كما يسكر الخمر أو أشد، ويصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، كالخمر والميسر (3)
الوجه الحادي عشر: أن هذا السماع يؤول بصاحبه إلى الإلحاد: الحلول والاتحاد (4)
المقام الثالث: في نقض الشبهات التي يتعلق بها المتصوفة على صحة السماع.
(1) نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 462، 465، 473. ') ">
(2)
ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 465، 474. ') ">
(3)
ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 472، 473. ') ">
(4)
ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 472، ويراجع: الاستقامة 1/ 425. ') ">
أورد الحافظ ابن رجب رحمه الله بعضا من الشبه التي يتعلق بها أصحاب السماع، ومنها:
الشبهة الأولى (1) دعواهم أن السامع منهم لا ينظر إلى حظ نفسه، فإنها في هذه الحال قد ماتت، وهواه قد فني.
والجواب عن هذه الشبهة: أن صاحب هذه الدعوى بأن نفسه ماتت، وهواه فني، إنما يشير بما يسمعه إلى معرفة الله، ومحبته، وخشيته، وهو في هذه الدعوى بمنزلة من ينظر إلى الصور الجميلة المفتنة، ويدعي أن فتنته ماتت، وأنه إنما ينظر إليها؛ لكي يعتبر ويستدل بحسن الصنعة وكمالها على عظمة صانعها وكماله، وكل ذلك محرم بلا ريب، وأكثر من يدعي ذلك كاذب في دعواه، ومنهم من هو ملبوس عليه.
وقد تقدم في الوجه الثامن من المقام الثاني أن صاحب هذه الدعوى قد اشتبه عليه حظ نفسه وهواه بحظ روحه وقلبه، أو اختلط عليه الأمران فيجتمعان له جميعا، وهو يظن أن حظ نفسه وهواه فني، وليس كذلك.
الشبهة الثانية (2) دعوى بعض من يسمع منهم، ويقول هي له
(1) ينظر في الشبهة وجوابها: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 465، 466. ') ">
(2)
ينظر في الشبهة وجوابها: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 466، وينظر أيضا: شرح حديث (من سلك طريقا) ضمن مجموع الرسائل 1/ 20.
حلال؛ لأنه وصل إلى درجة لا يؤثر فيه اختلاف الأحوال؟
فما أجمل ما أجاب به أبو علي الروذباري (1) عن هذه الدعوى بقوله: نعم، قد وصل لعمري، ولكن إلى سقر (2)
ومع هذا فلو تنزلنا مع القوم، وقلنا إن ممن يسمع من لا يؤثر فيه السماع، فيقال إن هذه حالة خاصة لا تعمم على الجميع، وهذا كله لو ثبت عدم التأثير، وأنى ذلك، فإن هذا نادر جدا، أو ممتنع متعذر (3)
الشبهة الثالثة (4) يقول بعضهم: إنا لا نسمع الغناء بالطبع الذي يشترك فيه الخاص والعام؟
والجواب أن هذا تجاهل عظيم منه لأمرين:
الأول: أنه يلزمه على قوله استباحة سماع غيره من أنواع
(1) أبو علي أحمد بن القاسم بن منصور الروذباري، المتوفى سنة 322 هـ. أخباره في: حلية الأولياء 10/ 356 - 357، وصفة الصفوة 2/ 676، وسير أعلام النبلاء 14/ 535 - 536، وينظر عنه: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 466.
(2)
يراجع: طبقات الصوفية 356، وحلية الأولياء 10/ 356. ') ">
(3)
ينظر: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 473. ') ">
(4)
ينظر في الشبهة وجوابها: نزهة الأسماع ضمن مجموع الرسائل 2/ 466. ') ">
الغناء وسائر الملاهي؛ ويدعي أنه يسمعها كلها بالطبع الذي لا يشاركه فيه أحد.
فإن أنكر هذا اللازم، فقد تناقض، من حيث إن بعض الملاهي يؤثر، وبعضها لا يؤثر في هذا الطبع.
وإن أقر باللازم، واستباح لنفسه سماع الملاهي بأنواعها، فقد حكم على نفسه بالفسق.
الثاني: أن هذا المدعي لا يخلو من حالين:
إما أن يدعي أن طبعه فارق طباع البشر، وصار مطبوعا على العقل والبصيرة، بمنزلة الملائكة، فإن قال ذلك فقد تخرص على طبعه، وكذب على ربه في تركيبه، وادعى العصمة مع مقارنة الفتنة.
ووجب له أيضا ألاّ يكون مجاهدا لنفسه، ولا مجانبا لهواه وطبعه، ولا يكون له ثواب على ترك اللذات والشهوات، وهذا لا يقوله عاقل.
وإن قال أنا على طبع البشر المجبول على محبة الهوى والشهوة.
فيقال له: فكيف يصح أن تسمع الغناء المطرب بغير طبعك، أو تطرب بسماعه بغير ما في جبلتك، وإلى غير ما غرز في نفسك؟
ولكن الأمر كما يرى الروذباري رحمه الله أن هذه الطائفة إنما تفعل ما ذكر من الغناء، والنظر إلى الوجوه الملاح بعد تناول