الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معالم نقدية للعبّاد والصوفية
لفضيلة الدكتور: عبد الله بن محمد السند
مقدمة:
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركا فيه، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه، وبعد:
فقد تعددت الدراسات التي تعنى بالأعلام من جهة، وبالفكر الصوفي من جهة أخرى، أو بهما معا إذ تبرز موقف بعض الأعلام من التصوف والصوفية، وهي جهود مشكورة في الكشف عن حقائق الفكر الصوفي نفسه، وعن حقيقة موقف العلماء منه.
وامتدادا لتلك الجهود فقد استعنت الله تعالى بإعداد دراسة تكشف عن نقد ابن رجب للعباد والمتصوفة، لأسباب عدة منها:
أولا: أن هذا الجانب النقدي للمنهج الصوفي صادر من عالم محقق مشهود له بعلو القدم في العلم والسنة حتى بلغ فيها رتبة الأئمة المحققين، ومشهود له أيضا - ولا نزكي على الله أحدا - بالديانة والتعبد، والعناية بأعمال القلوب ما جعله في قائمة الأئمة المقتدى بهم، واجتماع هذين الوصفين في هذا الإمام يعطي النقد
الصادر منه في هذا الباب غاية الأهمية؛ خاصة وأنه يدور حول مسائل علم السلوك وأعمال القلوب، وعلم المعارف والمعاملات مما هو داخل في مقام الإحسان (1)(2)
ثانيا: أن لابن رجب رحمه الله عناية خاصة بمسائل السلوك والتعبد، وتصحيح المسار في هذا الباب عند العباد والمتصوفة، ولعله ليس من المبالغة القول بأن بعض رسائل الشيخ إنما صنفها لهذا الغرض، بل لا يكاد مصنف له يخلو من هذه العلوم والمسائل، ومع هذا كله فإن الناظر في المكتوب عنه، خاصة ما كان منه مصنفا في جهوده في العقيدة لا يجد له المكانة اللائقة بإنتاج الشيخ في هذا الباب (3)
(1) ينظر: جامع العلوم والحكم 1/ 135.
(2)
ينظر: جامع العلوم والحكم 1/ 135. ') ">
(3)
وهذا في الحقيقة من أهم ما قوى عزمي على تقييد وإبراز تأصيلات ابن رجب في هذه المسائل، فإني أثناء قراءتي لمصنفاته أقف على تأصيلات عالية، ونقدات غالية، ولم أر لهذا كله العناية اللائقة به عند من كتب عنه في الجانب العقدي، وإن وجد فهو إشارات لا تليق بإنتاج الشيخ رحمه الله، وقد وقفت على دراستين تناولت جهود ابن رجب العقدية، وهما:(ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف)، و (منهج الحافظ ابن رجب الحنبلي في العقيدة)، وبعد قراءتهما لم أر فيهما ما يحول دون إعدادي لهذه الدراسة، فإن مؤلفيها وفقهما الله اشتركا في محاولة الدفاع عن اتهام ابن رجب بالتصوف، ونقلا بعض ما جاء عنه مما يؤكد سلفيته، (وفي كتاب منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة 84 وصف حال ابن رجب على سبيل التجوز بأنه تصوف معتدل!)، وكان تعليلهما لهذه التهمة متقاربا، وزاد في الكتاب الأول (ابن رجب الحنبلي وأثره .. ) نقلا مختصرا لبعض ما ذكره ابن رجب من نقد لبدعتي القول بالحقيقة والشريعة والسماع والغناء. يراجع: ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف 1/ 70 - 72، 2/ 447 - 455، ومنهج الحافظ ابن رجب الحنبلي في العقيدة 79 - 86 (والكلام نفسه تماما في ط دار العاصمة 117 - 124)، وإنما ذكرتها لأن الباحث أفاد أنه أضاف لهذه الطبعة زيادات، ونظرت فيما يتعلق بموضوعنا فلم أر ثمة إضافة).
ثالثا: أن لابن رجب أثناء بحوثه ثناء على بعض العباد والمتصوفة، وعلى بعض ما يقع منهم من أحوال وأفعال، وهي أمور قد يقع في قلب الناظر فيها خلاف ما عليه هذا الحبر من متابعة للسة، وقد يأخذ به من يفرح بمثل ذلك، ويعمى عما تضمنته مصنفاته من تأصيلات سنية، ومعالم سلفية تبين الوجه الحق في التعبد والسلوك، وتصحح مسار من ضعف حظه من هدي النبوة ممن وصفهم رحمه الله بالعلماء بالله لا بأمره فكان من المهم إبراز هذه المعالم التي قررها رحمه الله في نقده للمتعبدة والمتصوفة، وبيان ما هو عليه رحمه الله من الإمامة في السنة.