الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب مفردات القرآن
(1) كتب غريب القرآن قبل الفراهي:
قد اعتنى المسلمون بتفسير ألفاظ القرآن في وقت مبكر، وتفننوا فيه. فصنّفوا كتباً في تفسير مشكل القرآن وغريبه، وأفردوا كتباً في لغات القرآن، وأخرى في الوجوه والنظائر. وأقدم الرسائل في كل نوع من الأنواع المذكورة تنسب إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (ت 68 هـ). ولا غرو في ذلك فهو ترجمان القرآن وحبر الأمة، فكثرت مروياته في التفسير كثرة ظاهرة، كما كثر الحمل عليه أيضاً في هذا الباب.
وقد صرّح بعض المتقدمين بتأليف ابن عباس رضي الله عنهما في فن الوجوه والنظائر، فقال أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد الضرير النيسابوري الحيري (ت 430 هـ) في مقدمة كتابه وجوه القرآن:"والسابق بهذا التصنيف عبد الله بن عباس ثم مقاتل ثم الكلبي"(1). وقد أشار ابن الجوزي (ت 597 هـ) إلى أنه "قد نسب كتاب في الوجوه والنظائر إلى عكرمة عن ابن عباس، وكتاب آخر إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس"(2).
أما فن لغات القرآن فقد وصلتنا رسالة رواها إسماعيل بن عمرو بن راشد الحداد (ت 429 هـ) بإسناده عن عطاء بن أبي رباح (ت 114 هـ) عن ابن عباس رضي الله عنهما. وهي مطبوعة (3).
(1) التصاريف، مقدمة المحققة:28.
(2)
نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: 82.
(3)
نشرها صلاح الدين المنجد سنة 1946 عن نسخة محفوظة في دار الكتب الظاهرية.
أما تفسير ألفاظ القرآن بوجه عام، فذكر فؤاد سزكين أن كتاباً لابن عباس رضي الله عنهما بتهذيب عطاء بن أبي رباح يوجد مخطوطاً في مكتبة عاطف أفندي بعنوان "غريب القرآن"(1). ومما روي عنه مسائل نافع بن الأزرق (ت 65 هـ) المشهورة، قيل إن ابن الأزرق سأل عنها طالباً الاستشهاد على كل مسألة منها بشاهد من كلام العرب. وقد وردت جملة من تلك المسائل في كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد (224 هـ)(2) والكامل للمبرد (ت 285 هـ) -وقد نقلها من بعض كتب أبي عبيدة (ت 210 هـ) وغيره (3) - والوقف والابتداء لابن الأنباري (ت 328 هـ)(4) والمعجم الكبير للطبراني (360 هـ)(5). وساقها السيوطي بتمامها إلا بضعة عشر سؤالاً -حسب قوله- في كتاب الإتقان (6).
(1) تاريخ التراث العربي 1/ 67 ولكن في موضع آخر من الكتاب (ص 90) نسب سزكين النسخة نفسها إلى أبي جعفر بن أيوب المقرئ الذي كان تلميذاً لعبد الملك بن جريج (ت 150 هـ). وينسب إلى علي بن عبد الله بن عباس -وكان أصغر أبنائه- (ت 117 هـ) كتاب بعنوان "معاني ألفاظ القرآن" في مخطوطة قم. انظر تاريخ التراث العربي 8: 36.
(2)
الإتقان في علوم القرآن 2: 56.
(3)
الكامل (الدالي) 3: 1144 - 1155.
(4)
إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل: 76: 98.
(5)
المعجم الكبير 10: 248 - 256.
(6)
الإتقان في علوم القرآن 2/ 56 - 88. وانظر لنسخ من هذه المسائل: تاريخ التراث العربي 1/ 67، وقد نشرها محمد فؤاد عبد الباقي سنة 1950 م ملحقة بكتابه معجم غريب القرآن مستخرجاً من صحيح البخاري 234 - 281 بعد ما رتب الألفاظ على حروف المعجم. ثم نشرتها بنت الشاطئ سنة 1971م مع دراستها في كتابها الإعجاز البياني في القرآن 269 - 509 معتمدة على الإتقان، وبلغ عدد المسائل فيها حسب ترقيمها 189 مسألة. وقد صدرت نشرات مستقلة لهذه المسائل منهما ما أخرجه إبراهيم السامرائي في بغداد سنة 1968 بعنوان "سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس" ونشرة محمد أحمد الدالي التي صدرت بدمشق سنة 1993 بعنوان "مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن عباس"، ولم أطلع عليهما. وقد وقفت بأخرة على نشرتين أخريين لها إحداهما بتحقيق محمد عبد الرحيم وأحمد نصر الله، صدرت من مؤسسة الكتب =
ويظهر أن هذه القصة لها أصل، ولكن أكثر المسائل المذكورة فيها مصنوعة.
ويرى بعض الباحثين أن الكتب المنسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما كان بعضها -على الأقل- من تأليفه هو (1)، بينما يرجح آخرون أنها من تدوين الرواة (2)، على غرار ما صنعه السيوطي، إذ استخرج أقوال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير مفردات القرآن مما روي عن طريق علي بن أبي طلحة (120 هـ) فجمعها في فصل مفرد (3). وأياً كان الأمر، فلا شك أن مرويات ابن عباس رضي الله عنهما هي التي مهدت للتدوين في علم غريب القرآن، في وقت مبكر، وهيأت المادة الأولى لكل من ألّف فيه.
وإذا رجعنا إلى المصادر للبحث عن أول من ألف في غريب القرآن طالعنا بعضها بثلاثة أسماء من طبقة واحدة وهي:
- أبو سعيد أبان بن تغلب البكري (ت 141 هـ).
- محمد بن السائب الكلبي (ت 146 هـ).
- أبو روق عطية بن الحارث الهمداني.
وقد جاء ذكرهم في ترجمة أبان عند ياقوت إذ قال: "صنف كتاب الغريب في القرآن، وذكر شواهده من الشعر. فجاء فيما بعد عبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي، فجمع من كتاب أبان ومحمد بن السائب وأبي روق عطية بن
= الثقافية في القاهرة 1413 هـ، بلغ عدد المسائل فيها 250 مسألة، والأخرى نشرة عبد الرحمن عميرة بعنوانها الغريب "مسائل الإمام الطستي عن أسئلة نافع بن الأزرق وأجوبة عبد الله بن عباس" صدرت من دار الاعتصام سنة 1994م، يقول عنها الدكتور أحمد الخياطي:"مسائل الطستي في المخطوطة الأصلية بدار الكتب تشتمل على حوالي 280 مسألة وأنا أحصيت ما جمعه عميرة ففاق 400 مسألة"! انظر مقاله "شواهد التفسير عند ابن عباس في مسائل نافع بن الأزرق"، في مجلة دار الحديث الحسينية بالمغرب العدد 150 ص 175 (1418 - 1419).
(1)
تاريخ التراث العربي 24:8.
(2)
المعجم العربي: 13.
(3)
الإتقان في علوم القرآن 2: 6 - 54.
الحارث، فجعله كتاباً فيما اختلفوا فيه وما اتفقوا عليه، فتارة يجيء كتاب أبان مفرداً، وتارة يجيء مشتركاً على ما عمله عبد الرحمن" (1).
وبناءً على هذا النص يعد معظم الباحثين المعاصرين أبان بن تغلب أول من صنف في غريب القرآن (2)، ولكن ليس فيه ما يقطع بذلك، فإن الثلاثة من طبقة واحدة، وهي الطبقة الخامسة من الكوفيين من طبقات ابن سعد (3)، وترتيبهم في الذكر عند ياقوت لا يستلزم تقديم أحدهم على الآخر في التأليف أيضاً. ولكن يعارض أولية هؤلاء ما جاء في غير واحد من المصادر أن أول من ألف في غريب القرآن هو أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 210 هـ)، منها كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري (ت بعد 400 هـ) الذي يقول: "أول من صنف في غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى. صنف كتاب المجاز، وأخذ ذلك من ابن عباس حين سأله نافع بن الأزرق
…
" (4) ونقل ابن خير الإشبيلي (ت 575 هـ) قول أبي بكر الأدفوي (388 هـ) إن: "أول كتاب جمع في غريب القرآن ومعانيه كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى، وهو كتاب المجاز" (5).
ولعل الذي يرفع الخلاث بين القولين أن أبا هلال وغيره يقصدون أول من ألف من أهل اللغة، فإن الثلاثة الأولين يعدون من أهل التفسير، ويشهد بذلك قول ابن درستويه (ت 347 هـ):"وذلك أن أول من صنف في ذلك من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنى، ثم قطرب بن المستنير، ثم الأخفش، وصنف من الكوفيين الكسائي ثم الفراء"(6).
(1) معجم الأدباء 1:38.
(2)
انظر المعجم العربي: 33 ومقدمات كتب غريب القرآن.
(3)
طبقات ابن سعد 6: 358، 359، 369.
(4)
الأوائل 2: 130.
(5)
فهرست ابن خير 134 وانظر ص 60 وانظر الوسائل في مسامرة الأوائل للسيوطي: 112.
(6)
تاريخ بغداد 405:12.
وقد شهد القرنان الثاني والثالث إقبالاً عظيماً على التأليف في غريب القرآن، وعلماء اللغة هم الذين كانوا فرسان هذا الميدان، فقلما نجد منهم من لم يذكر له كتاب في هذا الفن، حتى الأصمعي الذي روي أنه كان يتحرج من تفسير ألفاظ القرآن نسب إليه كتاب في غريب القرآن (1).
وتسمى كتبهم في المصادر بأسماء مختلفة من (غريب القرآن)، و (معاني القرآن)، و (مجاز القرآن)، و (ما يستعجم الناس فيه من القرآن) و (غرائب القرآن). وهي عناوين كانت متقاربة في مدلولها في ذلك العصر، فكان الكتاب الواحد يطلق عليه أحياناً (مجاز القرآن) و (معاني القرآن)، و (غريب القرآن) و (إعراب القرآن)، ومثال ذلك كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى (2). وسبب ذلك أن الكتب الأولى التي ألّفت في هذا المجال لم تكن مقصورة على تفسير ألفاظ القرآن فحسب، بل كانت تضم بالإضافة إلى ذلك -مباحث النحو والصرف والقراءات، وتفسير ما أشكل من معاني الآيات، ومذاهب العرب في القول؛ على اختلافها في التوسع في إيراد تلك المباحث بحسب اهتمام مؤلفيها وثقافتهم. ويتضح ذلك جلياً من دراسة الكتب الثلاثة التي وصلت إلينا من كتب الأوائل، وهي: مجاز القرآن لأبي عبيدة (ت 210 هـ)، ومعاني القرآن للفراء (ت 207 هـ)، ومعاني القرآن للأخفش الأوسط (ت 215 هـ).
ثم تتابعت الكتب في تفسير غريب القرآن في القرون التالية، وبلغت كثرة لا يأتي عليها الحصر، فقال السيوطي في الإتقان:"أفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون"(3).
ومن أشهرها: كتاب تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (ت 276 هـ). وقد
(1) هدية العارفين: 623. وفي الفهرست للنديم (ص 38):"كتاب لغات القرآن للأصمعي".
(2)
انظر مقدمة المحقق.
(3)
الإتقان في علوم القرآن 2: 30.
جعله مقصوراً على الغريب، غير خالط إياه بمسائل العربية التي ضمّن بعضها كتابه السابق (تأويل مشكل القرآن). ورتّبه على ثلاثة أقسام: الأول في ذكر أسماء الله الحسنى وصفاته وفسر فيه 26 حرفاً، والثاني في ألفاظ كثر تردادها في القرآن فلم ير بعض السور أولى بها من بعض وفسر فيه 40 حرفاً. والثالث سائر الكتاب الذي رتبه على ترتيب السور في المصحف. وقد ذكر ابن قتيبة أن كتابه "هذا مستنبط من كتب المفسرين، وكتب أصحاب اللغة العالمين"، واختار في كل حرف "أولى الأقاويل في اللغة وأشبهها بقصة الآية" نابذاً منكر التأويل ومنحول التفسير. وكان غرضه في الكتاب الاختصار والإكمال فلم يحش كتابه بالنحو وبالحديث والأسانيد حتى لا يطول الكتاب فيقطع منه طمع المتحفظ وبغية المتأدب (1).
ومن كتب الغريب التي عدها الزركشي "من أشهرها" كتاب نزهة القلوب لابن عزيز السجستاني (ت 330 هـ) وكتاب الغريبين لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي (ت 401 هـ)(2).
أما كتاب ابن عزيز فيقال إنه صنفه في خمس عشرة سنة، وكان يقرؤه على شيخه أبي بكر ابن الأنباري، فكان يصلح له فيه مواضع (3). ولعل سبب إعجاب العلماء بهذا الكتاب يرجع إلى أمرين أولهما تحرير المعنى باختصار، والثاني ترتيبه البديع، فقد رتبت فيه الألفاظ على حروف المعجم، ولم ينظر فيها إلى أصلها واشتقاقها، غير أنه اتبع في ذلك منهجاً غريباً، وهو أنه يقسم الحرف الواحد إلى ثلاثة أبواب، المفتوح ثم المضموم ثم المكسور، ثم يرتب الألفاظ في كل باب على السور، ولا ينظر إلى الحرف الثاني وما بعده. ولكن لم يسلم له هذا الترتيب العجيب، فاضطرب في مواضع كثيرة، وصعب البحث عن الكلمات فيه.
(1) تفسير غريب القرآن، مقدمة المؤلف، ص 3.
(2)
البرهان في علوم القرآن 1: 291.
(3)
نزهة الألباء: 232.
أما الهروي فهو أول من جمع بين غريب القرآن وغريب الحديث، وسمى كتابه (كتاب الغريبين)"ورتبه مقفى على حروف المعجم على وضح لم يسبق في غريب القرآن والحديث إليه" كما يقول ابن الأثير في مقدمة النهاية (1)، واشترط في كتابه الاختصار، فقلل الشواهد، وحذف الأسانيد. واستدرك على كتاب الهروي الحافظ أبو موسى المديني (ت 581 هـ) في كتابه (المجموع المغيث في غريب القرآن والحديث) ورتبه حسب ترتيب كتاب المهروي (2).
أما كتاب المفردات للراغب الأصفهاني (ت نحو 412 هـ) فله مكانة مرموقة بين مؤلفات هذا الفن، وقد عده الزركشي من أحسن كتب الغريب (3)، وقال فيه الفيروزابادي:"لا نظير له في معناه"(4). وهو "أشبه ما يكون بمعجم كامل للألفاظ القرآنية"(5)، وقد رتبه الراغب على حروف المعجم معتبراً فيه أوائل الحروف الأصلية دون الزوائد، ولكن لم يراع ترتيب الحرف الثاني والحرف الثالث من الكلمة. ومنهجه فيه أنه يذكر أولاً المعنى الأصلي للمادة ثم يتتبع دورانها في القرآن الكريم فيورد الآيات التي وردت فيها مشتقاتها ويبين مناسبة المعاني المستعارة بالمعنى الأصلي. وعلى الرغم من أن الراغب ذكر في المقدمة أنه استخار الله تعالى "في إملاء كتاب مستوفىً فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجي"، أغفل ألفاظاً عديدة، نحو (زبن) و (كلح) و (هلع) و (سردق) أو أخل في تفسيرها، كما ذكر مواد لم ترد في القرآن الكريم نحو مادة (زعق). فألف شهاب الدين أحمد بن يوسف الشهير بالسمين الحلبي (ت 756 هـ) كتاب (عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ) وبناه على كتاب الراغب، ثم زاد عليه زيادات كثيرة حسنة، مع إتقان الترتيب وإيراد الشواهد
(1) النهاية في غريب الحديث 1:8.
(2)
صدر بتحقيق عبد الكريم العزباوي من جامعة أم القرى سنة 1406 هـ.
(3)
البرهان في علوم القرآن 12: 291.
(4)
البلغة: 91.
(5)
المعجم العربي 1:44.