الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِق ثَلاثًا. وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ: إِلَّا وَاحِدَةً. وَقَعَتِ
ــ
ففيه الوَجْهانِ. وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا طلقةً ونِصْفًا. احْتَمَلَ وَجْهَيْن أيضًا؛ أحدُهما، يَلْغُو الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ النِّصْفَ يُكَمَّلُ، فيَكُونُ مُسْتَثْنِيًا للأكْثرِ، فيَلْغُو. والثانى، يَصِحُّ في طلقةٍ، فتَقعُ طَلْقتانِ؛ لِما ذَكَرْنا في التى قبلَها. وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً وإلَّا واحدةً. كان عاطِفًا لاسْتِثْناء على اسْتِثْناء، فيَصِحُّ الأَوَّلُ، ويَلْغُو الثَّانى؛ لأنَّنا لو صَحَّحْناه لَكان مُسْتَثْنِيًا للأكثرِ، فيَقَعُ به طَلْقتانِ. ويَجِئُ على قولِ مَن أجازَ اسْتِثْناءَ الأكْثرِ أنَّه يَصِحُّ فيهما (1)، فيَقَعُ طلقةٌ واحدةٌ. وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدْةً إلَّا واحدةً. كان مُسْتَثْنِيًا مِنَ الواحدةِ المُسْتَثْناةِ واحدةً، فيَحْتَمِلُ أن يَلْغُوَ الاسْتثناءُ الثَّانِى، ويَصِحَّ الأَوَّلُ، فيَقَعَ به طَلْقتانِ. ويَحْتَمِلُ أن يَقَعَ به الثَّلاثُ؛ لأَنَّ الاسْتثْناءَ الثَّانِى معْناه إثْباتُ طلقةٍ في حَقِّها، لكَوْنِ الاستثْناءِ مِنَ النَّفْى إثْباتًا، فيُقْبلُ (2) ذلك في إيقاعِ طلاقِه وإن لم يُقْبَلْ في نَفْيِه، كما لو قال (3): طَلْقَتَيْنِ ونِصْفًا. وقَعَ به ثلاثٌ.
3509 - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثًا. واسْتَثْنَى بقَلْبِه:
(1) في م: «فيها» .
(2)
في النسختين: «فيقع» . والمثبت من المغنى 10/ 407.
(3)
في م: «طلق» .
الثَّلَاثُ، وَإِنْ قَالَ: نِسَائِى طَوَالِقُ. واسْتَثْنَى وَاحِدَةً بِقَلْبِهِ لَمْ تَطْلُقْ.
ــ
إلَّا واحدةً. وَقَعَتِ الثَّلاثُ. وإن قال: نِسَائِى طَوَالِقُ. واسْتَثْنَى واحدةً بقَلْبِه لم تَطْلُقْ) وجملةُ ذلك، أنَّ ما يتَّصِلُ باللَّفْظِ مِنٍ قَرِينةٍ أو اسْتِثْناءٍ، على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، ما لا يَصِحُّ نُطْقًا ولا نِيَّة، وذلك نَوْعانِ؛ أحدُهما، ما يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كلَّه، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا. أو: أنتِ طالقٌ طلقةً لا تَلْزَمُكِ -أو- لا تَقَعُ عليك. فهذا لا يَصِحُّ بلَفْظِه [ولا](1) نِيَّتِه؛ لأنَّه يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كلَّه، فيَصِيرُ الجميعُ لَغْوًا، فلا يَصِحُّ هذا في اللُّغَةِ بالاتِّفاقِ، وإذا كان كذلك سَقَطَ الاسْتِثْناءُ والصِّفَةُ، وَوقعَ الطَّلاقُ. الضَّرْبُ الثَّانِى، ما يُقْبَلُ لَفْظًا ولا يُقْبَلُ نِيَّةً، لا في الحُكْمِ ولا فيما ينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وهو اسْتِثْناءُ الأقَلِّ، فهذا يَصِحُّ لَفْظًا؛ لأنَّه مِن لسانِ العربِ، ولا يَصِحُّ بالنِّيَّةِ، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. ويَسْتَثْنِىَ بقَلْبِه: إلَّا واحدةً. أو أكثرَ. فهذا لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ العَدَدَ نَصٌّ فيما يَتناوَلُه، لا يَحْتَمِلُ غيرَه، فلا يَرْتَفِعُ بالنِّيَّةِ ما ثبَتَ بنَصِّ اللَّفْظِ، فإنَّ اللَّفْظَ أقْوَى مِن النِّيَّةِ، ولو نَوَى بالثَّلاثِ اثْنَتَيْن، كان مُسْتَعْمِلًا لِلَّفْظِ في غيرِ ما يَصْلُحُ له، فوقعَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَغَتْ نِيَّتُه. وحُكِى
(1) في الأصل: «أو» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن بعضِ الشافعيَّةِ، أنَّه يُقْبَلُ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، كما لو قال: نِسائِى طَوَالِقُ. واسْتَثْنَى بقَلْبِه: إلَّا فُلانَة. والفرقُ بينَهما أنَّ نِسائِى اسمٌ عامٌّ يَجوزُ التَّعْبِيرُ به عن بعضِ ما وُضِعَ له، وقد اسْتُعْمِلَ العُمومُ بإزاءِ الخُصوصِ كثيرًا، فإذا أرادَ به البَعْضَ صَحَّ. وقولُه: ثلاثًا. اسمُ عدَدٍ للثَّلاثِ، لا يَجوزُ التَّعْبيرُ به عن عَدَدِ غيرِها، ولا يَحْتَمِلُ سِوَاها بوَجْهٍ، فإذا أرادَ بذلك اثْنَتَيْن، فقد أرادَ باللَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُه، وإنَّما تَعْمَلُ النِّيَّةُ في صَرْفِ اللَّفْظِ المُحْتَمِلِ إلى أحدِ مُحْتَمِلاِته، فأمَّا ما لا يَحْتَمِلُ فلا، فإنَّه لو عَمِلْنا به (1) فيما لا يَحْتَمِلُ، كان عملًا بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، ومُجَرَّدُ النِّيَّةِ لا تَعْمَلُ في نِكاحٍ،
(1) في م: «بها» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا طَلاقٍ، ولا بَيْعٍ. ولو قال: نِسائِى الأرْبَعُ طَوالِقُ. أو قال لهنَّ: أرْبَعَتُكُنَّ طَوالقُ. واسْتَثْنَى بَعْضَهنَّ بالنِّيَّةِ. لم يُقْبَلْ، على قياسِ ما ذَكَرْناه، ولا يُدَيَّنُ فيه؛ لأنَّه عَنَى باللَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُه. الضَّربُ الثَّالثُ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما يَصِحُّ نُطْقًا، وإذا نَوَاه دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وذلك مثلُ تَخْصيصِ اللَّفظِ (1) العامِّ، أَوْ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازِه، مثلَ قولِه: نِسائِى طَوالقُ. يُرِيدُ بعْضَهُنَّ، أو يَنْوِى بقَوْلِه: طالقٌ. أى مِن وَثَاقى (2)، فهذا يُقْبَل إذا كان لَفْظًا. [وَجْهًا](3) واحدًا؛ لأنَّه وَصَلَ كلامَه بما بَيَّنَ به مُرادَه، وإن كان بنِيَّتِه (4)، قُبِلَ منه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّه أرادَ تَخْصيصَ اللَّفْظِ العامِّ، واسْتِعْمالَه في الخصوصِ، وهذا سائغٌ في الكلام، فلا يُمْنَعُ مِن اسْتِعْمالِه والتَّكَلُّمِ به، ويكونُ اللَّفْظ بنِيَّتِه مُنْصرِفًا إلى ما أرَادَه، دُون ما لم يُرِدْه. وهل يُقْبَلُ ذلك في الحُكْمَ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْنِ؛ إحداهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه (5)، فصَحَّ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ. وأرادَ بالثَّانِيةِ إفْهامَها. والثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهِرِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. والأَوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لأَنَّ (6) أكْثرَ نُصوصِ القُرآنِ العامَّةِ أُرِيدَ بها الخُصوصُ. ومِن
(1) سقط من: م.
(2)
في م: «وثاق» .
(3)
تكملة من المغنى 10/ 402.
(4)
في الأصل: «بينه» .
(5)
في م: «لا يحتمله» .
(6)
في الأصل: «لكن» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَرْطِ هذا أَنْ تكونَ النِّيَّةُ مُقارِنةً للَّفْظِ، وهو أن يقولَ: نِسائِى طَوالِقُ. يَقْصِدُ بهذا اللَّفْظِ بعْضَهُنَّ، فأمَّا إن كانتْ مُتَأَخِّرَةً عن اللَّفْظِ، مثلَ أن قال: نِساِئى طَوالِقُ. ثم بعدَ فَراغِه نَوَى بقَلْبِه (1) بعْضَهِنَّ، لم تَنْفعْه النِّيَّةُ، وَوقَعَ الطَّلاقُ بجمِيعِهنَّ. وكذلك لو طلَّقَ نِساءَه، ونوَى بعدَ طَلاقِهِنَّ، أىْ مِن وَثاقِى، لَزِمَه الطَّلاقُ؛ لأنَّه مُقْتَضَى اللَّفْظِ، والنِّيَّةُ الأخيرةُ (2) نِيَّةٌ مُجرَّدةٌ (3)، لا لَفْظَ معها، فلا تَعْمَلُ. ومِن هذا الضَّرْبِ تَخْصِيصُ حالٍ دُونَ حالٍ، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ. ثم يَصِلَه بشَرْطٍ أو صِفَةٍ، مثلَ قوْلِه: إن دَخَلْتِ الدَّارَ. أو: بعدَ شَهْرٍ. أو قال: إن دخلْتِ الدَّارَ بعدَ شَهْرٍ. فهذا يَصِحُّ إذا كان نُطْقًا، بغيرِ خلافٍ. وإن نَوَاه، ولم يَلْفِظْ به، دُيِّنَ. وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على رِوايَتَيْن. قال أحمدُ، في روايةِ إسْحاقَ بنِ إبْراهيمَ، في مَن حَلَفَ لا تدْخُلُ الدَّارَ، وقال: نَوَيْتُ شهرًا: يُقْبَلُ منه. أو قال: إذا دَخَلْتِ دارَ فُلانٍ فأنتِ طالقٌ. ونَوَى تلك السَّاعةَ، وذلك اليومَ: قُبِلَتْ نِيَّتُه. والرِّوايةُ الأُخْرَى، لا يُقْبَلُ؛ فإنَّه قال: إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ. ونوى في قلبِه إلى سَنَةٍ، تَطْلُقُ، ليس يُنْظَرُ إلى نِيَّتِه. وقال: إذا قال: أنتِ طالق. وقال: نَوَيْتُ إن دَخَلَتِ الدَّارَ. لا يُصدَّقُ. ويُمْكِنُ الجَمْعُ بين هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْن، بأن يُحْمَلَ قولُه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في [القَبُولِ على أنَّه يُدَيَّنُ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وقولُه في](1) عَدَمِ القَبُولِ، على الحُكْمِ، فلا يكونُ بينَهما اخْتِلافٌ، والفَرْقُ بين هذه الصُّورةِ والتى قبلَها، أنَّ إرادَةَ الخاصِّ بالعامِّ شائعٌ (2) كثيرٌ، وإرادةَ الشَّرْطِ مِن غيرِ ذِكْرِه غيرُ سائِغٍ (3)، فهو قريبٌ مِن الاسْتِثْناءِ. ويُمْكِنُ أن يُقالَ: هذا كلُّه مِن جُمْلَةِ التَّخْصِيصِ.
فصل: إذا قالتْ له امرأةٌ من نِسائِه: طَلِّقْنِى. فقال: نِسائِى طَوالِقُ. ولا نِيَّةَ له، طَلُقْنَ كلُّهنَّ. بغيرِ خلافٍ؛ لأَنَّ لَفْظَه عامُّ. وإن قالتْ له: طَلِّقْ نِساءَكَ. فقال: نِسائِى طَوالِقُ. فكذلك. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ السَّائِلَةَ لا تَطْلُقُ في هذه الصُّورةِ؛ لأَنَّ الخِطابَ العامَّ (4) يُقْصَرُ على سَبَبِه الخاصِّ، وسَبَبُه سؤالُ طَلاقِ مَنْ سِوَاها. ولَنا، أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فيها، ولم يُرِدْ به غيرَ مُقْتَضاهُ، فوَجَبَ العَمَلُ بعُمومِه، كالصُّورةِ الأُولَى، والعَملُ بعُمومِ اللَّفْظِ أوْلَى مِن خُصوصِ السَّبَبِ؛ لأَنَّ دليلَ (5) الحُكْمِ هو اللَّفظُ (6)، فيَجِبُ اتِّباعُه والعملُ بمُقْتَضاهُ في خُصوصِه وعُمومِه، ولِذلك (7) لو كان أخَصَّ مِن السَّببِ، لَوجَبَ قَصْرُه على خُصوصِه،
(1) سقط من: م.
(2)
في الأصل: «سائغ» .
(3)
في الأصل: «شائع» .
(4)
سقط من: م.
(5)
في م: «ذلك» .
(6)
في م: «للفظ» .
(7)
في م: «كذلك» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واتِّباعُ صِفَةِ اللَّفْظِ دُونَ صِفَةِ السَّببِ، فأمَّا إن أخرجَ السَّائلةَ بنِيَّتِه، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى في الصُّورَتَيْنِ، [وقُبِلَ](1) في الحُكْم (2) في الصُّورةِ الثَّانيةِ؛ لأَنَّ خُصوصَ السَّبَبِ دليلٌ على نِيَّتِه، ولم يُقْبَلْ في الصُّورةِ الأَولَى. قاله ابنُ حامدٍ؛ لأَنَّ طَلاقَه جوابٌ لسُؤالِها الطَّلاقَ لنَفْسِها، فلا يُصَدَّقُ في صَرْفِه عنها؛ لأنَّه يُخالفُ الظَّاهِرَ من وَجْهَيْن، ولأنَّها سَبَبُ الطَّلاقِ، وسَبَبُ الحُكْمِ لا يَجوزُ إخْراجُه من العُمومِ بالتَّخْصيصِ. وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ؛ لأَنَّ لفْظَه عامٌّ، والعامُّ يَحْتَمِلُ التَّخْصيصَ (3).
(1) في م: «وقيل» .
(2)
بعده في م: «وقيل» .
(3)
إلى هنا ينتهى الجزء السادس من نسخة أحمد الثالث، والتى كانت هى الأصل.