الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، كُرِهَ. وَفِى تَحْرِيمِهِ رِوَايَتَانِ.
ــ
وزيدُ بنُ أسْلَمَ، وأبو الزُّبَيْرِ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أمرَه أَنْ يُراجِعَها حتى تَطْهُرَ، ثم إنْ شَاءَ طَلَّقَ، وإنْ شَاء أمْسَكَ. ولم يذْكُروا تلك الزِّيادَةَ. وهو حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه. ولأنَّه طُهْرٌ لم يَمَسَّها فيه، فأشْبَهَ الطُّهْرَ الثَّانِىَ، وحَدِيثُهم محْمولٌ على الاسْتِحْبابِ.
3435 - مسألة: (وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا في طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فيه، كُرِهَ. وَفِى تَحْرِيمِه رِوَايَتَان)
اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في جَمْعِ الثَّلاثِ؛ فرُوِىَ عنه أنَّه غيرُ مُحَرَّمٍ. اخْتَارَها الخِرَقِىُّ. وهو مذهبُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ. ورُوِىَ ذلك عن الحَسنِ بنِ علىٍّ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، والشَّعْبِىِّ؛ لأَنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلانِىَّ لمَّا لاعَنَ امْرأتَه، قال: كذبتُ عليها يا رسولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها. فطَلَّقَها ثلاثًا قبلَ أَنْ يَأْمُرَه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُتَّفَقٌ عليه (1). ولم يُنْقَلْ إنْكارُ النبىِّ صلى الله عليه وسلم عليه. وعن عائشة أنَّ امرأةَ رِفَاعةَ (2) جاءتْ إلى رسوِلِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهَ، إنَّ رِفاعَةَ طَلَّقَنِي فبَتَّ طَلاقِى. مُتَّفقٌ عليه (3). وفى حديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ، أنَّ زَوْجَها أرْسَلَ إليها [بثلاثِ تَطْليقاتٍ](4). ولأنَّه طلاقٌ جازَ تَفْرِيقُه، فجازَ جَمْعُه، كطَلاقِ النَّساءِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ مُحَرَّمٌ، وهو طَلاقُ بِدْعَةٍ. اخْتارَها أبو بكرٍ، وأبو حَفْصٍ. رُوِى ذلك عن عمرَ،
(1) أخرجه البخارى، في: باب من أجاز طلاق الثلاث لقول اللَّه تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} ، من كتاب الطلاق، وفى: باب من أظهر الفاحشة. . .، من كتاب الحدود، وفى: باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم. . .، من كتاب الاعتصام. صحيح البخارى 7/ 54، 55، 8/ 217، 9/ 121. ومسلم، في: كتاب اللعان. صحيح مسلم 2/ 1129 - 1132.
كما أخرجه أبو داود، في: باب في اللعان، من كتاب الطلاق. سنن أبى داود 1/ 520. والنسائى، في: باب الرخصة في ذلك، وباب بدء اللعان، من كتاب الطلاق. المجتبى 6/ 117، 140. والدارمى، في: باب في اللعان، من كتاب النكاح. سنن الدارمى 2/ 150. والإمام مالك، في: باب ما جاء في اللعان، من كتاب الطلاق. الموطأ 2/ 566، 567. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 331، 337.
(2)
سقط من: م.
(3)
تقدم تخريجه في 20/ 411.
(4)
سقط من: م.
والحديث تقدم تخريجه في 11/ 181، وفى 20/ 53.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ. قال علىٌّ: لا يُطَلِّقُ أحَدٌ للسُّنَّةِ فَيَنْدَمُ. وفى رِوايةٍ قال: يُطَلِّقُها واحدةً، ثم يَدَعُها ما بينَها وبينَ أَنْ تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فمتى شاءَ راجَعَها (1). وعن عمرَ، أنَّه كان إذا أُتِى برَجُلٍ طَلَّقَ ثلاثًا، أوْجَعَه ضَرْبًا (2). وعن مالكِ بنِ الحارِثِ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: إنَّ عَمِّى (3) طَلَّقَ امْرأتَه ثلاثًا. فقال: إنَّ عَمَّكَ (4) عَصَى اللَّهَ، وأطَاعَ الشَّيْطانَ، فلم يَجْعَلِ اللَّهُ له مَخْرَجًا (5). ووَجْهُ ذلك قولُ اللَّهِ تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} إلى قولِه: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (6). ثم قال بعدَ ذلك:
(1) تقدم تخريجهما في صفحة 170.
(2)
أخرجه عبد الرزاق، في: المصنف 6/ 396. وسعيد بن منصور، في: سننه 1/ 264. والبيهقى، في: السنن الكبرى 7/ 334.
(3)
في م: «ابن عمى» .
(4)
في م: «ابن عمك» .
(5)
أخرجه سعيد بن منصور، في: سننه 1/ 262. وابن أبى شيبة، في: المصنف 5/ 11. والبيهقى. في: السنن الكبرى 7/ 337.
(6)
سورة الطلاق 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (1). {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (2). [ومَن جمعَ الثَّلاثَ، لم يَبْقَ له أمرٌ يَحْدُثُ، ولا يجْعَلُ اللَّهُ له مخرجًا، ولا مِن أمْرِه يُسْرًا](3). وروَى النَّسَائِىُّ (4) بإسْنادِه عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ قال: أُخْبِرَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ طَلَّقَ امْرأتَه ثلاثَ تطْليقاتٍ جميعًا، فغَضِبَ، ثم قال:«أيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» . حتى قامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ألَا أقْتُلُه. وفى حديثِ ابنِ عمرَ قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ (5) لو طَلَّقْتها ثلاثًا. قال: «إِذًا عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ» (6). ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (7) بإسْنادِه عن علىٍّ، قال: سَمِعَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم رجلًا طَلَّقَ
(1) سورة الطلاق 2.
(2)
سورة الطلاق 4.
(3)
سقط من: م.
(4)
في: باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ، من كتاب الطلاق. المجتبى 6/ 116. وهو ضعيف انظر: مشكاة المصابيح 2/ 981.
(5)
سقط من: م.
(6)
تقدم تخريجه في صفحة 173.
(7)
في: كتاب الطلاق والخلع والإيلاء وغيره. سنن الدارقطنى 4/ 20. وقال: إسماعيل بن أبى أمية هذا كوفى ضعيف الحديث.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبَتَّةَ، فغَضِبَ، وقال:«تَتَّخِذُونَ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا -[أَوْ دِينَ اللَّهِ هُزُوًا] (1) -[وَلَعِبًا] (2)؟ مَنْ طَلَّقَ الْبَتَّةَ ألْزَمْنَاهُ ثَلاثًا (3)، لا تَحِلُّ له حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» . ولأنَّه تَحْرِيمٌ للبُضْعِ بقولِ الزَّوْجِ مِن غيرِ حاجةٍ، فَحَرُمَ كالظِّهارِ، بل هذا أوْلَى؛ لأَنَّ الظِّهارَ يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُه بالتَّكْفِيرِ، وهذا لا سَبِيلَ للزَّوْجِ إلى رَفْعِه (4) بحالٍ، ولأنَّه ضَرَرٌ وإضْرارٌ بنَفْسِه وبامْرأتِه مِن غيرِ حاجةٍ، فيَدْخُلُ في عمُومِ النَّهْى، ورُبَّما كان وَسِيلةً إلى عَوْدِه إليها حَرامًا، أو بحِيلةٍ لا تُزِيلُ التَّحْرِيمَ، ووُقُوعِ النَّدَمِ، وخَسارةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فكان أوْلَى بالتَّحْرِيمِ مِنَ الطَّلاقِ في الحَيْضِ، الذى ضَرَرُه بَقاؤُها في العِدَّةِ أيَّامًا يَسِيرةً، أو الطَّلاقِ في طُهْرٍ مَسَّها فيه، الذى ضرَرُه احْتِمالُ النَّدَمِ بظُهورِ الحَمْلِ؛ فإنَّ ضَرَرَ جَمْعِ الثَّلاثِ يَتضاعَفُ على ذلك أضْعافًا كثيرةً، فالتَّحْريمُ ثَمَّ [تَنْبيهٌ على](5) التَّحْريمِ ههُنا، ولأنَّه
(1) سقط من: م.
(2)
في الأصل: «لا واجبا» .
(3)
بعده في الأصل: «ثلاثا» .
(4)
في م: «دفعه» .
(5)
في الأصل: «بنية» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ههُنا. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابةِ، رَواه الأَثْرَمُ وغيرُه، ولم يَصِحَّ عندَنا في عَصْرِهم خِلافُ قولِهم، فيكونُ ذلك إجْماعًا. فأمَّا حديثُ المُتلَاعِنَيْن فغيرُ لازِمٍ، فإنَّ الفُرْقَةَ لم تَقَعْ بالطَّلاقِ، فإنَّها وقَعَتْ بمُجَرَّدِ لِعَانِهما، وعندَ الشافعىِّ بمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ، فلا حُجَّةَ فيه. ثم إنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فالطَّلاقُ بعدَه كالطَّلاقِ بعدَ انْفساخِ النِّكاحِ بالرَّضاعِ أو غيرِه، ولأَنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ إنَّما حَرُمَ لِما يَعْقُبُه مِنَ النَّدَمِ، ويحْصُلُ به مِنَ الضَّرَرِ، ويَفُوتُ عليه مِن حِلِّ نِكاحِها، ولا يَحْصُلُ ذلك بالطَّلاقِ بعدَ اللِّعَانِ، لحُصُولِه باللِّعَانِ، وسائِرُ الأحاديثِ ليس [فيها جَمْعُ الثَّلاثِ](1) بينَ يَدَىِ النبىِّ صلى الله عليه وسلم، فيكون مُقِرًّا عليه، ولا حضرَ المُطَلِّقُ عندَ النبىِّ صلى الله عليه وسلم حين أُخْبِرَ بذلك لِيُنْكِرَ عليه. على أنَّ حديثَ فاطمةَ قد جاءَ فيه أنَّه أرْسَلَ إليها بتَطْليقةٍ كانتْ بَقِيَتْ لها مِن طَلاقِها (2)، وحديثُ
(1) في الأصل: «فيما جمع للثلاث» .
(2)
هذه الرواية أخرجها مسلم، في: باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، من كتاب الطلاق. صحيح مسلم 2/ 1117. وعبد الرزاق، في: المصنف 7/ 20، 21.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
امْرأةِ رِفاعةَ جاءَ فيه [أنَّه طَلَّقَها](1) آخِرَ ثلاثِ تَطْليقاتٍ. مُتَّفَقٌ عليه، فلم يكُنْ في شئٍ مِن ذلك جَمْعُ الثَّلاثِ. ولا خِلافَ بينَ الجميعِ في (2) أنَّ الاختِيارَ والأَوْلَى أن يُطَلِّقَ واحدةً، ثم يَدَعَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، إلَّا ما حَكَيْنا مِن قولِ مَنْ قالَ: إنَّه يُطَلِّقُها في كلِّ قَرْءٍ طَلْقةً. والأَوَّلُ أوْلَى؛ فإنَّ في ذلك امْتِثالًا لأَمرِ اللَّه سِبحانه، ومُوافَقَةً لقولِ السَّلَفِ، وأمْنًا مِنَ النَّدَمِ، فإنَّه متى نَدِمَ رَاجَعها، فإنْ فاته ذلك بانْقِضاءِ عِدَّتِها، فله نِكاحُها. قال محمدُ بنُ سِيرِينَ: إنَّ عَليًّا، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، قال: لو أنَّ النَّاسَ أخَذُوا بما أمرَ اللَّهُ مِنَ الطَّلاقِ، ما يُتْبعُ رجلٌ نَفْسَه امرأةً أبدًا، يُطَلِّقُها تَطْليقةً ثم يَدعُها (3) ما بينَها وبينَ أن تَحِيضَ ثلاثًا، فمتى شاءَ راجَعَها.
(1) في م: «أن طلاقها» .
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
بعده في م: «حتى» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
روَاه النَّجَّادُ بإسْنادِه (1). وقال عبدُ اللَّهِ: مَن أرادَ أن يُطَلِّقَ الطَّلاقَ الذى هو الطَّلاقُ، فَلْيُمْهِلْ، حتى إذا حاضَتْ ثم طَهُرَتْ، طَلَّقَها تَطْليقةً في غيرِ جماعٍ، ثم يَدَعُها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، ولا يُطَلِّقُها ثلاثًا (2) وهى حامِلٌ، فيجْمَعُ اللَّهُ عليه نَفَقَتَها وأجرَ رَضاعِها، ويُنْدِمُه، فلا يَسْتطيعُ إليها سبيلًا (3).
(1) تقدم تخريجه في صفحة 170.
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
أخرج ابن أبى شيبة نحوه مختصرا، في: المصنف 5/ 151.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن طَلَّقَ ثلاثًا بكلمةٍ واحدةٍ، وقعَ الثَّلاثُ، وحَرُمَتْ عليه حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، ولا فَرْقَ بينَ قبلِ الدُّخولِ وبعدِه. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عمرَ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، وابنِ مسعودٍ، وأنَسٍ. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ مِن التَّابِعينَ والأئِمَّةِ بعدَهم. وكان عَطاءٌ، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو الشَّعْثاءِ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، يقولونَ: مَن طلَّقَ البِكْرَ ثَلاثًا فهى واحدةٌ. ورَوَى طاوسٌ عن ابنَ عباسٍ، قال: كان الطَّلاقُ على عَهْدَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأبى بكرٍ وسَنَتَيْن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن خِلافَةِ عمرَ، طلاقُ الثَّلاثِ واحدةً. رَواه أبو داودَ (1). ورَوَى سعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، ومُجاهِدٌ، ومالكُ بنُ الحارِثِ، عن ابنِ عباسٍ، خِلافَ روايةِ طَاوُسٍ. أخْرَجَه أيضًا أبو داودَ (2). وأفْتَى ابنُ عباسٍ بخِلافِ ما روَى عنه طَاوسٌ (3). وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ عمرَ: أرأيتَ لو طَلَّقْتُها (4) ثلاثًا. ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (5) بإسْنادِه عن عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، قال: طَلَّقَ بعضُ آبائِى امْرأتَه ألفًا، فانْطلَقَ بَنوه إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أبانا طَلَّقَ أُمَّنا ألفًا، فهلِ له مَخْرَجٌ؟ فقال:«إِنَّ أبَاكُمْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَل لَهُ مِنْ أمْرِهِ مَخْرَجًا، بَانتْ مِنْهُ بثَلاثٍ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، وَتِسْعُمائَةٍ وسبعةٌ وتِسْعُونَ إثمٌ في عُنُقِهِ» . ولأَنَّ النِّكاحَ مِلْكٌ يَصِحُّ إزالَتُه مُتَفرِّقًا، فصَحَّ مُجْتَمِعًا، كسائرِ الأمْلاكِ. فأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فقد صَحَّتِ الرِّوايةُ عنه بخِلافِه، وأفْتَى بخلافِه. قال الأَثْرَمُ:
(1) في: باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، من كتاب الطلاق. سنن أبى داود 1/ 509. كما أخرجه مسلم، في: باب طلاق الثلاث، من كتاب الطلاق. صحيح مسلم 2/ 1099. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 314.
(2)
في الموضع السابق. سنن أبى داود 1/ 508.
(3)
انظر سنن أبى داود الموضع السابق. وانظر ما تقدم في صفحة 180. وما أخرجه الدارقطنى في: سننه 4/ 12 - 14.
(4)
في النسختين: «طلقها» . وانظر تخريج الحديث في صفحة 173.
(5)
في: كتاب الطلاق والخلع والإِيلاء وغيره. سنن الدارقطنى 4/ 20. وضعف إسناده.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن حديثِ ابنِ عباسٍ، بأىِّ شئٍ تَدْفَعُه؟ فقال: أدْفَعُه بروايةِ النَّاسِ عن ابنِ عباسٍ مِن وُجُوهٍ خلافَه. ثم ذَكَرَ عن [عِدَّةٍ، عن](1) ابنِ عباسٍ مِن وُجوهٍ خلافَه، أنَّها ثلاثٌ. وقيلَ: معنى حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ النَّاسَ كانوا يُطَلِّقُونَ واحدةً على عَهْدِ رسولِ
(1) سقط من: م.
وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً، أَوْ آيِسَةً، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، أَوْ حَامِلًا قَدِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا، فَلَا سُنَّةَ لطَلاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ إِلَّا في الْعَدَدِ، فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ. أَوْ قَالَ: لِلْبِدْعَةِ، طَلُقَتْ فِى الْحَال وَاحِدَةً.
ــ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأبى بكرٍ. وإلَّا فلا يَجوزُ أن يُخالِفَ عمرُ ما كان في عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأبى بكرٍ، ولا يَسُوغُ لابنِ عباسٍ أَنْ يَرْوِىَ هذا عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ويُفْتِىَ بخِلافِه.
فصل: فإنْ طَلَّقَ اثْنَتين في طُهْرٍ، ثم تَركَها حتى انْقَضَتْ عِدَّتُها، فهو للسُّنَّةِ؛ لأنَّه لم يُحَرِّمْها على نَفْسِه، ولِم يَسُدَّ على نَفْسِه المَخْرَجَ مِنَ النَّدَمِ، ولكنَّه تركَ الاخْتِيارَ؛ لأنَّه فَوَّتَ على نفْسِه طَلْقَةً جعلَها اللَّهُ له مِن غيرِ فائدةٍ تحْصُلُ بها، فكان مكْروهًا، كتَضْيِيعِ المالِ.
(فإن كانتِ المرأةُ صغيرةً، أو آيِسَةً، أو غيرَ مَدْخولٍ بها، أو حامِلًا قد اسْتَبانَ حَمْلُها، فلا سُنَّةَ لِطَلاقِها ولا بِدْعَةَ إلَّا في العَدَدِ، فإذا قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ. أو قال: للبِدْعَةِ. طَلُقَتْ في الحالِ واحدةً) قال ابنُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عبدِ البَرِّ (1): أجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ طَلاقَ السُّنَّةِ إنَّما هو للمَدْخولِ بها، فأمَّا غيرُ المَدْخولِ بها، فليس لِطَلاقِها سُنَّةٌ ولا بِدْعَةٌ، إلَّا في عَدَدِ الطَّلاقِ. على اخْتِلافٍ بينَهم فيه؛ وذلك لأَنَّ الطَّلاقَ في حَقِّ المدْخُول بها إذا كانتْ مِن ذَواتِ الأقْراءِ إنَّما كان له سُنَّةٌ وبدعةٌ؛ لأَنَّ [العِدَّةَ تطولُ](2) عليها بالطَّلاقِ في الحَيْضِ، وتَرْتابُ بالطَّلاقِ في الطُّهْرِ الذى جامَعَها فيه، ويَنْتَفى عنها الأمْرانِ بالطَّلاقِ في الطُّهْرِ الذى لم يُجامِعْها فيه، أمَّا غيرُ المدْخُولِ بها، فلا عِدَّةَ عليها [يُنْفَى تَطْويلُها ولا](3) الارْتِيابُ فيها، وكذلك ذَواتُ الأشْهُرِ؛ كالصَّغِيرةِ التى لم تَحِضْ، والآيِسَاتِ مِنَ المَحِيضِ، لا سُنَّةَ لِطلاقِهِنَّ ولا بِدْعةَ؛ لأَنَّ العِدَّةَ لا تَطولُ بطلاقِها في حالٍ، ولا تَحْمِلُ فتَرْتابَ. وكذلك الحامِلُ التى اسْتَبانَ حَمْلُها، فهؤلاءِ كلُّهنَّ ليس لطلاقِهِنَّ سُنَّةٌ ولا بِدْعَةٌ مِن جِهَةِ الوقتِ، في قولِ أصحابِنا. وهو مذهبُ الشافعىِّ، وكثيرٍ مِن أهلِ العلمِ. فإذا قال لإِحْدَى هؤلاءِ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ -أو- لِلبدْعةِ. وقَعتْ طَلْقةٌ في الحالِ، ولَغَتِ الصِّفَةُ؛ لأَنَّ طَلاقَها لا يَتَّصِفُ بذلك، فصارَ كأنَّه قال: أنتِ طالقٌ. ولم يَزِدْ. وكذلك إن قال:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ والبِدْعةِ. أو قال: أنتِ طالقٌ لا لسُّنَّةِ ولا لِلبدْعةِ. طَلُقَتْ في الحالِ؛ لأنَّه وَصَفَ الطَّلْقَةَ بصِفَتِها. ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِىِّ أن يكونَ للحامِلِ طلاقُ سُنَّةٍ؛ لأنَّه طَلاقٌ أُمِرَ به؛ لقولِه عليه الصلاة والسلام: «ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» . روَاه مسلمٌ (1). وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال: أذْهَبُ إلى حديثِ سالمٍ عن أبِيه. يعنى هذا الحديثَ. ولأنَّها في حالٍ انْتقَلتْ إليها بعدَ زَمَنِ البِدْعَةِ، ويُمْكِنُ أن تَنْتقِلَ عنها إلى زمانِ البِدْعَةِ، فكان طلاقُها طَلاقَ سُنَّةٍ، كالطّاهِرِ مِن الحَيْضِ مِن غيرِ مُجَامَعَةٍ. ويتَفَرَّعُ مِن هذا، أنَّه لو قال لها: أنتِ طالقٌ للبِدْعةِ. لم تَطْلُقْ في الحالِ، فإذا وضَعَتِ الحَمْلَ طَلُقَتْ؛ لأَنَّ النِّفاسَ
(1) في: باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، من كتاب الطلاق. صحيح مسلم 2/ 1095. كما أخرجه أبو داود، في: باب في طلاق السنة، من كتاب الطلاق. سنن أبى داود 1/ 504. والترمذى، في: باب ما جاء في طلاق السنة، من أبواب الطلاق. عارضة الأحوذى 5/ 124، 125. والنسائى، في: باب ما يفعل إذا طلق تطليقة وهى حائض؟ من كتاب الطلاق. المجتبى 6/ 114. وابن ماجه، في: باب الحامل كيف تطلق، من كتاب الطلاق. سنن ابن ماجه 1/ 652. والدارمى، في: باب السنة في الطلاق، من كتاب الطلاق. سنن الدارمى 2/ 160. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 26، 58، 59.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زمانُ بدْعَةٍ، كالحَيْضِ. وقولُه: إلَّا في العَدَدِ. يعنى أنَّه يُكْرَهُ له أن يُطَلِّقَ ثلاثًا أوَ يَحْرُمُ؛ لأنَّه إذا طلَّقَ ثلاثًا، لم يَبْقَ له سَبِيلٌ إلى الرَّجْعَةِ، فطلاقُ السُّنَّةِ في حَقِّهم أن يكونَ واحدةً؛ ليكونَ له سَبِيلٌ إلى تَزَوُّجِها مِن غيرِ أن تَنْكِحَ زوجًا غيرَه.
فصل: وإنْ قال لصغيرِةٍ أو غيرِ مَدْخولٍ بها: أنتِ طالقٌ لِلبدْعَةِ. ثم قال: أرَدْتُ إذا حاضَتِ الصغيرةُ -أو- أُصيبتْ (1) غيرُ المَدْخولِ بها. أو قال لهما: أنْتُما طالقتانِ للسُّنَّةِ. وقال: أرَدْتُ طلاقَهما في زمنٍ يصيرُ طَلاقُهما فيه للسُّنَّةِ. دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى. وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ فيه وَجْهان، ذكَرَهُما القاضى؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ. وهو [مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهرِ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ. ثم قال: أرَدْتُ إذا دَخَلتِ الدَّارَ. والثانى: يُقْبَلُ. وهو](2) أشْبَهُ بالمذهبِ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه، فيُقْبَلُ (3)، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، [أنتِ طالقٌ] (4). وقال: أرَدْتُ [بالثانيةِ إفْهامَها](5).
فصل: إذا قال لها في طُهْرٍ جَامَعَها فيلا: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ.
(1) في الأصل: «أصبت» .
(2)
سقط من: م.
(3)
في الأصل: «فقيل» .
(4)
سقط من: م.
(5)
في الأصل: «الثانية إفهاما» .