الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِنْ زَالَ بِسَبَبٍ لَا يُعْذَرُ فِيهٍ كَالسَّكْرَانِ، وَمَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ
ــ
«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (1). ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «كُلُّ الطَّلاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ المَغْلُوبِ (2) عَلَى عَقْلِهِ» . رَواه النَّجّادُ (3). وقال التِّرْمِذِىُّ: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ عَطاءِ (4) بنِ عَجْلانَ، وهو ذاهِبُ الحديثِ. ورَوَى (5) بإسْنَادِهِ عَنْ عَلِىٍّ مثلَ ذلك. ولأنَّه قولٌ يُزِيلُ المِلْكَ، فاعْتُبِرَ له العَقْلُ، كالبيعِ. وسواءٌ زالَ بجُنونٍ، أو إغْماءٍ، أو شُرْبِ دواءٍ، أو إكْراهٍ على شُربِ الخمرِ، أو شُرْبِ ما يُزِيلُ عقلَه، أو لم يَعْلَمْ أنَّه مُزِيلٌ للعقلِ، فكل هذا يَمْنَعُ وُقوعَ الطَّلاقِ، رِوايةً واحدةً، ولا نَعلمُ فيه خلافًا.
3422 - مسألة: (وإنْ كان بِسَبَبٍ لا يُعْذَرُ فيهِ، كَالسَّكْرَانِ
،
(1) انظر ما تقدم تخريجه في 3/ 15. والحديث ليس عند البخارى.
(2)
في م: «والمغلوب» .
(3)
في م: «البخارى» . والحديث تقدم تخريجه في صفحة 135.
(4)
بعده في م: «عن» .
(5)
أى النجاد. وعلقه البخارى، في: باب الطلاق في الإغلاق والكره. . .، من كتاب الطلاق. صحيح البخارى 7/ 59. ووصله ابن أبى شيبة، في: المصنف 5/ 31. وسعيد، في سننه 1/ 271، 272. والبيهقى، في: السنن الكبرى 7/ 359.
لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَفِى صِحَّةِ طَلَاقِهِ رِوَايَتَانِ. وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِى قَتْلِهِ، وَقَذْفِهِ، وَسَرِقَتِهِ، وَزِنَاهُ، وَظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ.
ــ
ومَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَه لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَفِى صِحَّةِ طَلَاقِهِ رِوايَتَان. وكَذَلِكَ يُخَرَّجُ في قَتْلِه، وقَذْفِه، وسَرِقَتِه، وَزِنَاهُ، وظِهَارِهِ، وَإِيلَائِهِ) اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رحمه الله، في طَلاقِ السَّكْرانِ؛ فرُوِىَ عنه أنَّه يَقَعُ. اخْتارَها أبو بكرٍ الخَلَّالُ، والقاضى. وهو (1) مذهبُ سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والحَكَمِ، ومَالكٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وأبى حنيفةَ، وصاحِبَيْه، وسليمانَ بنِ حربٍ، لقَوْلِ النبىِّ صلى الله عليه وسلم:«كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ، إِلَّا طُلَاقَ المَعْتُوهِ» . ومثلُ هذا عن علىٍّ،
(1) سقط من: الأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[ومعاوية](1)، وابنِ عباسٍ. قال ابنُ عباسٍ: طَلاقُ السَّكْرانِ جائِزٌ، أن رَكِبَ مَعْصِيةً مِن مَعاصِى اللَّهِ نَفَعَهُ ذلك (2)! ولأَنَّ الصحابةَ جَعَلُوه كالصّاحِى في الحَدِّ بالقَذْفِ؛ بدليلِ ما رَوَى [ابنُ وَبرَةَ](3) الكَلْبِىُّ، قال: أرْسَلَنِى خالدٌ إلى عمرَ، فأتَيْتُه في المسجدِ، وعندَه عثمانُ، وعلىٌّ، وعبدُ الرحمنِ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، فقلتُ: إنَّ خالدًا يقولُ: إنَّ النَّاسَ انْهَمَكُوا في الخمرِ، وتَحاقَرُوا العُقُوبَةَ. قال عمرُ (4): هؤلاءِ عندَك فَسَلْهم. فقال علىٌّ: نَراه إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، وعلى المُفْتَرِى ثمانون. فقال عمرُ: أبْلِغْ صاحِبَك ما قال (5). فجَعلُوه كالصَّاحِى. ولأنَّه إيقاعُ طَلاق مِن مُكَلَّفٍ غيرِ مُكْرَهٍ صَادفَ مِلْكَه، فوَجبَ أَنْ يَقَعَ، كطَلاقِ الصَّاحِى، ويدُلُّ على تَكْلِيفِه أنَّه يُقْتَلُ بالقَتْلِ، ويُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ، وبهذا فَارَقَ المجْنونَ. والثانيةُ، لا يَقَعُ (6) طَلاقُه.
(1) سقط من: الأصل. وانظر ما أخرجه البيهقى، في: السنن الكبرى 7/ 359.
(2)
أخرج البخارى عن ابن عباس معلقًا، وقال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز. باب الطلاق في الإغلاق. . .، من كتاب الطلاق. صحيح البخارى 7/ 58.
(3)
في النسختين: «أبو وبرة» . والمثبت كما عند الدارقطنى والبيهقى.
(4)
سقط من: الأصل.
(5)
أخرجه الدارقطنى، في: سننه 3/ 157. والبيهقى، في: السنن الكبرى 8/ 320.
(6)
في م: «يقطع» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اخْتارَها أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ. وهو قولُ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ومذهبُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والقاسمِ، وطاوُسٍ، ورَبِيعَةَ، ويحيى الأنْصارِىِّ، واللَّيْثِ، والعَنْبَرِىِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، والمُزَنِىِّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا ثابِتٌ عن عثمانَ، ولا نعلمُ أحدًا مِن الصحابَةِ خالَفَه. وقال أحمدُ: حديثُ عثمانَ أرْفَعُ شئٍ فيه (1)، وهو أصَحُّ -يعنى من حديثِ علىٍّ- وحديثُ الأعْمَشِ، [مَنْصُورٌ لا يَرْفَعُه إلى علىٍّ](2). ولأنَّه زَائلُ العقْلِ، أشْبَهَ المَجْنونَ والنَّائِمَ، ولأنَّه مفقودُ الإِرادةِ، أشْبَهَ المُكْرَهَ، ولأَنَّ العَقْلَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ؛ إذ هو عبارةٌ عن الخِطابِ بأمْرٍ أو نَهْىٍ، ولا يَتوجَّهُ ذلك إلى مَنْ لا يَفْهَمُه، ولا فرقَ بينَ زوالِ الشَّرْطِ بمَعْصِيَةٍ أو غيرِها، بدليلِ أنَّ مَن كَسَرَ ساقَه جازَ له أن يُصَلِّى قاعِدًا، ولو ضرَبتِ المرأةُ بطْنَها فنَفِسَتْ سَقَطَتْ عنها الصلاةُ، ولو ضَرَبَ (3) رأْسَه فجُنَّ سَقَطَ التَّكْلِيفُ. وحديثُ أبى هُرَيْرَةَ لا يَثْبُتُ. وأمَّا قَتْلُه [وقَذْفُه](4) وسَرِقَتُه، فهو كَمسألتِنا.
(1) حديث عثمان علقه البخارى بصيغة الجزم، في: باب الطلاق في الإغلاق. . .، من كتاب الطلاق. صحيح البخارى 7/ 58. ووصله عبد الرزاق، في: المصنف 7/ 84. وابن أبى شيبة، في: المصنف 5/ 30.
(2)
في م: «عن منصور ولا يرفعها على» .
(3)
في م: «ضربت» .
(4)
زيادة من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والحُكْمُ في عِتْقِه، ونَذْرِه، وبَيْعِه، وشِرَائِه، ورِدَّتِه، وإقْرارِه، وقَتْلِه، وقَذْفِه، وسَرِقَتِه، كالحُكْمِ في طَلاقِه؛ لأَنَّ المَعْنَى في الجميعِ واحدٌ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ في بيعِه وشرائِه الرِّوايتان. وسألَه ابنُ مَنْصورٍ: إذا طَلَّقَ السَّكْرانُ، أو سَرَقَ، أو زَنَى أو افْتَرَى، أو اشْتَرَى، أو باعَ؟ فقال: أَجْبُنُ (1) عنه، لا يَصِحُّ مِن أمرِ السَّكْرانِ شئٌ. وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ: حُكْمُ السَّكْرانِ حُكْمُ الصَّاحِى فيما له وفيما عليه؛ أمَّا في ماله وعليه، كالبَيْعِ والنِّكاحِ والمُعَاوَضَاتِ، فهو كالمجنونِ، لا يَصِحُّ له شئٌ. وقد أَوْمَأَ إليه أحمدُ. والأَوْلَى أنَّ ما لَه أيضًا
(1) في م: «أخبر» ، ومكانها بياض في الأصل، وانظر المغنى 10/ 349.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يَصِحُّ منه؛ لأَنَّ تَصْحِيحَ تَصرُّفاتِه فيما (1) عليه مُؤاخَذَةٌ له، وليس مِنَ المُؤاخَذَةِ تصْحِيحُ التَّصَرُّفِ (2) له. وكذلك الحُكْمُ في مَن شَرِبَ أو أكَلَ ما يُزِيلُ عقْلَه لغيرِ حاجةٍ وهو يعلمُ، قِياسًا على السَّكْرانِ [في وقوعِ طَلاقِه] (3). وبهذا قال أصحابُ الشافعىِّ. وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: لا يَقَعُ طَلاقُه؛ لأنَّه لا يَلْتذُّ بشُرْبِها. ولَنا، أنَّه زالَ عقلُه بمَعْصِيَةٍ (2)، فأشْبَهَ السَّكْرانَ.
فصل: وحَدُّ السُّكْرِ الذى يَقَعُ الخِلافُ في صاحِبِه، هو الذى يَجْعَلُه يَخْلِطُ في كلامِه، ولا يَعْرِفُ ردَاءَه مِن ردَاءِ غيرِه، [ونَعْلَه مِن](4). غيرِه، ونحو ذلك؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (5). فجَعَلَ علامةَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زَوَالِ السُّكْرِ عِلْمَه ما يَقولُ. ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: اسْتَقْرِئوه القُرآنَ، أو ألْقُوا رِداءَه في الأرْدِيَةِ، فإنْ قَرأَ أُمَّ القُرْآنِ، أو عَرَفَ رِداءَه، وإلَّا فأَقِمْ عليه الحَدَّ (1). ولا يُعْتَبَرُ أن لا يَعْرِفَ السَّماءَ مِنَ الأرْضِ، ولا الذَّكرَ مِنَ الأُنْثَى؛ لأَنَّ ذلك لا يَخْفَى على المجنونِ، فعليه (2) أوْلَى.
(1) أخرجه عبد الرزاق، في: باب الريح، من كتاب الأشربة. المصنف 9/ 229.
(2)
في م: «فغيره» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: قالَ أحمدُ، في المُغْمَى عليه إذا طلَّق، فلمَّا أفاقَ وعَلِمَ أنَّه كان مُغْمًى عليه، وهو ذاكِرٌ لذلك، فقال: إذا كان ذاكِرًا لذلك، فليس هو مُغْمًى عليه، يَجوزُ طَلاقُه. وقال في روايةِ أبى طالبٍ، في المجنونِ يُطَلِّقُ، فقيلَ له لمَّا أفاقَ: إنَّك طَلَّقْتَ امْرأتَك. فقال: أنا (1) أذْكُرُ إنِّى طَلَّقْتُ، ولم يَكُنْ عقْلِى معى. فقال: إذا كان يذْكُرُ أنَّه طَلَّقَ، فقد طَلُقَتْ. فلم
(1) في م: «ما أنا» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَجْعَلْه مجنونًا إذا كان يذْكُرُ الطَّلاقَ ويعلمُ به. قال شيخُنا (1): وهذا، واللَّهُ أعلمُ، في مَن جُنونُه بذَهابِ معْرفتِه بالكُلِّيَّةِ، وبُطْلانِ حَواسِّه، فأمَّا مَن كان جُنونُه لنشافٍ أو كان مُبَرْسَمًا، فإنَّ ذلك يُسْقِطُ حُكْمَ تَصَرُّفِه، مع أنَّ معْرِفَتَه غيرُ ذاهبةٍ بالكُلِّيَّةِ، فلا يَضُرُّه ذِكْرُه للطَّلاقِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
(1) في: المغنى 10/ 346.