الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التعبدية لا يجري فيها القياس (1).
ومثال ما ليس معقول المعنى: أن الصلاة فرض عند غروب الشمس فلا نقول إنها فرض عند طلوعها، وصلاة الجنازة على القبر جائزة فلا نقيس عليها صلاة النافلة.
رابعا: شروط العلة:
أكثر الأصوليين يعبرون عن الوصف الجامع بالعلة، ثم يذكرون من شروط العلة أن تكون وصفا مناسبا، وهذا لا يستقيم على قول من يرى جواز الاستدلال بقياس الشبه وقياس الدلالة؛ لأن الوصف الجامع في هذين القياسين هو الشبه في الأول ودليل العلة في الثاني، ولا يشترط لهما ظهور المناسبة، فالوصف الجامع الذي هو ركن من أركان القياس قد يكون علة، وقد يكون دليل العلة، وقد يكون وصفا شبهيا، كما سيأتي.
والشروط التي تشترك فيها هذه الثلاثة هي:
1 ـ أن يكون وصفا ظاهرا لا خفيا، مثل الإسكار علة لتحريم الخمر، وكون العبد لا يجبر على ابتداء النكاح يعلل به عدم إجباره على فسخه، وكون
(1) ليس المراد بقول العلماء: «القياس لا يجري في العبادات» ظاهره، بل مرادهم أن أصل العبادة لا تثبت بالقياس، وأما الشروط والموانع والصحة والفساد ونحوها من الصفات فقد يثبتونها بالقياس، وكتبهم مليئة بالأمثلة، ومن ذلك قياسهم جلسة التشهد الأول على الأخير في الوجوب، وقياسهم نسيان الركعة على نسيان الركعتين، وقياسهم سجود التلاوة على سجود الصلاة في اشتراط الطهارة، وقياسهم من تجاوز الميقات إذا لم يجد الشاة على المتمتع إذا لم يجدها فيجب عليه صيام عشرة أيام، وقياسهم صيام القضاء على صيام رمضان في وجوب النية من الليل، وقياسهم الحلي على الثياب والمسكن في عدم وجوب الزكاة، وغير هذا كثير جدا.
العبد يصح نكاحه يستدل به على صحة طلاقه وظهاره، وكون الوضوء قربة فيستدل به على اشتراط النية فيه.
2 ـ أن يكون الوصف منضبطا، أي: لا يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأمكنة اختلافا كبيرا.
فإن كان غير منضبط، فلا يصح التعليل به كالمشقة في الفطر في السفر، فإن الناس يختلفون في قدرة تحملهم، فمنهم من يشق عليه السفر وإن كان قصيرا، ومنهم من لا يشق عليه السفر، والشرع من مقاصده التساوي بين الناس في الحكم الشرعي، فلهذا جعل السفر مناط الحكم لأنه مظنة المشقة.
هكذا قال كثير من العلماء، والصواب أن المشقة علة للتخفيف، ولكن ليس كل ما فيه مشقة يكون علة للتخفيف، بل المشقة الخارجة عن المعتاد هي التي تصلح علة للتخفيف.
وأما التعليل لجواز الفطر للمسافر بالسفر فهو تعليل بعلة قاصرة على المحل لا تتعداه إلى غيره وهي قليلة الفائدة؛ إذ لا يبنى عليها قياس وإنما هي قصر للنص على محله.
ومع أن كثيرا من العلماء قالوا بقاعدة: المشقة تجلب التيسير، إلا أنهم لم يجعلوا الفطر في السفر مقصورا على من لحقته مشقة، بل عملوا بعموم النص الوارد في جواز الفطر للمسافر وإن كان منهم من حدد السفر المبيح للفطر بيوم وليلة أو بفراسخ محددة؛ لظنه أن ما دون ذلك لا توجد فيه مشقة.
ولم يقولوا: إن من لم يشق عليه السفر لا يجوز له الفطر والجمع والقصر، وذلك لعدم التجرؤ على مخالفة النص، فإن النص عام في كل مسافر فلم يقيدوه بالمشقة. ولا يختلفون في أن من شق عليه الصيام مشقة تفضي به إلى الهلاك أو الضرر الذي لا يتحمل، جاز له الفطر وإن كان مقيما في بيته، وهذه
المشقة تختلف من شخص لآخر فما يشق على فلان من الناس ويلجئه إلى الفطر ربما لا يشق على غيره.
3 ـ أن يكون الوصف متعديا، أي: يوجد في غير الأصل كوجوده في الأصل، فإن كان الوصف المعلل به قاصرا، أي: لا يتعدى محل الأصل الذي ثبت حكمه بالنص فتسمى العلة القاصرة، وقد أنكر التعليل بها الحنفية وأثبتها الشافعية، والجميع متفقون على أن العلة القاصرة لا يبنى عليها قياس، فلا تكون ركنا من أركانه.
مثال التعليل بالعلة القاصرة: تعليل جواز الفطر في السفر بالسفر، فإن هذه علة قاصرة لا تتعدى إلى غير المنصوص عليه.
4 ـ ثبوت العلية قطعا أو ظنا، والوصف الجامع يثبت كونه علة بطرق بعضها محل وفاق وبعضها محل خلاف. وستأتي مفصلة إن شاء الله.
5 ـ الاطراد، والمراد به: وجود الحكم كلما وجد الوصف المدعى كونه علة.
وعكسه: الانتقاض، وهو وجود الوصف مع تخلف الحكم.
والنقض هو: إبداء صورة أو أكثر وجد فيها الوصف المدعى عليته، مع تخلف الحكم.
مثاله، لو علل القصاص بالقتل، فإن هذه العلة منتقضة؛ لأن القتل خطأ لا قصاص فيه باتفاق، ولأن القاتل يقتل ولا قصاص في قتله، الخ.
وأما إذا علل القصاص بالقتل عمدا عدوانا فإن هذه العلة مطردة غير منقوضة، فكل من قتل مسلما معصوما يستحق القتل.
واختلف في هذا الشرط، فذهب أكثر الأصوليين إلى أنه شرط لصحة العلة
مطلقا، سواء أكانت منصوصة أم مستنبطة.
وذهب بعضهم إلى أنه شرط للعلة المستنبطة فقط.
والصحيح: أنه ليس بشرط لصحة العلة مطلقا؛ لأن العلة يكتفى فيها بالظن الغالب، وتخلف الحكم عن العلة في موضع لا يلغي الظن الغالب إذا شهد لهذا الظن شواهد أخرى، فإن تخلف الحكم في هذا الموضع قد يكون لفوات شرط من شروط العلة أو لوجود مانع، ولكن إذا اعترض على العلة بالنقض فلا بد للمستدل أن يبين سبب تخلف الحكم في هذا الموضع، فإن عجز عن بيان الفرق بين الصورة التي اعترض بها المعترض ومحل النزاع سقط استدلاله.
وهناك شروط أخرى مختلف فيها، وهي تذكر في كتب الأصول في مسائل خاصة، مثل مسألة التعليل بالحكم، أو التعليل بالاسم المجرد، أو عدم التركيب من أكثر من وصف، أو التعليل بالعدم، ونحو ذلك.
فهذه المسائل تشير إلى شروط مختلف فيها، اشترطها بعض العلماء في العلة فقال: يشترط أن تكون العلة وصفا وألا تكون اسما مجردا أو مركبة من أوصاف متعددة، أو عدمية (منفية).
وحيث إن الراجح عدم اشتراطها فنكتفي بضرب أمثلة للتعليل بتلك العلل المختلف في توافر شروط العلة فيها.
مثال التعليل بالحكم: قول الفقهاء في تكبيرة الإحرام: ركن من أركان الصلاة فلا يقوم غيرها مقامها كالركوع. فالعلة التي عللوا بها هي كون تكبيرة الإحرام ركنا في الصلاة، وهو حكم شرعي؛ إذ معنى الركن عندهم الفرض.
وتعليلهم عدم قضاء الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم
بكونه سنة فات محلها، وهو تعليل بعلة ذات وصفين: أحدهما حكم شرعي وهو قولهم سنة؛ إذ المقصود بالسنة هنا المندوب، ويدخل في هذا كثير مما يسمى بقياس الدلالة، كقولهم في الذمي: صح طلاقه فيصح ظهاره، فعلة صحة الظهار هنا هي صحة الطلاق. وكقولهم في المحرمات: حرم أكله فيحرم بيعه، أو حرم أخذه فحرم إعطاؤه، ونحو ذلك.
والصحيح من هذه الأقيسة يرجع إلى قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلة.
مثال التعليل بعلة مركبة من وصفين فأكثر: قولهم في علة القصاص: إنها القتل عمدا عدوانا، فهي مركبة من ثلاثة أوصاف، وفي علة قطع يد السارق: إنها سرقة نصاب من حرز مثله. وقولهم في قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية: طهارة حكمية فوجبت لها النية كالتيمم.
مثال التعليل بالاسم المجرد: قولهم في تعليل جواز التيمم بالجبس: تراب فيصح التيمم به كسائر ما يطلق عليه الاسم. وكقولهم في الرماد: ليس بتراب فلا يصح التيمم به، فهذا تعليل بنفي الاسم المجرد.
مثال التعليل بالوصف العدمي: قولهم: عدم الملك علة لوجود حرمة الانتفاع، وعدم الطهارة علة لبطلان الصلاة، ويدخل في هذا، التعليلُ بعدم الشرط.
والظاهر لي أن الوصف العدمي لا يصلح أن يكون علة في القياس لإثبات حكم وجودي، والذين استدلوا على جواز تعليل الوجودي بالعدمي قصدوا التعليل المجرد الذي لا يرجع إلى قياس فرع على أصل.
وأما تعليل العدم بالعدم، والعدم بالوجود، فجائز بلا خلاف يعتد به.
مثال الأول: التعليل بعدم السبب، مثل: عدمت القرابة والنكاح والولاء فانعدم الإرث، ومثال الثاني: التعليل بوجود المانع، كقولهم: وجد الرق فانعدم الإرث، وليس من عادتهم أن يذكروه في القياس إلا نادرا.