الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المصيبُ في مسائل الاجتهاد واحدٌ
هذه من المسائل التي طال البحثُ فيها، وتفرّع عنها بعضُ مسائل الاجتهاد الأخرى، وتُسمّى مسألةَ:«التصويب» أو «تصويب المجتهدين» . وقد عنون لها بعضُهم بنحو هذا العنوان.
وعنون لها بعضُهم بقوله: هل الحقُّ يتعدّدُ في مسائل الاجتهاد؟
وقال بعضُهم: هل لله في كلّ واقعةٍ حكمٌ معيّنٌ؟
ومحلُّ النزاع: إنما هو في المسائل الاجتهادية العملية، أما المسائل العملية القطعية، والعلمية الاعتقادية، فإن المصيبَ فيها واحدٌ، باّتفاقٍ، والحقُّ فيها لا يتعدّدُ.
ولم ينقلوا فيها خلافاً إلاّ عن القاضي العنبريّ، فإنه نُقل عنه قوله: كلُّ مجتهِدٍ في الأصول مصيبٌ. وعن الجاحظ مثلُ ذلك.
وقد حمله بعضُهم على تعدُّد الحقّ في المسائل العلمية الخبرية، وهو مخالفٌ لبدائه العقول؛ إذْ لا يُمكنُ أنْ يقولَ عاقلٌ إن اللهَ يُمكنُ أنْ يوصَفَ بهذه الصفة وبعدمها، وأن هذا الشيءَ واقعٌ وغيرُ واقعٍ.
وحمله بعضُهم على أنه لا يُؤَثّمُ المخطئُ من الكفار إذا بذل جهدَه في طلب الإيمان بالله فلم يصلْ إليه.
وحمله المحققون على أنه خاصُّ بالمجتهدين من أهل الملّة، إذا بذلوا جهدهم في إدراك الحقّ في مسائل الأصول أو الفروع، فأخطأوا، فإنهم لا يأثمون. ففسروا قولَه بالتصويب بأن المرادَ نفيُ الإثم.
وقد صحّح هذا التفسيرَ ابنُ تيميةَ، ودافع عن العنبريّ ـ وانتصر له، وقال:«إن المخطئَ من مجتهدي المسلمين مأجورٌ، سواء كان الخطأُ في الأصول أو الفروع، إذا بذل جهدَه ولم يصلْ إلى الحقّ» .
قال رحمه الله: «ولم يفرق أحد من السلف والأئمة بين أصول وفروع، بل جعل الدين قسمين: أصولا، وفروعا، لم يكن معروفا في الصحابة والتابعين، ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين إن المجتهد الذي استفرغ وسعه في طلب الحق يأثم لا في الأصول ولا في الفروع
…
وحكوا عن عبيد الله العنبري أنه قال: كل مجتهد مصيب، ومراده: لا يأثم، وهذا قول عامة الأئمة كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما» (1).
والخلاصةُ: أن الكلامَ في مقامين:
الأول: هل يُقال لكلٍّ من المختلفين: إنه مصيبٌ؟
الثاني: هل يأثمُ إذا خالف ما هو الحقّ عند الله؟
فأما في المقام الأول: فإن المسائلَ العلميةَ الخبريةَ لا يُمكنُ أنْ يتعدّدَ الحقُّ فيها، فيكونَ الصوابُ مع كلٍّ منهما؛ إذْ لا يقول عاقلٌ إن اللهَ موصوفٌ بصفة الرحمة، وغير موصوفٍ! وإن اللهَ قد كتب السعادةَ أو الشقاءَ على الإنسان، ولم يكتبها! لوجود التناقُض الممتنع عقلاً.
وعلى ذلك: فإن مَن قال في شيءٍ من مسائل الاعتقاد: إن كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، فلا يُحمَلُ قولُه على تعدُّد الحقّ فيها؛ لامتناعه عقلاً، وإنما يُحملُ على أنه معذورٌ في خطئه إذا لم يُخالفْ قاطعاً، وأما إذا خالف قاطعاً من غير تأويلٍ، فإنه يكونُ مقصِّراً.
(1) مجموع الفتاوى 13/ 125.
والجمهور على تأثيمه إذا خالف دليلاً قطعياً، وعذرِه إذا خالف ظنّيّاً.
ولا خلافَ في تأثيم الكفار؛ لورود النصوص القطعية بذلك، كقوله تعالى:{وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت23]، وقوله:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف103 - 105].
وما نُقل عن العنبريّ لا يصحُّ؛ لأن كلامه في أهل القبلة.
وأما الجاحظ فليس من أهل الاجتهاد، فلا يُعتدُّ بقوله.
وأما المسائل العملية: فإن كانت قطعية، أي: قام عليها دليل قطعي، فالحق ما قام عليه الدليل؛ إذ لا يمكن مخالفة الدليل القطعي.
وأما العملية الظنية: فإن العقل لا يمنع من تصويب المختلفين فيها. ولذلك اختلفوا فيها أيقال: الجميع مصيبون أم المصيب واحد؟
والثاني أرجحُ، والدليلُ عليه من وجوهٍ:
1 -
أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سمّى أحدَ المجتهدَين مصيباً، والآخَرَ مخطئاً، فقال:«إذا حكم الحاكمُ فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ» ، (متفق عليه)، فسمّاه مخطئاً.
2 -
أنه لو كان الجميعُ مصيبين مع اختلافِهم، لما كانتْ هناك حاجةٌ إلى المناظرة والاستدلالِ على المخالف؛ لأن الخلافَ يكونُ من باب اختلاف التنوُّع، والإجماعُ على خلاف ذلك.
3 -
أنه لو كان الحقُّ يتعدّدُ للزم اجتماعُ الضدّين في بعض صور الاجتهاد، كما إذا طلّق زوجتَه ثلاثاً، وهو ممن يرى الثلاث واحدةً، وهي ممن يرى الثلاثَ
ثلاثاً، فهل يُقالُ له: لا تُفارقْها، ويُقالُ لها: فارقيه؟! وكيف يكون كلٌّ من القولين حقّاً في هذا الصورة؟!
4 -
إجماع الصحابة على إطلاق وصف الخطأ على بعض أنواع الاجتهاد، كما في قول ابن مسعود رضي الله عنه في المفوضة: أقول فيها برأيي فإنْ كان صواباً فمن الله، وإنْ كان خطأً فمني ومن الشيطان، وأستغفرُ الله» (أخرجه أحمد والنسائي) ولا يُعرَفُ له مخالفٌ.
وأما عن المقام الثاني: وهو مقام التأثيم، فإن الجماهيرَ متّفقون على أن كلَّ مجتهدٍ من المسلمين مأجورٌ، إما أجراً واحداً، أو أجرين، ولم يُنقلْ خلافٌ في ذلك، إلاّ عن ابن عُليّةَ وبعضِ الظاهرية.
والدليل على أن المخطئَ في مسائل الاجتهاد مأجورٌ: الحديثُ المتقدّمُ: «إذا حكم الحاكمُ فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ» ، (متفق عليه).
وقد حكى غيرُ واحدٍ الإجماعَ على عدم تأثيم المخطئ في مسائل الاجتهاد.
وقد بنى بعضُ العلماء على الخلاف في تصويب المجتهدين اختلافَهم فيمن اجتهد في القبلة فصلى، ثم تبين له أنه صلى إلى غير الجهة الصحيحة، فهل عليه إعادةٌ؟
ذهب بعضُهم إلى إيجاب الإعادة، وبعضهم إلى عدم الإيجاب، وفرّق بعضُهم بين مَن كان داخلَ المصر فيُعيدُ، دون مَن كان خارجه.
ومن المسائل التي تُبنى على تصويب المجتهدين مع اختلافهم: موقف المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلّةُ، فالقائلون بالتصويب قالوا: يتخيّرُ أحدَ القولين فيقضي به؛ لأن كلاًّ منهما صوابٌ.
ومَن قال المصيبُ واحدٌ، قال: يجبُ عليه التوقُّفُ حتى يترجّحَ له أحدَ القولين، وإنْ حضر وقتُ العمل فله أنْ يُقلِّدَ عالماً آخَر.
ومن تلك المسائل: إذا تعارضت فتوى عالمين، فما موقفُ المقلِّد؟
فمَن قال: كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ، قال: يتخير.
ومَن قال: المصيبُ واحدٌ، قال: يأخذُ بقول الأوثق منهما والأعلم، فإن تساويا فالأورعُ منهما والأتقى، فإن تساويا، سأل ثالثاً.
وقد فسّر بعضُ العلماء ما نُقلَ عن الشافعيّ من تصويب المجتهدين بأن المرادَ أنه أصاب في عمله بما توصَّل إليه اجتهادُه، وليس المرادُ أنه أصاب الحقَّ عند الله في واقع الأمر. والمسألةُ فيها كلامٌ طويلٌ للأصوليين، ولكن فيما ذكرتُه كفايةٌ إن شاء الله تعالى.
وقد ساق جماعةٌ من الأصوليين - منهم الغزالي والصفيُّ الهنديّ - المسألةَ على وجهٍ آخَر، فقالوا: الواقعةُ إما أنْ يكونَ عليها نصٌّ أو لا، فإنْ كان عليها نصٌّ، فإما أنْ يجتهدَ في طلبه أو لا، إن اجتهد: فإما أنْ يبذُلَ وُسعَه أو يُقصّرَ في البحث.
فإن وجد المجتهدُ نصّاً وحكم به، فهو مصيب ولا خلافَ في ذلك.
وإنْ وجده ولم يحكمْ به مع العلم بدلالته، فهو مخطئٌ آثمٌ.
وإنْ قصّر في البحث، فهو آثمٌ.
وإنْ لم يُقصِّرْ، فهو غير آثمٍ.
وإنْ كانت المسألةُ لا نصَّ فيها، فقد قال جمهورُ المتكلِّمين: ليس لله فيها حكمٌ معيَّنٌ قبلَ اجتهاد المجتهد، بل حكمُ الله تابعٌ لاجتهاد كلّ مجتهد. ولهذا قالوا: كلُّ مجتهدٍ فيها مصيبٌ.