الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والصواب: أن التعادُلَ يعني تساوي الدليلين من كلّ وجهٍ، بحيثُ لا يبقى لأحدهما مزيةٌ على الآخَر.
وإذا حصل التعادُلُ ينسدُّ بابُ الترجيح، ولم يبقَ إلاّ أنْ يذهبَ المجتهدُ إلى تساقط الدليلين، والبحثِ عن أدلّةٍ أخرى، أو يتوقَّفَ، أو يتخيَّرَ، أو يذهبَ إلى الأشدِّ، أو إلى الأخفِّ من الحكمين اللذين دلَّ عليهما الدليلان المتعادلان.
وهذه أقوال العلماء في المسألة، كما سيأتي بيانها.
وأما التعارُض فهو يعني تقابُلَ الدليلين في الظاهر، بحيث يبدو للناظر إليهما في أول الأمر أنهما متنافيان، ويُمكن بشيءٍ من النظر، والتفكُّر الوصولُ إلى الجمع بينهما أو ترجيحِ أحدهما.
شروط التعارض:
ذكر بعضُ الأصوليين شروطاً للتعارُض، استفادها مما يذكره المناطقة في شروط التناقُض. فاشترط لحصول التعارُض الشروطَ التاليةَ:
1 -
التساوي في الثبوت، فلا تعارُضَ بين الكتاب وخبر الواحد، بل يقدم الكتاب.
2 -
التساوي في القوَّة، فلا تعارُضَ بين النصّ والظاهر، بل يُقدَّمُ النصُّ.
3 -
اتّحادُ الوقت، فلو اختلف الوقتُ، فالمتأخِّرُ مقدَّمٌ.
4 -
اتّحادُ المحلّ، فلو اختلف المحلُّ فلا تعارُضَ.
5 -
اتّحادُ الجهة، فلو اختلفت جهةُ تعلُّق الحكم بالمحكوم عليه، فلا تعارُضَ، مثل النهي عن البيع بعدَ نداء الجمعة الثاني، مع الإذن فيه في غير هذا الوقت.
6 -
اختلافُ الحكم الثابت بكلِّ من الدليلين، فلا تعارُضَ مع اتّحاد الحكم.
وقد وقع في بعض الكتب اشتراطُ اتّحاد الحكم (1).
وهو لا يصحُّ؛ لأنه مع اتّحاد الحكم لا يوجدُ تعارُضٌ، وقد يُحملَ ذلك على اتّحاد محلّ الحكم. ولكنه جعل اتّحادَ محلّ الحكم شرطاً مستقلاًّ! فلْيُتنبّه لذلك.
وهذه الشروط التي يذكرها بعضُ الأصوليين لو تحقّقت لانسدَّ بابُ الترجيح، وامتنع الجمعُ بين الدليلين، وامتنع القولُ بالنسخ؛ لأن الدليلين إذا تساويا في الثبوت والقوَّة لا يُمكنُ الترجيحُ بينهما، وإذا اتّحدا في المحلّ والزمان والجهة لا يُمكنُ الجمعُ بينهما، ولا القولُ بنسخ أحدهما بالآخَر.
ولهذا فلا بدَّ أنْ نعرفَ أن اصطلاحَ الأصوليين والفقهاء في التعارُض يصدُقُ على التعارُض في الظاهر للمجتهد ولو لم تتحقق فيه تلك الشروط، غير أنه لا بد لحصول التعارض من تقابل دليلين ظنيين، وتقاربهما في القوة عند المجتهد، ولذا قالوا قد يكونُ الدليلان متعارضين في الظاهر ثم يجتهدُ الفقيهُ في الجمع بينهما، أو في تقديم أحدهما على الآخَر، إما لقوَّته أو لكونه ناسخاً له.
ويُؤيّدُ ذلك قولُهم: «لا يكونُ الترجيحُ إلاّ مع وجودِ التعارُض، فحيثُ انتفى التعارُضُ انتفى الترجيحُ» (2).
كما يؤيده قول الجمهور: إن التعارُضَ بين الأدلّة إنما هو في الظاهر، أما في واقع الأمر فلا تعارُضَ.
ومنع بعضُ العلماء من استمرار التعارُض الظاهري إلى الأبد، وقال: لا يُوجدُ له مثالٌ.
(1) ينظر: البحر المحيط 6/ 110، وإرشاد الفحول ص 455.
(2)
شرح الكوكب المنير 6/ 616.
وإذا تحقّقت الشروطُ السابقةُ في الدليلين المتعارضين، فما موقفُ المجتهد؟
اختلف العلماءُ في ذلك:
فذهب بعضهم إلى التخيير، بأنْ يكونَ المكلَّفُ مخيَّراً بين العمل بهذا الدليل أو ذاك، ونُسب للشافعي، واختاره القاضي الباقلانيّ والغزاليّ.
وهذا يُناسبُ القائلين: إن كلَّ مجتهدٍ في الظنيات مصيبٌ، وأن الحقَّ عند الله يُمكنُ أنْ يتعدّدَ. ولا يُناسبَ المُخطِّئةَ.
وذهب بعضُهم إلى التوقُّف، وهو يُناسبُ القولَ بتخطئة بعض المجتهدين، وأن المصيبَ واحدٌ.
وذهب بعضهم إلى أن على المجتهد أنْ يأخذَ بالأشدِّ؛ لأن الحقَّ شديدٌ.
وذهب آخرون إلى أن عليه أنْ يأخذَ بالأيسر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يَسِّروا، ولا تُعَسِّروا» (متفق عليه عن أنس وأبي موسى).
والراجح - إن شاء الله تعالى - أنْ يُقال: هذا قد يكونُ في حقّ بعض المجتهدين دون بعضٍ؛ ولذا فإن المجتهدَ إذا لم يتّضحْ له رجحانُ أحد المتعارضَينِ يلزمُه أنْ يتوقّفَ ويبحثَ عن دليلٍ آخَرَ، يُؤيِّدُ هذا الدليلَ أو ذاك، فإنْ حضر وقتُ العمل ولم يترجّحْ له شيءٌ عمل بالأحوط منهما، أو قلَّد الأعلمَ منه.
وأما الذين يستفتونه فليس له أنْ يُفتيَهم، بل عليه أنْ يدلََّهم على غيره من المجتهدين، ويُخبرهم أنه لم يترجّحْ عنده شيءٌ.
وأما المقلّدُ الذي لا قدرةَ له على فهم الأدلّة والموازنة بينها ففرضُه سؤالُ مَن يثقُ في علمه ودينه من العلماء؛ لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل43].