الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنواع الإجماع:
ينقسم الإجماع باعتبارات متعددة أهمها:
أـ
…
أقسامه من جهة تصريح المجتهدين بالحكم، وله من هذه الجهة ثلاثة أقسام:
1 -
الإجماع الصريح: وهو ما صرح فيه أهل الإجماع بالحكم، وهذا نادر الوجود بل لو قيل بانعدامه لكان أولى، لكن لا يخرج عن الإمكان ولا يقال بامتناعه.
2 -
الإجماع السكوتي: وهو أن يصرح بعض المجتهدين بالحكم ويشتهر قوله ويسكت الباقون عن إنكاره.
3 -
الإجماع الضمني: وهو المستنتج من اختلاف أهل العصر على قولين أو أكثر، فيدل ذلك على اتفاقهم على أن ما خرج عن تلك الأقوال باطل.
ب ـ تقسيمه من حيث قوة دلالته:
وله بهذا الاعتبار قسمان:
1 -
قطعي، وهو ما تحقق فيه شرطان وهما: التصريح بالحكم من أهل الإجماع، ونقله إلينا بطريق قطعي.
2 -
ظني، وهو ما اختل فيه أحد هذين الشرطين.
حجية الإجماع:
1ـ ذهب جماهير العلماء إلى أن الإجماع حجة مطلقا.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
أـ
…
قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء115].
وجه الاستدلال أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بجهنم، ولا يتوعد بها إلا على فعل محرم، فدل ذلك على أن ترك سبيل المؤمنين محرم واتباعه واجب.
ب ـ قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة143].
وجه الاستدلال: أن الله جعل الأمة شهداء على غيرهم من الأمم، وهذا يدل على قبول قولهم إذا اتفقوا؛ لأن الشاهد قوله مقبول، والشهادة تشمل الشهادة على أعمال الناس وأحكامها.
ج ـ قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء59].
وجه الاستدلال: أن الآية تدل بطريق مفهوم المخالفة على أن ما اتفقوا عليه ولم يتنازعوا فيه حق؛ لأنها نصت على رد المتنازع فيه إلى الله والرسول، ففهم من ذلك أن المتفق عليه حق.
د ـ
…
قوله صلى الله عليه وسلم: «سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» وفي لفظ: «إن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة أبدا، وإن يد الله مع الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار» (أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجه والطبراني بألفاظ مختلفة، وهو مشهور المتن وله شواهد كثيرة. انظر: المقاصد الحسنة ص 460، وكشف الخفاء 2/ 488).
وجه الاستدلال: أن الله عصم الأمة إذا اجتمعت من الخطأ والضلالة، فثبت أن ما اجتمعت عليه الأمة صواب، والمعتبر قوله في أمور الشرع هم العلماء المجتهدون دون غيرهم فيكون إجماعهم معصوما من الخطأ، وهذا شرف عظيم لهذه الأمة ليس لغيرها من الأمم.
2ـ وذهب بعض العلماء إلى أن الحجة في إجماع الصحابة وحدهم وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب الظاهرية (1).
واحتجوا بأن ما يحكى من إجماعات بعد عهد الصحابة غير صحيح؛ إذ لا يمكن جمع آرائهم في مسألة واحدة مع تفرقهم في الأمصار، ولذا نقل عن الإمام أحمد أنه قال:«من ادعى الإجماع فقد كذب، لعل الناس قد اختلفوا» (2).
3ـ وذهب النظام وطوائف من الرافضة إلى أن الإجماع ليس حجة. فأما النظام فحجته عدم تصور وقوعه، ولو تصور لم يتصور نقله إلينا بطريق صحيح متواتر، والآحاد لا يعتبر عنده. وأما الروافض فلأن الحجة عندهم في قول الإمام المعصوم دون غيره فإن كان في عصر الأئمة المعروفين لم يعتبر قول غيره، وبعدهم لا حجة في قول أحد حتى يأتي الإمام المعصوم الذي يزعمون أنه اختفى في سرداب وأنه الإمام المنتظر.
وإذا أطلق أحد منهم حجية الإجماع في عصر الصحابة أو التابعين وتابعيهم فهو من باب التعمية على الناس؛ لأن العلماء إذا وافقوا إمامهم فالحجة عندهم في قوله وبقية العلماء تبع، وإن خالفوه فلا إجماع والحجة في قوله وحده (3).
فأما قول منكري الحجية مطلقا فظاهر البطلان؛ لأنهم عولوا على عدم إمكانه وقد بينا أنه ممكن في القديم والحديث، واحتجوا بعدم إمكان نقله متواترا، وعند الجمهور لا يشترط التواتر لنقله بل يكفي فيه خبر الآحاد.
ثم لو اشترط فهو ممكن كما تواتر نقل اتفاق النصارى على صلب المسيح
(1) الإحكام لابن حزم 508 - 509.
(2)
العدة لأبي يعلى ص 1059.
(3)
نبه على هذا إمام الحرمين في البرهان 676.
وهو باطل فكيف لا يمكن نقل الاتفاق على الحق. ولكن إذا نظرنا إلى واقع الإجماعات المنقولة في كتب أهل العلم نجد أن أكثرها غير صحيح وإنما اعتمد ناقله على أنه لم يعلم مخالفا في هذه المسألة أو اكتفى بالمنقول عن الأئمة الأربعة، أو اكتفى بنقل واحد لم ينقل عن معاصريه بل عمن لم يعاصرهم، مما يدل على أنه معتمد على الشهرة بين أهل العلم، وربما اعتمد في نقل الإجماع على قيام الدليل القاطع الذي لا يمكن أن يخالفه أحد من العلماء. ولا شك أن هذا الطريق في نقل الإجماع لا يورث القطع بل غايته الظن بعدم وجود مخالف.
وأما من اعتمد في نقل الإجماع على قيام الدليل القاطع فإن الحجة حينئذ تكون في الدليل القاطع، والإجماع فائدته دفع ما يتوهم من التأويل. ولا يقال بناء على هذا تكون فائدة الإجماع ضعيفة؛ لأننا نقول بل الإجماع دليل مهم فكثير من آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لو جردنا النظر إليها عما فهمه منها الصحابة والتابعون لما قطعنا بمقتضاها، ولأمكن حملها على احتمالات كثيرة، ولكن لما عرفنا اتفاق الصحابة والتابعين ومن بعدهم على تفسيرها لم يجز لنا أن نتأولها على خلافه.
فهذه الأدلة لو خلت عن الإجماع لكانت ظنية، لكنها معه صارت قطعية. مثال ذلك: أن قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء12]. لو لم يتفق الصحابة على أن المراد بالأخ والأخت هنا الإخوة لأم لكانت معارضة لآية: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء176].