الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القواعد المتعلقة بالمخصصات المتصلة
شروط الاستثناء:
يشترط في الاستثناء شروط منها ما هو محل وفاق ومنها ما هو محل خلاف، وفيما يلي بيانها:
الشرط الأول: الاتصال:
والمراد به اتصال الاستثناء بالمستثنى منه لفظا أو حكما.
والاتصال لفظا يكون بعدم الفصل بينهما، والاتصال حكما يكون بوجود فاصل يسير لا يدل على انقطاع الكلام واستيفائه، كالفصل بسبب انقطاع نفس أو بلع ريق أو سعال ونحوه.
وقد اشترط هذا جماهير العلماء، واستدلوا على ذلك بأن تأخر النطق بالاستثناء دليل على أنه لم يكن مرادا عند التكلم باللفظ السابق، والإرادة الطارئة لا تصلح مخصصة لما قصد عمومه.
وأيضا فإنه لو جاز الاستثناء المتأخر لما حصل الوثوق بعهد ولا عقد، ولا حنث حالف قط، لأنه سوف يستثني من كلامه السابق ما شاء متى شاء.
ومن أدلتهم النقلية قوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين ورآى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير» (رواه مسلم).
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد الحالف إذا رأى الخير في مخالفة ما حلف عليه أن يكفر عن يمينه ويأتي ما حلف عنه، ولو كان الاستثناء المتأخر صحيحا لأرشده إليه، ولم يرشده إلى التكفير؛ لأن الاستثناء أيسر على المكلفين،
والرسول صلى الله عليه وسلم ناصح أمين لأمته.
واستدل بعضهم على اشتراط الاتصال بأن الله أرشد أيوب عليه السلام إلى ضرب امرأته بعثكال النخلة بعد تجريده من التمر، فقال:{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص44] ولو كان الاستثناء المتأخر جائزا لأرشده إليه، وروى الزركشي عن أبي إسحاق الشيرازي قصة تتعلق بهذا الاستدلال (1).
ونقل عن ابن عباس جواز الاستثناء المتأخر.
واختلف النقل عنه فقيل: يجيز تأخر الاستثناء شهرا أو شهرين، وقيل إلى سنة، وقيل مطلقا. وتأوله القاضي أبو بكر بما إذا نوى الاستثناء عند كلامه الأول، ولكنه لم ينطق به إلا متأخرا. وخصه بعضهم بكلام الله جل وعلا.
والنقل عن ابن عباس ثابت كما في المستدرك وغيره عن ابن عباس قال: إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني إلى سنة. وإنما نزلت هذه الآية: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف24]، قال: إذا ذكر استثنى. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وقد ذكر الزركشي في المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر إسناد
(1) ينظر: البحر المحيط 3/ 286. والقصة المشار إليها تتلخص في أن أبا إسحاق أراد أن يخرج من بغداد طلبا للعلم، فخرج فرأى اثنين من الحمالين يتحدثان، فقال أحدهما للآخر: إني لأعرف آية في كتاب الله ترد قول ابن عباس في جواز الاستثناء المتأخر، قال صاحبه: وما هي؟ قال: قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص44] فلو كان الاستثناء المتأخر صحيحا لأرشده إليه، ولا حاجة إلى هذا التحيل ليبر بيمينه، فقال أبو إسحاق: بلدة فيها رجل يحمل البقل، وهو يرد على ابن عباس لا تستحق أن تخرج منها.
ذلك عن ابن عباس.
دليل هذا القول:
1ـ ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، إن شاء الله» (أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان، وقال ابن حجر: رجح الأئمة إرساله)، ففصل بين القَسَم الأول والاستثناء بقَسَمٍ ثان وثالث.
ويجاب عنه بأن القَسَمَين الثاني والثالث تأكيد للأول، فلا يعدان فصلا حقيقيا.
2ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استثنى من كلام قاله بعد شهر من التكلم به، لما نزل عليه قوله تعالى:{وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف24]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن شاء الله» .
وهذا الأثر رواه ابن جرير في تفسيره من طريق محمد بن إسحاق عن شيخ من أهل مصر فهو ضعيف لا تقوم به حجة، وقد اجتهد الآمدي في تأويله.
وذهب بعض العلماء إلى جواز تأخير الاستثناء ما دام في المجلس، وهو منقول عن عطاء والحسن البصري.
ووجهه أن الكلام في المجلس الواحد يكون له حكم الاتصال، وإن تخلله سكوت أو كلام في أمر آخر، وذلك لأن الشارع جعل البيعين بالخيار ما لم يتفرقا، أي: ما داما في المجلس، فجعل عقد البيع قابلا للنقض والإبطال ما دام العاقدان في المجلس.
ويجاب بأن المجلس قد يطول، وبأن خيار المجلس ثبت بنص خاص على خلاف القياس فلا يقاس عليه. وبأن المسألة لغوية فلا يجري فيها القياس.