الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6 ـ السبر والتقسيم:
السبر في اللغة: الاختبار، ومنه سمي المسبار وهو الميل الذي تختبر به الجراح. والتقسيم في اللغة: التجزئة.
وفي الاصطلاح: يطلق مجموع اللفظين على مسلك من مسالك العلة، وهو يعني: حصر الأوصاف التي توجد في الأصل وتصلح للعلية في بادئ الرأي، ثم إبطال ما لا يصلح منها فيتعين الباقي (1).
والمعنى: أن المجتهد ينظر في الأصل المقيس عليه الذي قام الدليل على حكمه، ثم يبحث في أوصافه التي يمكن أن يعلل الحكم بها، وليس بالضرورة أن يكون المجتهد قد حصر جميع الأوصاف التي يمكن التعليل بها فعلا، بل يكفي أن يكون عد منها ما يراه كذلك.
وهذه هي المرحلة الأولى.
والمرحلة الثانية أن ينظر في تلك الأوصاف فيبين بطلان التعليل بكل واحد منها حتى لا يبقى إلا واحد فيكون هو العلة.
والتقسيم في الواقع هو حصر الأقسام وذكرها، والسبر هو اختبارها وإبطالها كلها إلا واحدا. ولهذا أورد على التسمية أن التقسيم متقدم فلماذا أخر فقيل السبر والتقسيم، وأجيب بأن تقديم السبر في الاسم لأهميته في الدلالة على العلية.
مثاله: أن يقول حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع البر بالبر متفاضلا، والعلة إما أن تكون الطعم، أو الكيل، أو القوت والادخار، ثم يبطل الأخيرين ويقول فلم يبق إلا
(1) ينظر: نبراس العقول ص 368.
الطعم، أو يبطل الأولين ثم يقول: فلم يبق إلا الاقتيات والادخار.
شروط صحة هذا المسلك:
1 -
أن يكون التقسيم حاصرا، أي: لا يترك المستدل شيئا من الأقسام الممكنة، ولا يلزم أن يكون مترددا بين النفي والإثبات.
2 -
أن يكون إبطال ما عدا الوصف المعلل به بدليل مقبول.
3 -
أن يكون الحكم متفقا على تعليله بين الخصمين.
حجيته:
السبر والتقسيم مسلك صحيح من مسالك العلة، وقد يؤدي إلى ثبوت العلة قطعا إذا كان التقسيم حاصرا قطعا، وأُبطل التعليل بما عدا الوصف المبقى قطعا، والإجماع قائم على تعليل الحكم. وفيما عدا ذلك يكون ثبوت العلة ظنيا.
وأما إذا كان الاتفاق على تعليل الحكم بين الخصمين فحسب فيكون هذا المسلك حجة لإثبات العلة على من وافق على انحصار الأقسام في المذكورات دون غيره.
وقد استدل على كونه دليلا لإثبات المدعى بقوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور35].
ووجه الدلالة: أن الله جل وعلا قد ساق الآية في معرض الاستدلال على من أنكر وجود الخالق، فذكر القسمين الباطلين والقسم الثالث هو الواقع، وفي ذلك تنبيه على حجية مثل هذا الدليل، وإلا لما ساقه في معرض إقامة الحجة علىمنكري وجود الخالق.
ولو أردنا أن ننظم ما في الآية من الاستدلال على نمط كلام الفقهاء لقلنا: لا يخلو الأمر من ثلاثة احتمالات: إما أن يكون الناس خلقوا هكذا من غير خالق، أو يكونوا قد خلقوا أنفسهم، أو يكون خالقهم هو الله. فالأولان باطلان عقلا، فلم يبق إلا الثالث. والقرآن حين يستدل على وجود الله وإثبات أنه الخالق لا يكون ذلك غاية مقصوده ونهايتها؛ لأن العرب الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يؤمنون بأن الله هو الخالق، ولكن يؤكد لهم هذه الحقيقة ليصل منها إلى أن الله وحده هو المستحق للعبادة.
وهذا التقرير يدل على أن الاستدلال بالسبر والتقسيم لا يقتصر على إثبات العلة، بل يصلح استعماله للدلالة على أي مدعى متى أمكن حصر الاحتمالات واتفق عليها.
وهو راجع إلى القياس الاستثنائي؛ لأن المستدل يذكر الاحتمالات التي لا يخرج عنها موضع النزاع ثم يبين بطلانها كلها إلا واحدا، ويستعمل في إثبات بطلانها القياس الاستثنائي، فيقول لو كان كذا لكان كذا، لكن لم يكن فثبت بطلان هذا الاحتمال.
مثال توضيحي: أن يقول الشافعي: تحريم التفاضل في بيع البر بالبر معلل باتفاق، والعلة إما أن تكون الكيل أو الاقتيات والادخار أو الطعم، لا يصلح أن تكون العلة هي الكيل؛ إذ لو كان الكيل علة لما وقع الربا في القليل مما لا يكال، كالحفنة بحفنتين، لكنه واقع بدليل عموم الأدلة الدالة على تحريم الربا، وموافقة أكثر الخصوم عليه، ولو كان الاقتيات لما كان الملح من الربويات لكنه منها بنص الحديث:«والملح بالملح» ، فلم يبق إلا أن يكون الطعم هو العلة.