الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دلالة الأمر على التكرار
محل النزاع:
اختلف العلماء في الأمر المطلق هل يدل على تكرار الفعل المأمور به بحسب الإمكان؟ بمعنى أن المكلف مأمور بتكرار ما أمر به على وجه لا يستحيل عقلا ولا شرعا، فأما التكرار المؤدي إلى منعه من الاشتغال بما تقوم به حياته، أو إلى الجمع بين الضدين فهو ممنوع عقلا، وأما التكرار المؤدي إلى إسقاط أوامر الله الأخرى وترك امتثالها فهو ممتنع شرعا.
فهذان النوعان من التكرار غير داخلين في محل النزاع؛ إذ لا يقول أحد بوجوب تكرار الفعل المأمور به في جميع الأوقات؛ لأنه ممتنع عقلا وشرعا.
ومحل النزاع هو في التكرار الذي لا يؤدي إلى مستحيل عقلا أو شرعا، وفي الأمر الذي ليس مقيدا بمرة ولا بتكرار ولا معلقا على شرط ولا صفة، وفيه قولان مشهوران:
القول الأول: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار بحسب الإمكان، وهو منسوب للإمام أحمد وأكثر أصحابه، وحكاه ابن القصار عن مالك، وحكاه الغزالي عن أبي حنيفة، والمشهور عند الحنفية خلافه، فقد نص عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار (1) على أنه لا يقتضي التكرار.
وجه القول بالتكرار ما يلي:
1 -
أن الأمر بالإيمان والتقوى لا يكفي فيه مرة واحدة، ولو لم يكن الأمر
(1) 1/ 123.
للتكرار لكفى الإنسان أن يؤمن ساعة ويتقي الله ساعة، ولا خلاف في أنه لا يكفيه ذلك، وأنه لا بد من الاستمرار في ذلك.
2 -
أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وموجب النهي ترك المنهي عنه في جميع الأوقات، فينبغي أن يكون موجب الأمر فعل المأمور به في جميع الأوقات إلا ما دل العقل أو الشرع على استثنائه.
3 -
أن الأمر يقتضي وجوب الفعل ووجوب الاعتقاد والعزم، ثم إنه في جانب الاعتقاد والعزم يفيد الاستمرار والاستدامة فينبغي أن يكون كذلك في الفعل.
القول الثاني: أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، ورواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب وابن قدامة.
وجه هذا القول ما يلي:
1 -
أن صيغة الأمر لا تعرض فيها لعدد مرات الفعل، وإنما وجبت المرة الواحدة ضرورة دخول الفعل في الوجود؛ إذ لا يمكن وجوده إلا بفعله مرة واحدة.
2 -
قياس الأمر المطلق على اليمين والنذر والوكالة والخبر، فلو حلف أن يصوم أو نذر أن يصوم بر بصيام يوم واحد، ولو قال لوكيله: طلق زوجتي، لم يكن له أكثر من طلقة واحدة، ولو أخبر عن صيامه فقال: صمت، صدق بصيام يوم واحد.
3 -
قياس استيعاب الأزمنة على استيعاب الأمكنة، فكما لا يجب أن يفعل في كل مكان لا يجب أن يفعل في كل زمان.
4 -
أن القول بان الأمر يقتضي التكرار يؤدي حتما إلى تعارض الأوامر بحيث