الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ترجمة المصنف
توطئة (1): أفاضت المصادر في ترجمة ابن حجر، وتنوعت مظانُّ ترجمته، فتارة مع الحفاظ، وثانية مع القضاة، وثالثة مع المؤرخين، ورابعة مع الأدباء، فلما كان الحافظ ابن حجر ينماز بالمكانة العلمية المرموقة، فقد ترجم له كثير من المؤلفين القدماء، كما عني بعض المحدثين بأخباره ومكانته ومؤلفاته، ومن أوسع التراجم القديمة له: كتاب «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» ، لتلميذه السخاوي، فقد أجاد وأفاد، وعلى تصنيفه كان جل اعتماد من ترجم للحافظ ممن جاء بعده، وأما الحديثة فأحسنها كتاب:«ابن حجر العسقلاني ودراسة مصنفاته ومنهجه وموارده في كتابه الإصابة» للأستاذ الدكتور شاكر محمود عبد المنعم الهيتي، ويوجد في مقدمات كثير من الكتب، وهنالك دراسات اهتمت بتراثه منها:
1 -
موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية: جمع وإعداد أخينا الدكتور وليد أحمد الحسين وفريقه.
2 -
أنيس الساري: تحقيق الشيخ المحقق: نبيل بن منصور بن يعقوب البصارة، وهو موسوعة ضخمة اعتنت بتخريج الأحاديث والآثار التي أوردها الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» .
(1) انتفعنا بها من كتاب المسائل النحوية في كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري تأليف د. ناهد بنت عمر بن عبد الله العتيق 1/ 53، وغير ذلك، ومما كتبناه في مقدمة تحقيقنا للنكت على ابن الصلاح ونكت العراقي: 49 - 58.
اسمه ونسبه ونسبته وكنيته.
هو شهاب الدين أبو الفضل، أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن حجر الكناني العسقلاني.
وكنانة: هي قبيلته، وعسقلان (1): هي المدينة التي جاء منها أصوله.
وأما حجر: فهو اسم أحد أجداده أو لقب له واشتهر هو بـ (ابن حجر) وكنَّاه والده أبا الفضل كُني بذلك تشبيهاً بقاضي مكة أبي الفَضْل محمد بن أحمد ابن عبد العزيز العقيلي النويري، ولقب بـ (شهاب الدين)(2).
ولادته ونشأته:
ولد ابن حجر في الثاني والعشرين من شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة، على شاطئ النيل بمصر ونشأ يتيماً، حيث مات أبوه وله من العمر أربع سنوات، وكانت أمه قد ماتت قبل ذلك (3). وقد دخل الكُتَّابَ وهو ابن خمس سنين، وأكمل حفظ القرآن وهو في التاسعة من عمره، وصلّى بالناس التراويح في الحرم المكي سنة خمس وثمانين وسبع مئة، وله من العمر اثنا عشر عاماً، وكان مع وصيه زكي الدين الخرُّوبي (4)، وفي سنة ست وثمانين حفظ كُتُباً من مختصرات العلوم كـ «العمدة» ، و «الحاوي الصغير» ، و «مختصر ابن الحاجب» ، و «الملحة» للحريري، وغيرها (5).
(1) عَسْقَلان: بفتح أوله، وسكون ثانيه، ثم قاف، وآخره نون: مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر، بين غزة وجبرين، يقال لها:(عروس الشام)، وكان يرابط بها المسلمون لحراسة الثغر. مراصد الاطلاع 2/ 940.
(2)
ينظر: نظم العقيان: 45، وشذرات الذهب 7/ 270، وطبقات الحفاظ: 552، وابن حجر ودراسة مصنفاته 1/ 63 - 73.
(3)
رفع الإصر: 1/ 85، وابن حجر ودراسة مصنفاته 1/ 74.
(4)
ينظر: إنباء الغمر 1/ 306.
(5)
ينظر: الجواهر والدرر 1/ 123.
فإنَّه كما كتب بخطه فراجع وذاكر وقرأ وأقرأ، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السبيل، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
فأخذ عن مشايخ ذلك العصر، وقد بقي منهم بقايا، وواصل الغدو والرواح إلى المشايخ بالبواكر والعشايا (1).
ولم يكتف بذلك فقط، وإنَّما شدَّ رحال العزم ليشافه الرجال في مختلف الأماكن والبلدان؛ وليحظ بصحبة الجهابذة الأفذاذ الذين وصفهم أبو جعفر المنصور لما قيل له:«هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله؟ قال: بقيت خصلة أنْ أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث فيقول المستملي: من ذكرتَ رحمك الله؟ قال: فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر، فقال: لستم بهم، إنَّما هو الدَّنسة ثيابهم، والمتشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم بُدُد الآفاق ونقلة الحديث» (2)، فرحل رحمه الله إلى اليمن، والشام والحجاز وغيرها، وأخذ العلم عن مشاهير العلماء في هذه البلدان (3)، حتى حصّل مالم يحصله أقرانه وندماؤه.
شيوخه:
من أكثر من الطلب أكثر من الشيوخ، ومَنْ تفنن في العلوم لا بد أن تتعدد موارده العلمية فكان للحافظ ابن حجر ميزة على أقرانه بكثرة الشيوخ وتنوع المعارف، فقد تلقى ابن حجر العلم عن شيوخ كثيرين في مختلف العلوم والفنون، وقد خصص لشيوخه كتابين:
الأول: «المجمع المؤسس للمعجم المفهرس» ترجم فيه لشيوخه، وذكر مروياتهم بالسماع أو بالإجازة أو الإفادة عنهم.
(1) ينظر: الجواهر والدرر 1/ 125 - 126.
(2)
أدب الإملاء والاستملاء: 25.
(3)
ينظر تفصيل ذلك في: المعجم المؤسس: 255، و: ابن حجر ودراسة مصنفاته 1/ 113 - 140.
والثاني: «المعجم المفهرس» ، وهو فهرس لمرويات الحافظ، ذكر فيه شيوخه خلال ذكره لأسانيده في الكتب والمسانيد، والكتابان محققان، وكذلك ذكر شيوخ الحافظ تلميذه النجيب السخاوي في كتابه:«الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» ، وفصَّل القول عنهم، وقد قسّمهم على ثلاثة أقسام (1):
القسم الأول: فيمن سمع منه الحديث، ولو حديثاً تاماً، وعدة من فيه مائتان وزيادة على ثلاثين نفساً.
القسم الثاني: فيمن أجاز له، وعدته مائتان وزيادة على عشرين.
القسم الثالث: فيمن أخذ عنه مذاكرة أو إنشاداً، أو سمع خطبته أو تصنيفه أو شهد له ميعاداً، وعدته مائة نفس وزيادة على ثمانين.
فجملة الأقسام الثلاثة ستمائة نفس وأربعة وأربعون نفساً، بما فيها من الحوالات، وجملتها في الأقسام كلها أربعة عشر نفساً، فالخالص حينئذ ستمائة وثلاثون، وعلى الرغم من المبالغة في بعض ذلك إلا أنَّه يصفو له الكثير، لا سيما أنَّ المتأخرين لا يتحصل لهم مثل ذلك العدد على خلاف المتقدمين.
وفيما يأتي ذكر لبعض المشهورين منهم:
فمن شيوخه في الحديث:
1 -
عبد الرحيم بن الحسين العراقي ت (806) هـ (2).
2 -
علي بن أبي بكر الهيثمي ت (807) هـ (3)، وهو ثالث ثلاثة من أفضل من بقي بعد العراقي.
(1) ينظر: الجواهر والدرر 1/ 200 - 240.
(2)
ينظر: إنباء الغمر 5/ 170، وله ترجمة في طبقات الحفاظ: 538، وشذرات الذهب 7/ 55، وهو صاحب الكتب العظيمة، والمؤلفات النافعة، وقد كتب عنه شيخنا الدكتور أحمد معبد عبد الكريم دراسة وافية، وفي ترجمتنا للعراقي عند تحقيقنا لشرح التبصرة والتذكرة 1/ 34 قد ذكرناه في تلاميذ العراقي المشهورين.
(3)
ينظر: الضوء اللامع 5/ 200، وانظر: ترجمته في لحظ الألحاظ: 239، وطبقات الحفاظ:538.
ومن شيوخه في الفقه:
1 -
عمر بن علي بن الملقن ت (804) هـ (1)، وهو صاحب التصانيف الباهرة، والمعرفة الواسعة.
2 -
عمر بن رسلان البلقيني ت (805) هـ (2).
3 -
محمد بن علي بن محمد بن القطّان المصري.
4 -
علي بن أحمد الأدمي (3).
5 -
إبراهيم بن موسى الأبناسي ت (802 هـ)، صاحب العلم الغزير، والقلب الرحيم الذي كان يحسن إلى طلبته ويجمعهم على التفقه، ويرتب لهم ما يأكلون، ويسعى لهم في الأرزاق (4).
ومن شيوخه في العربية:
1 -
محمد بن محمد الغماري ت (802) هـ (5).
2 -
مجد الدين بن محمد بن يعقوب الفيروز آبادي ت (817) هـ (6).
3 -
أبو الفرج الغزِّي (7).
(1) ينظر: الضوء اللامع 6/ 10.
(2)
ينظر: الضوء اللامع 6/ 85 - 86، وهو شيخ وقته، وإمام عصره، كان أحفظ الناس في الفقه الشافعي، انتهت إليه المشيخة في الفقه في وقته، وعلمه كان كالبحر الزاخر ولسانه أفحم الأوائل والأواخر.
(3)
ينظر: الجواهر والدرر 1/ 129.
(4)
ينظر: الجواهر والدرر 1/ 128، وإنباء الغمر 2/ 112.
(5)
ينظر: إنباء الغمر 4/ 181.
(6)
ينظر: بغية الوعاة 1/ 273.
(7)
ينظر: بغية الوعاة 1/ 273.
ومن شيوخه في القراءات:
1 -
إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي ت (800) هـ (1).
2 -
شيخ القراءات محمد بن محمد بن محمد الدمشقي الجزري ت (833)(2).
3 -
أحمد بن محمد بن علي الخيوطي المصري ت (807 هـ)(3).
ومن شيوخه في أصول الفقه:
محمد بن علي بن محمد بن عيسى بن محمد بن أبي بكر القطّان المصري.
وظائفه:
تقلَّد الحافظ وظائف متعددة وهي:
1 -
التدريس: تولى تدريس التفسير والحديث والفقه في مدارس كثيرة منها (المدرسة الجمالية) و (المدرسة الشريفية) و (المدرسة الحسنية) وغيرها.
وقد أملى من خلال هذه الوظيفة أكثر من ألف مجلس حديثي (4).
2 -
الإفتاء: تولى منصب الإفتاء أكثر من ثلاثين سنة، فقد ولي إفتاء دار العدل في سنة إحدى عشرة وثمانمائة.
3 -
القضاء: تولى القضاء مدة تزيد على إحدى وعشرين سنة.
4 -
المشيخة: كان رحمه الله قد ولي مشيخة البيبرسية ونظرها، وبعد عزله منها حوّل مجلس إملائه إلى الكاملية، وأمر بتبيضها ثم أُعيد إلى الخانقاه على جاري عادته في أوائل ربيع الثاني في سنة اثنتين وخمسين وعاد الإملاء بها.
(1) ينظر: إنباء الغمر 3/ 398.
(2)
ينظر: المجمع المؤسس: 21.
(3)
ينظر: المجمع المؤسس:3/ 70.
(4)
ينظر: نظم العقيان: 46، وابن حجر ودراسة مصنفاته 1/ 205 - 227.
وهناك وظائف أخرى كالخطابة بالجامع الأزهر، وجامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، وخزن كتب المدرسة المحمودية وغير ذلك (1).
أسرته:
تزوج الحافظ -رحمه الله تعالى- سنة 798 هـ أولى زوجاته أُنس ابنة القاضي كريم الدين عبد الكريم بن أحمد بن عبد العزيز النستراوي الأصل المصري، تزوجها بإشارة وصيِّه العلامة ابن القطّان، فحصل لها بواسطة ذلك خير كثير.
واستولدها صاحب الترجمة عدّة أولاد، زين خاتون، وفرحة، وغالية، ورابعة، وفاطمة، ولم يأت منها بذكر قط، نعم كانت تجيء بين كل بطنين بسقط ذكر.
فالأولى اعتنى بها أبوها فاستجاز لها، وأسمعها على شيخه العراقي والهيثمي، وأحضرها على ابن خطيب في الثالثة الجزء الثالث من أول «حديث المخلص» وتزوجها الأمير شاهين العلائي الكركي، فولدت له أحمد وعزيزة وأبا المحاسن يوسف، كلهم ماتوا في حياة أمهم إلا يوسف المعروف بسبط ابن حجر فنشأ عزيزاً مكرماً في حجر جدَّيه، واستجيز له غير واحد من المسندين، وقرأ عليه «البخاري» و «التقريب» و «النخبة» داخل البيت وغيرها كثير.
والثانية (فرحة) تزوجها شيخ الشيوخ محب الدين ابن الأشقر الذي ولي نظر الجيش وكتابة السر، وكان أحد أعيان الديار المصرية، ولدت له ولداً مات صغيراً في حياة أمه.
والثالثة (غالية)، والخامسة (فاطمة): ماتتا بالطاعون في ربيع الأول سنة 819 هـ مع بعض عيال أبيهما.
(1) ينظر: الضوء اللامع 2/ 39، وابن حجر ودراسة مصنفاته 1/ 247 - 250.
والرابعة (رابعة): ولدت سنة 811 هـ أسمعها والدها على المراغي بمكة سنة 815 هـ وأجاز لها جمع من الشاميين والمصريين، وتزوجها الشهاب أحمد بن محمد بن مكنون، ودخل بها بكراً، فولدت منه بنتاً أسماها غالية، ماتت في حياتهما، ثم مات زوجها سنة 829 هـ فتزوجها المحب بن الأشقر المذكور أيضاً، واستمرت حتى ماتت عنده في سنة 832 هـ.
إنَّ صاحب الترجمة لما رأى كثرة ما تلده أمُّ أولاده من الإناث وأحبَّ أن يكون له ولد ذكر، ولم يمكنه التزويج مراعاة لخاطرها، اختار التسري، وكانت لزوجته جارية جميلة، يقال: إنها ططرية، اسمها خاص تُرك، فوقع في خاطره الميل إليها، فاقتضى رأيه الشريف أن أظهر تغيظاً منها بسبب تقصيرها وحلف أنَّها لا تقيم في منزله فبادرت زوجته في بيعها بأي ثمن كان، فأرسل الحافظ ابن ضياء الحنبلي فاشتراها له بطريق الوكالة، وأقامت في بعض الأماكن، حتى استبرأها ثم وطئها فحملت بولده القاضي بدر الدين أبي المعالي محمد.
كان مولده سنة 815 هـ، فأشغله والده بحفظ القرآن فختمه، وصلى بالناس على جاري العادة سنة 826 هـ بالخانقاه الركنية البيبرسية، وهو الذي صنَّف له الحافظ «بلوغ المرام» لكنَّه ما تيسر له حفظه (1)، بل حفظ يسيراً منه ومن غيره، وكتب عن والده كثيراً من مجالس العلم، واشتغل بالقيام بأمر القضاة والأوقاف ونحوها حتى فاق.
ومن زوجات الحافظ عتيقة العلامة نظام الدين يحيى بن سيف الدين الصِّيرامي
(1) مع كون ابن ابن حجر لم يحفظ الكتاب إلى أنَّ عدداً كبيراً من الناس حفظ الكتاب، ومازال الناس يهتمون بهذا حفظاً وتدريساً وتعلماً.
شيخ الظاهرية، تزوجها في مجاورة أم أولاده في سنة أربع وثلاثين، ورُزق منها ابنةً في سنة خمس وثلاثين، وهي بقاعة المشيخة بالبيبرسية، سمَّاها آمنة.
ومن زوجاته كذلك ليلى ابنة محمود بن طوغان الحلبية، تزوجها حيث سافر مع الأشرف إلى آمد في سنة ست وثلاثين، وكانت ذات ولدين بالغين، واستمرت معه إلى أنْ سافر من حلب، ففارقها، لكنَّه لم يُعلمها بالطلاق، وإنَّما أسرَّه لبعض خواصه والتمس منه أنْ لا يعلمها بذلك إلا بعد مُضيِّ المدة التي كان عجَّل لها النفقة عنها عند سفره.
وأعلمها بأنَّ الحامل له على الطلاق الرِّفق بها لئلا تختار الإقامة بوطنها أو يحصل لها نصيبها، فلا تتضرر بشبكته (1).
تلاميذه:
أما تلامذته، فقد توافدوا على مجالسه من كل حدب وصوب حتى ضاقت مجالسه، وامتلأت بجموعهم مدارسه، وقد أخذوا عنه من أقطار شتى وأماكن
مختلفة (2)، ومن أبرزهم وأشهرهم:
1 -
ابن فهد المكي، تقي الدين محمد بن محمد ت (871) هـ (3).
2 -
محمد بن سليمان الكافيجي ت (879) هـ (4).
3 -
برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي ت (885) هـ (5).
(1) ينظر: الجواهر والدرر 3/ 1207 - 1226.
(2)
ينظر: الضوء اللامع 2/ 39، وابن حجر ودراسة مصنفاته 1/ 167 - 179.
(3)
ينظر: نظم العقيان: 170.
(4)
ينظر: الضوء اللامع 7/ 259.
(5)
ينظر: نظم العقيان: 24، وقد ترجمناه بترجمة متوسطة في تحقيقنا للنكت الوفية 1/ 9 - 21.
4 -
محمد بن محمد الخيضري ت (902) هـ (1).
5 -
محمد بن عبد الرحمان السخاوي ت (902) هـ (2).
6 -
زكريا بن محمد الأنصاري ت (926) هـ (3).
مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
الداخل في كتب العلم تجاه هذه الفقرة يجد العجب العجاب، فهذا الذي لا يمكن تعداده ولا يُستطاع حصره، لكني ذكرت من ذلك حسب الإيجاز خشية الإطالة، فمنها:
1 -
كتب الحافظ العراقي على «لسان الميزان» ما صورته: كتاب «لسان الميزان» تأليف الحافظ المتقن، الناقد، الحجة، شهاب الدين أحمد بن علي الشافعي، الشهير بابن حجر، نفع الله بفوائده وأمتع الله بعوائده (4).
2 -
كتب العلامة تقي الدين أبو بكر الدجوي على بعض تخاريج الحافظ ما صورته: لقد بهر ابن حجر بفضله العقول والأفكار، كما فاق حَجَرُهُ الياقوت بل غيره من الحجّار «وإنَّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار» فإنَّه جمع فأوعى، وأوعب جمعاً وأبدع لفظاً ومعنىً، وجمع إحساناً وحسناً، فلو شاهد حسنه الجمالُ المزيُّ لأطنب في الثناء وأسهب، أو الذهبيُّ لذهب في الإعجاب كل مذهب، أو ابنُ عبد الهادي لاهتدى به واقتفى أثره، أو ابن كثير لكاثر ببعضه واستكثره،
(1) ينظر: الضوء اللامع 9/ 117.
(2)
ينظر: نظم العقيان: 152.
(3)
ينظر: نظم العقيان: 113، وقد ترجمناه بترجمة متوسطة في تحقيقنا لفتح الباقي 1/ 36 - 66.
(4)
ينظر: الجواهر والدرر 1/ 270.
فشكراً لهذا الإمام شكراً، فلقد جمَّل مصره، وجدد لها في الحفاظ ذكراً، أوزعه الله شكر ما حمله، كما زيَّن به عصره ومصره وجمَّله (1).
3 -
كتب العلامة كمال الدين الشُمُنّي في خطبة (شرحه للنخبة) ما نصه: فإنَّ الكتاب المسمى بـ «نخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر» من مصنفات الشيخ الإمام مفتي الأنام، مالك ناصية العلوم وفارس ميدانها، وحائز قصب السبق في حَلبة رهانها، الوارد من فنون المعارف أنهاراً صافية، اللابس من محاسن الأعمال ثياباً ضافية، حافظ السنة من التحريف والتبديل، المرجوع إليه في علمي التجريح والتعديل، وحيد دهره في الحفظ والاتقان، فريد عصره في النباهة والعرفان، فيلسوف علل الأخبار وطبيبها، إمام طائفة الحديث وخطيبها (2).
4 -
قال ابن تغري بردي في بيان صفاته: «شيخ الإسلام، حافظ المشرق والمغرب أمير المؤمنين في الحديث، علّامة الدهر، شيخ مشايخ الإسلام، حامل لواء سنة سيد الأنام، قاضي القضاة (3) أوحد الحفاظ والرواة، شهاب الدين أبو الفَضْل أحمد بن الشيخ علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن حجر المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، العسقلاني الأصل، الشافعي، قاضي قضاة الديار المصرية وعالمها وحافظها وشاعرها
…
لم يخلف بعده مثله شرقاً ولا غرباً، ولا نظر هو في مثل نفسه في علم الحديث.
(1) ينظر: الجواهر والدرر 1/ 273.
(2)
نتيجة النظر في نخبة الفكر للشمني: 36. وينظر: الجواهر والدرر 1/ 279 - 280.
(3)
ينظر كتاب العلامة الشيخ بكر أبو زيد في كتابه معجم المناهي اللفظية: 114، في حكم التلقيب بهذا اللقب.
وكان -رحمه الله تعالى- إماماً عالماً حافظاً شاعراً أدبياً مصنّفاً مليح الشكل منور الشيبة، حلو المحاضرة إلى الغاية والنهاية عذب المذاكرة، مع وقار وأبهة وعقل وسكون وحلم وسياسة ودرية بالأحكام ومداراة الناس، قلَّ أنْ كان يخاطب الرجل بما يكره، بل كان يحسن إلى من يسيء إليه (1)، ويتجاوز عمن قدر عليه هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة والبر والصدقات، وبالجملة فإنَّه أحد من أدركنا من الأفراد» (2).
وقال ابن فهد: «لم ترَ العيون مثله، ولا رأى مثل نفسه» (3).
أوصافه الخُلُقية:
قد عُرِف -رحمه الله تعالى- بتحريه في مأكله ومشربه وملبسه وأموره كلها، وعُرف في ضبط لسانه مما يشهد لورعه، حتى في الدعاء على من ظلمه (4)، وعرف بسعة حلمه وصدره وحسن سياسته والإعفاء عن من يؤذيه، لاسيما مع القدرة على الانتقام، بل
(1) اقتدى بذلك بشيخه العراقي رحمه الله إذ ذكر في المجمع المؤسس: 257 صفاته فقال: «
…
قلَّ أن يواجه أحداً بما يكرهه ولو آذاه».
(2)
النجوم الزاهرة 15/ 532.
(3)
لحظ الألحاظ: 336.
(4)
الذي نعتقده وندين الله به عدم جواز دعاء المسلم على أخيه المسلم بالسوء؛ لأنَّه إثم، وقد نهينا عن الدعاء بالإثم وقطيعة الرحم؛ لأنَّ فيه معنى الحسد، ولأنَّه يخالف مسألة من مسائل الإيمان، وهي وجوب حب الخير للغير من أهل الإيمان، ولأنَّ كل واحد من المختلفين يظن نفسه مظلوماً، ولأنَّه بخلاف الصبر الذي أمرنا به، ولأنَّ فيه تخطياً للسنَّة الإلهية في كون بعضنا لبعض فتنة، ولأنَّها خطوة من خطوات إبليس تجرُّ إلى الحقد، ثم إنزال الضرّ بالمسلم، وما جاء عن ابن عباس في هذا فهو اجتهاد منه لا نوافقه عليه، فإن أراد أن يدعو المسلم، فيدعو بكف الظلم عن نفسه، ويدعو بأن يجعل الله حسيبه.
يحسن لمن أساء إليه، ويتجاوز عن من قدر عليه، وعدم سرعة غضبه ما لم يكن في حق الله تعالى وحق رسوله صلى الله عليه وسلم، وعُرف كذلك بصبره على المحن والحوادث البدنية والمالية، وأنَّه غاية في السماحة والسخاء والبذل مع قصد خفاء ذلك، وشفقته على خلق الله تعالى وإحسانه للغرباء، ولا سيما أهل الحرمين، وابتكاره لهم في أوقافهم المستجد والقدوم، مما كثر الترحم عليه بسببه، وتميز ببره لشيوخه وأبناءهم، بل بطلبته وأصحابه وخدمه، وتميز كذلك عن كافة أهل عصره لمزيد التبسط في عارية الكتب، وحسن عشرته وتواضعه وحلو محاضرته وشدة خوفه من الله تعالى، وجمع العمل مع العلم (1)، وغيرها من الأوصاف الحميدة، فلله دره.
وفاته:
وبعد حياة حافلة في التعلم والتعليم فاضت الروح الطاهرة إلى بارئها وانتقلت إلى جوار ربها الكريم، ففي ليلة السبت الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمئة فارقت الروح هذا الجسد الذي طالما أضناه التعب في سبيل خدمة هذا الدين.
وحضر تشييعه جمع كبير من أهل القاهرة، ودُفن في القرافة الصغرى (2).
وقبره الآن يقع على مسافةٍ تقدر بحوالي (1500 م) من مقام الإمام الشافعي، ذكر ذلك الدكتور شاكر محمود عند زيارته له (3).
ولفقد هذا العَلَم الكبير أنَّتِ الأقلامُ والكتبُ، ورثاه المحبون، وممن رثاه
(1) الجواهر والدرر: 3/ 979 - 980.
(2)
المصدر السابق.
(3)
ابن حجر ودراسة مصنفاته: 191.
تلميذه البقاعي (1) بقصيدة مطلعها:
رزء ألَمَّ فقلتُ الدهر في وهج
…
وأعقل الناس منسوباً إلى الهرجِ (2)
مؤلفاته
يعد الحافظ ابن حجر من المكثرين في التصنيف، إذ له من المؤلفات والتحقيقات ما يزيد على مئتين وسبعين مؤلفاً، وهي متفاوتة في أحجامها فمنها الكبير، ومنها المتوسط، ومنها الصغير، ويغلب عليها التصنيف في الحديث والجرح والتعديل. وقد استقصاها تلميذه السخاوي (3)، وعدد من الباحثين المعاصرين (4)، وفصّلوا القول فيها، فبينوا مطبوعها من مخطوطها من مفقودها، ولا داعي لتكرار ما ذكره الباحثون من سرد مؤلفاته، ولكنني سأكتفي ببعض ذلك:
1 -
إتحاف المهرة (5).
2 -
الإصابة في تمييز الصحابة (مطبوع في أربع مجلدات).
3 -
إنباء الغمر بأبناء العمر (مطبوع).
4 -
بلوغ المرام (طبع عدة طبعات)، وهذه طبعتنا نسأل الله القبول.
5 -
تبصير المنتبه في تحرير المشتبه (مطبوع في أربع مجلدات).
(1) برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي ت (885 هـ)، وفي تحقيقي لكتابه النكت الوفية 1/ 12 - 14 ترجمت للحافظ ابن حجر في شيوخه. ومما يذكر هنا أنَّ البقاعي رثى نفسه في حياته لموته، مقدمة النكت الوفية 1/ 20 - 21.
(2)
لحظ الألحاظ: 339.
(3)
الجواهر والدرر:2/ 660 - 695.
(4)
منهم الأستاذ الدكتور شاكر محمود الهيتي في كتابه: ابن حجر ودراسة مصنفاته 1/ 255 - 687، والدكتور الفاضل عبد الحكيم الأنيس في مقدمته للعجاب: 40 - 52.
(5)
طبع في الجامعة الإسلامية ابتدءاً من عام 1994 وحتى عام 2002.
6 -
تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة (مطبوع).
7 -
تغليق التعليق (مطبوع في أربع مجلدات).
8 -
التلخيص الحبير (طبع عدة طبعات).
9 -
تهذيب التهذيب (طبع عدة طبعات، أولها في الهند في اثني عشر مجلداً).
10 -
الدراية في تلخيص تخريج أحاديث الهداية (مطبوع).
11 -
فتح الباري شرح صحيح البخاري (مطبوع في سبعة عشر مجلداً).
12 -
لسان الميزان (مطبوع في سبع مجلدات).
13 -
المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (مطبوع في خمس مجلدات).
14 -
نزهة الألباب في الألقاب (مطبوع في مجلدين)(1).
15 -
القول الثبت في الصوم يوم السبت (2).
أوهام الحافظ في الكتاب
1 -
وعلى الرغم من أنَّ الكتاب مختصر -كما ذكر ذلك مؤلفه- إلا أنَّه ساق بعض الأحاديث على جهة الاختصار كما في الحديث رقم (1)(3) و (9) و (90)(4).
2 -
أهمل أشياء لا بد من التنبيه عليها كما في الحديث رقم (10)، وأهمل الكلام على زيادة «فليرقه» وهي شاذة، وكما في زيادة:«أخراهن أو أولاهن بالتراب» في الحديث نفسه، والأولى أنْ يذكر الترجيح، ولم ينبه على الإدراج الوارد في الحديث (43)
(1) استفدنا في هذا المبحث كثيراً مما كتبه المحدَثونَ، كالدكتور شاكر محمود الهيتي والدكتور عبد الحكيم الأنيس في دراسته للعجاب، والدكتور ربيع بن هادي عمير في دراسته للنكت.
(2)
وقد ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه «فتح الباري» 13/ 430 عقب (5917)، وهذا الكتاب مهم في بابه، وقد ألمح الحافظ إلى فوائد وعوائد فيه.
(3)
سببه تقليده لصاحب المحرر.
(4)
ولعله قلد صاحب الإلمام.
علماً أنَّه أشار إليه في «فتح الباري» ، وكذلك في الحديث (57) لم يبين شذوذ رواية الترمذي، وحديث (117) أهمل الكلام عن الزيادة الشاذة.
3 -
ذكر فوائد وهنَّ كما في الحديث (17) إذ إن القياس أن لا يذكره اكتفاءً بالذي قبله، لكنَّه ذكره لمزيد فائدة، وهو الوعيد الشديد الذي يستفاد منه وهو أن المقترف لهذا الإثم واقع في كبيرة، ونحوه في الحديث الذي بعده (18) فقد ساق لفظ مسلم، ثم عقّبه بما عند الأربعة من أصحاب السنن؛ لإفادة العموم.
4 -
الاقتصار على الأهم، وترك ما هو مهم كما في حديث رقم (604) و (1120) و (1255).
5 -
وقع في أخطاء في العزو كما في الحديث (18) و (31)(1) و (45)(2) و (76) و (111) و (114) و (147) و (168) و (171) و (188) و (195) و (261) و (280) و (318) و (336) و (522) و (567) و (619) و (625) و (651) و (655) و (666) و (756) و (774) و (875) و (953) و (971) و (989) و (1096) و (1166) و (1175) و (1238) و (1241) و (1244) و (1249) و (1257) و (1280) و (1346) و (1357) و (1396) و (1438)(3) و (1443) و (1444) و (1453) و (1468) و (1471) و (1501) و (1542).
6 -
تلوُّنه في الأحكام، وبعبارةٍ أدق تَغَيُّر اجتهاده في كتبه فحديث رقم (60) قال:«بإسناد حسن» ، وقال في «التلخيص»:«إسناده صحيح» ، وقال في «الفتح»:«رجاله ثقات» .
(1) وهو قد خالف نفسه في «فتح الباري» .
(2)
وهو قد خالف نفسه في «التلخيص الحبير» .
(3)
عزاه للمتفق عليه، وقد جاء عند البخاري بلفظ مختلف ومعنىً واحداً.
7 -
خطؤوه في نسبة الأحاديث إلى مسانيد الصحابة كما في الأحاديث: (235) و (279) و (353) و (421) و (649)(1) و (760) و (1044) و (1202) و (1445) و (1544).
8 -
العزو إلى كتب وإهمال ما هو أهم كما في الحديث (104)(2) و (204) و (283) و (330) و (332) و (394) و (395) و (397)(3) و (448) و (528) و (656) و (741) و (776) و (835) و (840) و (857) و (911)(4) و (1187) و (1224) و (1467) و (1518) و (1550).
9 -
تصرَّف في بعض متون الأحاديث يسيراً كما في الحديث (533) و (895) و (1179) و (1216)(5).
10 -
التساهل في بعض الاطلاقات الدقيقة كما في الحديث (134) و (386).
11 -
الخطأ في تحديد عزو بعض الألفاظ (232) و (235) و (270) و (502) و (527) و (663) و (1311).
12 -
الخطأ في جعل المرفوع مقطوعاً كما في (344).
13 -
الخطأ في جعل المرفوع موقوفاً كما في (1221).
14 -
ذكر في الكتاب أحاديث موضوعة، وكان عليه أنْ يعرض عنها، فالأحكام لا تؤخذ من الأحاديث البواطيل كما في الحديث (427) و (472) و (521) و (1036).
(1) وهو قد خالف نفسه في: «أطراف المسند» .
(2)
وقد ناقض صنيعه في «التلخيص» .
(3)
وهو حديث مستقل أغفل ما هو أهم منه.
(4)
عزاه إلى «صحيح مسلم» ، وهو ليس فيه، إنَّما هو في «صحيح البخاري» .
(5)
حديثان جمع بينهما في حديث واحد، وهو عمل غير مقبول.
15 -
التساهل في تخفيف الحكم على الأحاديث الواهية كما في الحديث (468) و (1554).
16 -
أخذ المتن من كتاب المتأخر وعزو الحديث إلى كتاب المتقدم مع اختلاف اللفظين، كما في الحديث (564).
17 -
ساق بعض الأحاديث بالمعنى كما في حديث رقم (850) وهو مما لا ينبغي و (1089).
18 -
الخطأ في نسبة الأقوال إلى قائليها، كما في الحديث (1010) فقد عزا قولاً للترمذي وهو خطأ؛ فإنَّ قائله يزيد بن هارون، وإنَّما نقله الترمذي عنه، وفي حديث (1025) عزا قولاً لجابر، وذكر أنَّه متفق عليه، وإنَّما انفرد مسلمٌ بتخريجه، وهو من قول سفيان بن عيينة، علماً أنَّه نبَّه عليه في «فتح الباري» .
19 -
الخطأ في الأحكام كما في الحديث (1146).
أصله في كذا في بلوغ المرام
يطلق الحافظ ابن حجر «أصله في كذا» إذا ورد الحديث خارج الصحيحين، ويكون ثمة اختلاف يسير له، له أثر فقهي، وقد يكون هذا الاختلاف فيه علة، أو قد يكون ليس فيه علة، كما قال في حديث أبي هريرة في قصة ثمامة بن أثال عندما أسلم وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل، قال:«رواه عبد الرزاق، وأصله متفق عليه» (113)، والحديث في الصحيحين أنَّ ثمامة اغتسل، وليس عندها الأمر بالاغتسال، ومعلوم أنَّ وجوب الاغتسال لمن دخل الإسلام هو رأي جماعة من أهل العلم، وحديث عبد الرزاق حديث صحيح؛ فلهذا السبب خرَّج رواية عبد الرزاق من رواية الأمر، ولما يترتب عليها من أثر فقهي.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها» (171) رواه الترمذي والحاكم وصححاه، قال الحافظ ابن حجر:«وأصله في الصحيحين» .
والحديث في الصحيحين بلفظ: «على وقتها» ، وما ذكره الحافظ ابن حجر معلول بتفرد راويه ومخالفة من هو أوثق منه، ولكنه ذكره لما له من أثر فقهي.
وحينما ذكر رواية أبي داود (520) عند الحديث (182) وفيها: «ولم يستدر» ، قال:«وأصله في الصحيحين» أي: من غير تلك الزيادة الشاذّة.
وحينما ذكر حديث أبي عامر الأشعري رضي الله عنه برقم: (524) مرفوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلّون الخزَّ والحرير» قال: «رواه أبو داود وأصله في البخاري، وإنما صنع ذلك للشك في صحابيه عند البخاري، ولأنه صدره بقوله: قال» .
وحينما ذكر حديث أسماء بنت أبي بكر (533) أنها أخرجت جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مكفوفة الجيب والكمَّين والفرجين بالدِّيباج، قال:«رواه أبو داود وأصله في مسلم» ، إنَّما صنع ذلك بسبب الاختصار؛ لطول الحديث الذي في «صحيح مسلم» ولاقتصار رواية أبي داود على الشاهد.
وقال لما ذكر حديث عليٍّ (563) أنَّه كبَّر على سهل بن حنيف ستاً، وقال: إنَّه بدري: «رواه سعيد بن منصور وأصله في البخاري» .
وقد صنع الحافظ ابن حجر هذا للاختلاف بين الروايتين، ففي رواية سعيد بن منصور ذكر العدد والتعليل بكونه بدرياً بسبب التكبير في الصلاة بست تكبيرات، أما في رواية البخاري فليس فيها العدد، وقوله:«إنَّه بدري» من باب ذكر محاسن الموتى، وذكر العدد معلول؛ لعدم ورود هذا الصنيع عن بدري آخر.
وقال في حديث (593) جابر مرفوعاً: «لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا» : «أخرجه ابن ماجه، وأصله في «مسلم» لكن قال: «زجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه» ، فالرواية المرفوعة لفظاً في إسنادها إبراهيم بن يزيد المكي، وهو متروك، والرواية المرفوعة حكماً هي المحفوظة.
وقال (614): «وله من حديث أبي سعيد: «ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر، ولا حب صدقة» ثمَّ عقبه بقوله: «وأصله حديث أبي سعيد متفق عليه» وإنَّما صنع ذلك والحديث واحد؛ بسبب التطويل والاختصار بين الحديث الأول والثاني مع إلماح إلى الاختلاف اليسير.
وعند حديث حمزة بن عمرو الأسلمي (673) أنَّه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه» قال: «رواه مسلم، وأصله في المتفق من حديث عائشة أنَّ حمزة بن عمرو سأل» ، وإنَّما صنع ذلك بسبب الطول والاختصار، فرواية مسلم أطول من الرواية المتفق عليها وكلا الروايتين صحيحة.
وعند حديث عائشة رضي الله عنها (709) قالت: قلت: يا رسول الله على النساء جهاد، قال:«نعم، عليهنَّ جهاد ولا قتال فيه: الحج والعمرة» قال: «رواه أحمد وابن ماجه واللفظ له، وإسناده صحيح، وأصله في الصحيح» ، إنَّما قال ذلك لتقارب اللفظ.
وحديث (720) قال: «رواه الخمسة غير الترمذي، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة» ، والحديث المذكور أخصر، وهو أشمل للصراحة بأنَّ ما زاد تطوع.
وعند حديث عائشة (723)، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل العراق ذات عرق. قال:
«رواه أبو داود والنسائي، وأصله عند مسلم من حديث جابر، إلا أنَّ راويه شكَّ في رفعه» ، فبان من هذا الصنيع أنَّه أشار إلى رواية الأصل؛ لورود الشَّك فيها، وضعّفها وأنها لا تشفع للتي قبلها ولا التي قبلها تشفع لها.
وعند حديث عائشة (1036) أنَّ عمرة بنت الجون تعوذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدخلت عليه، تعني لما تزوَّجها، فقال:«لقد عذت بمعاذ» ، فطلَّقها، وأمر أسامة فمتَّعها بثلاثة أثواب»، قال:«أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده راوٍ متروك، وأصل القصة في الصحيح من حديث أبي أسيد الساعدي» .
أقول: سند ابن ماجه تالف، والحديث موضوع فلا داعي لترك الصحيح الذي في الصحيح ثمَّ ذكر التالف.
وعند حديث المسور بن مخرمة (1103) أنَّ سُبيعة الأسلمية رضي الله عنه نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها، فنكحت. قال:«رواه البخاري، وأصله في الصحيحين» .
وكلا الحديثين صحيح، لكنَّ البخاريَّ اختار لفظ البخاري من حديث المسور بن مخرمة؛ لأجل اللفظ وتقاربه مع الباب، وهو أخصر، والحديث الأصل الذي أشار إليه أطول؛ لكنْ فات الحافظ ابن حجر أنْ ينبه أنَّ حديث الصحيحين من حديث أم سلمة.
وعند حديث أبي شريح الخزاعي (1175) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمن قتل له قتيل بعد مقالتي هذه، فأهله بين خيرتين، إمَّا أن يأخذوا العقل أو يقتلوا» قال: «أخرجه أبو داود والنسائي، وأصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة بمعناه» .
قال ماهر: الحديثان صحيحان، ولو أنّه اكتفى بما في الصحيحين لكان أولى.
وعند حديث ابن عمر رضي الله عنهما (1180) عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ أعتى النَّاس على الله ثلاثة، من قتل في حرم الله، أو قتل غير قاتله، أو قتل لذحل الجاهلية» قال: «أخرجه ابن حبان في حديث صححه، وأصله في البخاري من حديث ابن عباس» .
قال ماهر: لو ذكر حديث البخاري لكان أولى، ولربما ذكر حديث ابن حبان؛ لأجل أن لفظه أوسع.
وعند حديث عوف بن مالك رضي الله عنه (1280) أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قضى بالسَّلبِ للقاتل. قال: «رواه أبو داود وأصله عند مسلم» .
قال ماهر: لا داعي لهذا الكلام، فالحديث عندهما باللفظ نفسه وبالإسناد نفسه.
وعند حديث المسور بن مخرمة ومروان (1311) أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية
…
فذكر الحديث بطوله، وفيه:«هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو: على وضع الحرب عشر سنين، يأمنُ فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض» قال: «أخرجه أبو داود وأصله في البخاري» .
وقال ماهر: لا داعي للتخريج بهذه الطريقة، وقد خلط الحافظ في هذا الحديث بين لفظين بطريقين مختلفين.