الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شعبان
أوله الأحد رأيناه عالياً نيراً وهو في أول الجوزاء والشمس في سابع عشر برج الثور وتاسع عشرين نيسان ورابع بشنس.
ويوم الثلاثاء ثالثه أول أيار، وسقع في هذه السنة الورد النصيبي إلا قليلاً منه وبعض لم يخرج، وقد اجتمع في هذا الوقت نقصان المياه جميعها النيل والأنهار والعيون والآبار في كل بلد وبعضها انقطع بالكلية ولم يجتمع نقصان النيل وسائل الأنهار فيما نعلم إلا في هذا الوقت.
ويوم الخميس خامسه ورد الخبر مع سواق بوفاة قاضي القضاة سري الدين أبي الخطاب محمد بن قاضي القضاة جمال الدين محمد بن عبدالرحيم بن علي بن عبد الملك السلمي المسلاتي الأصل الدمشقي الشافعي بالقاهرة، وهو سبط قاضي القضاة أبي الحسن السبكي ابن ابنته ستيتة كانت زوج القاضي تقي الدين أبي الفتح، فلما توفي تزوجها القاضي جمال الدين وكان قد توجه بعد عزله إلى القدس الشريف فجاء البريد بطلبه إلى الديار المصرية، فقيل ليولى قضاء القضاة بها فولي غيره، وقيل بل لأن ساعياً سعى في خطابهَ القدس واجتمع بالسلطان واستأذنه في العود إلى القدس فأذن له وعزم على الخروج في أول هذا الشهر فعاوده مرض كان يعتريه بدمشق يقال له مرض السبات فانقطع ستة أيام ومات.
ومولده في رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمئة بقاعة المدرسة الصمصامية، وحضر على ابن الخباز وغيره وسمع من جماعة من أصحاب
ابن البخاري وأجاز له في سنة أربع وخمسين جماعة من القاهرة كأبي الحرم محمد بن محمد القلانسي ومحمد بن إسماعيل الملول وأحمد بن محمد الدلاصي ويحيى بن أبي الحسن الحداد وكان والده قاضي قضاة المالكية يشغل ولده هذا بالتفقه على مذهب أخواله ونشأ عندهم وحفظ العمدة لعبد الغني في الحديث والألفية لابن مالك وبعض النبيه في اختصار التنبيه ثم نزل له والده عن التدريس بحلقة ابن صاحب حمص وباشرها في حياة خاله وعن مشيخة دار الحديث الظاهرية.
ولما توفي أخوه لأمه القاضي بدر الدين ابن أبي الفتح وكان تدريس الركنية قد جعل باسم ولد له صغير فسعى بعد موت خاله ااغاضي تاج الدين في النيابة عنه في تدريسها ثم استقل بعد وفاته وصار مفتياً بدار العدل ثم ولي قضاء العسكر ثم صار قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة ونابه بالقاهرة ثم أعاد بدمشق بالشامية الجوانية ثم استقل بتدريسها بعد وفاة قاضي القضاة ولي الدين وناب بى مشق لصهره المذكور واستقل بقضاء الشام بعد وفاته مع مشيخة السبع فباشره دون سنة ثم انفصل عنه حين تغيرت الدولة فأخذ توقيعاً في أيام الحصار بخطابة الجامع الأموي فلم يمكن من المباشرة ثم ولي خطابة القدس بعد وفاة ولد القاضي برهان الدين ابن جماعة ثم أُعيد إلى قضاء الشام مباشرة سنة ونصفاً ثم انفصل عنه كما قدمنا في هذا العام فتوجه إلى مصر وكانت منيته بها رحمه الله وكان عفيفاً نزهاً شريف النفس حسن المباشرة للأوقاف ولم يكن بالمتبسط في مأكله ومشربه ولا في ملبسه، وقد حدّث قراءة عليه بدر الدين بن كثير جزء أبا .....
وجاء مع السواق توقيع بوظائفه تدريس الركنية والشامية الجوانية ومشيخة الحديث الظاهرية ونظر الخانقاه المجاهدية لولده، وأن كاتبه والقاضي شهاب الدين الغزي ينوب عنه على العادة، ثم بعد ذلك أُبدل الغزي بالشيخ شهاب الدين الملكاوي.
وليلة السبت سابعه وقع مطر مفرق في طول الليل أثر في الأرض وكان الغيم مستمراً من حين صلاة الجمعة إلى أواخر نهار السبت وجاء بعد
عصر السبت سيل ملأ النهر وفاض وفرح الناس به لأنهم لم يروا النهر امتلأ إلا حينئذ.
ويوم السبت سابعه بكرة توجه النائب إلى المرج.
وبكرة يوم الأحد ثامنه توفي الشيخ الصالح إبراهيم (1) الحلبي المعروف بالصوفي بالمارستان النوري بعدما انقطع من يوم الاستسقاء وكانوا خرجوا به محمولاً وغُسّل بالمارستان وحضر غسله القضاة وحُمل في الساعة الرابعة إلى الجامع واجتمع خلق كثير وحمل على الرؤوس فوضع موضع الجنائز وترك إلى الظهر واجتمع الخلق كيوم الجمعة وصلى الإمام صلاة الظهر عقيب الأذان ثم صُلي عليه وعلى آخر فعبر من المجاورين بباب الناطفانيين ثم حمل معه وتزاحموا عليه وممن حمله حاجب الحجاب وكان النائب غائب بالمرج فأرسل يطلب أن يدفن بتربته التي أنشأها بالقبيبات فأحضر شهاب الدين الحاجب وصيته وفيها أن يدفن بالتربة التي أنشأها الحاجب غربي جامع جراح وذكر أنه أعد القبر له بها في حياته وأنه اعتنى به وزاره ونزله فأنفذ ذلك وتعجب الناس من ذلك ودفن هناك وحضر جنازته أمم لا يحصون وكثير من الناس لم يدرك الصلاة عليه.
وكان فيما يقال جاوز المائة ومنهم من يقول أنه بلغ مائة وعشرين، وحكوا لنا عنه أنه قال: في سنة قازان كنت رجلاً بتفليس (2)، وقد أرسل قازان يطلب منها عسكراً للخروج إلى الشام ولسنة قازان اليوم مائة سنة وهذا غريب جداً، وكان أقدم من بخانقاه السميساطية، وكان مباشراً على إقراء القرآن بالجامع بكرة وعشياً وحلقته مشهورة يحضرها خلق كثير يلقنون ويقرأون وتجيئه الفتوح والصدقات فيعطيهم ويحسن إليهم، وختم القرآن في حلقته خلق كثير يقال أنه أقرأ ألفاً القرآن ممن اسمه محمد.
وسعى في بناء المدرسة التي إلى جانب دار الحديث الأشرفية، وكان
(1) تاريخ ابن قاضي شهبة 4/ 623، إنباء الغمر 3/ 335، الدرر الكامنة 1/ 32 (81)، شذرات الذهب 8/ 607.
(2)
تفليس -قال ياقوت -مدينة قديمة أزلية- معجم البلدان 2/ 42 (2549).
الشيخ شرف الدين الهروي أوصى أن توقف داره مدرسة دار قرآن وكان بابها إلى ناحية الصمصامية والوجيهية فاشترى الفرن الذي عند دار الحديث وكان وقفاً به الشيخ إبراهيم وأضافه إلى الدار المذكورة وجعلت دار قران وذلك سنة ست وتسعين كما قدمنا.
وكان لشهاب الدين الحاجب قيام في ذلك ومساعدة فلهذا السبب كان يميل إليه مع كثرة خدمته له وتردده إليه فسأله أن يدفن بتربته فأجابه إلى ذلك وكان يقال أنه أول من يدخل إلى الجامع وآخر من يخرج منه، يأتي سحراً فيجلس في مكان الإقراء إلى ضحى النهار ثم يجيء آخر النهار فيجلس إلى هوي من الليل.
وكان شيخاً طولاً كامل الهيبة وله قوة وهمة ويأكل كثيراً وطَيبّاً على عادة الصوفية ثم ضعف بآخره وقل أكله وانقطع بالمرستان إلى أن توفي إلى -رحمه الله تعالى- ويومئذ أعني يوم الأحد ثامنه أول برمهات ويوم الثلاثاء عاشره توفي علاء الدين علي بن عمر ..... الشاهد ودفن بالصوفية.
ويوم السبت رابع عشره وقع بعد الزوال مطر كثير جداً وبرد جرت منه الميازيب، وفي الساعة السادسة من ليلة الأحد نصفه نقلت الشمس إلى برج الجوزاء والبرد إلى الآن موجود والناس مستمرون على لبس الفراء والصوف ولله الحمد، وأما المياه فقليلة جداً ولم يزد النهر ولم تدفع العين في هذه السنة شيئاً، بل هو باق على قلته بل أقل وهو في تناقص، ونهر بردى يخوضه الطفل ولا يبلغ الساقين، ونهر بردى عند جسر
…
يابس ليس فيه قطرة وهذا لم نعهده.
ويوم الثلاثاء سابع عشره قبض على الأمير أقبغا الذي كان دوادار السلطان ثم خزنداراً ثم حاجباً بالقاهرة، ثم صار بدمشق أميراً فسجن وأودع القلعة وفي الغد يوم الأربعاء قبض على أمير يقال له خضر ثم أرسلا إلى قلعة الصبيبة أو المرقب (1).
(1) المرقب -قال ياقوت -بلد وقلعة حصينة على ساحل الشام- معجم البلدان 5/ 127 (11145).
ويوم الأربعاء ثامن عشره قدم النائب من المرج ليلبس من الغد خلعة قدمت من السلطان بسبب الأغوار فلبسها من الغد وحضر الموكب ثم بعد ذلك توجه إلى المرج.
ويومئذ يوم الأربعاء قدم شهاب الدين ابن الجواشني من القاهرة ومعه عبد الرحمن بن شمس الدين الأذرعي قاصداً قاضي القضاة (*).
ويوم الأربعاء خامس عشريه توفي القاضي كمال الدين محمد (1) بن القاضي بدر الدين حسن الحصني الحنفي بنواحي المزة وهو في عشر الستين، وكان له اشتغال ودرس وأفتى وجلس مع شهود الحكم بالنورية وخطب بالخاتونية كأبيه زماناً، ثم باشر نيابة الحكم واستمر إلى شعبان سنة خمس وتسعين فجرت له كائنة مشهورة وادعت امرأة أنها أودعته مالاً كثيراً وأنكر ذلك وآل أمره إلى أن ضرب في العشر الأخير من شعبان، ثم قرر عليه مبلغ على صورة الصلح فباع ملكه ونزل عن وظائفه وعزل من القضاء، وبقي في حاله زرية، ثم أخذه المالكي فجعله شاهداَ يحكم عنه وصار يشهد على الخطوط من عرف ومن لم يعرف، وساق في أول هذه السنة مع نائب المالكي مع الذين سافروا إلى الغور فجاء متضعفاً ولم يزل إلى أن توفي.
وكانت كائنته تلك قد أُعيدت في هذه الأيام فطلبه الحاجب ورسم عليه ثم تخلص قبل موته بيومين وجاء إلى المرستان فمات.
ويوم الاثنين ثاني عشريه وردت إلى القاهرة في البحر رسل ابن عثمان عظيم الروم فنزل الحجاب لتلقيهم وأنزلوا الميدان.
ويوم الخميس سادس عشريه رجع النائب من المرج بعدما غاب تسعة عشر يوماً ونزل في بعضها كما قدمنا.
ويومئذ قدمت رسل ابن عثمان متوجهون إلى السلطان ومعهم هدايا
(*) جاء في حاشية الورقة (54 ب): مات عز الدين الكفري في صفر سنة خمس وتسعين، ولي خطابة جامع تنكز عن نجم الدين دون أربعة أشهر سنة (98) ثم في شعبان من السنة.
(1)
تاريخ ابن قاضي شهبة 3/ 639، إنباء الغمر 3/ 359.
وأخبروا بالوقعة الكائنة بين ابن عثمان والفرنج وأنه قتل منهم مقتلة عظيمة فأقاموا أياماً ثم توجهوا في شهر رمضان.
ويوم الجمعة سابع عشريه ويوم السبت أيضاً ثار هواء عاصف قصف الأشجار ورمى الثمار على قلتها في هذا العام من المشمش والتوت وغير ذلك مما لم يتناهى نضجه.
ويوم الأحد تاسع عشريه وسابع عشرين أيار أول بونة، وليلة الائنين منه تراءى الناس الهلال هلال رمضان فلم يره أحد ولا تحدث برؤيته مع أن كان ممكن الرؤية لأن بُعده أكثر من ثلثي أصيع، حرروه نصفاً وخمساً، وكان بعده عشر درجات ومكثه ثلاث عشر درجة وخمسين وكان في الرابع والعشرين والشمس في الرابع عشر من الجوزاء.
وفي أواخره وصل عبد الوهاب ابن المنجا من القاهرة وكان توجه يسعى للقاضي علاء الدين في القضاء فلم يجب إلا أنه أخذ توقيعاً بما بيد القاضي من المدارس وهي الحنبلية ونصف الصاحبية ونصف الجوزية بشبهة أن بيد ابن منجا نزولاً بهن قديماً، ولم يبق بيد القاضي سوى دار الحديث الأشرفية مشتركة بينه وبين ابن مفلح ثم استرجع القاضي الحنبلية بتوقيع سلطاني في الشهر الآتي.